هارتس : وزير الدفاع يقوم بتقويض أمن اسرائيل
هآرتس – اوري بار يوسف – 11/2/2025
(المضمون: توبيخ كاتس لرئيس “أمان” هو جزء من عملية يمكن أن تترك اسرائيل مع جهاز استخبارات ضعيف وخائف. وجميعنا سندفع ثمن ذلك في المستقبل – المصدر).
تخيلوا السيناريو التالي: المواطن يسرائيل كاتس ذهب الى الطبيب واشتكى من أنه يعاني من وجع الرأس والغثيان والتقيؤ وتلعثم في الكلام وتشوش في النظر والقدرة على التركيز. الطبيب سيشك بأن الامر يتعلق بمشكلة جدية ويقوم بارساله لاجراء عدة فحوصات. في النهاية يقوم باستدعائه والقول له بأن التشخيص واضح: الحديث يدور عن ورم في الرأس، لذلك يجب عليه البدء في العلاج الفوري الذي يمكن أن ينقذ حياته.
المواطن كاتس لم يتأثر. وقام بتوبيخ الطبيب وقال له بأنه لن يكون واقع يمكن للاطباء فيه التحدث عن حالته الصحية. ويعود الى البيت بسعادة وسرور. بعد ذلك سيدفع الثمن مثل كل من ينفي وجود خطر صحي واضح وفوري. هذا من حقه. المسموح لكاتس كمواطن محظور عليه كوزير للدفاع، المسؤول ليس فقط عن أمنه الشخصي بل عن أمن دولة اسرائيل. لذلك فان اعلانه في اعقاب تحذير رئيس شعبة الاستخبارات “أمان”، بأنه “لن يكون واقع فيه ضباط الجيش يطرحون مواقف ضد الخطة المهمة للرئيس الامريكي ترامب حول غزة، وضد المستوى السياسي” – هذا ليس فقط غباء، بل هو جريمة ايضا. هذا الاعلان يقوض أسس أمن دولة اسرائيل ويسرع عمليات خطيرة يمكن أن تتركها بدون جهاز استخبارات بجودة عالية، الذي مهمته الرئيسية هي اعطاء الانذارات مثل التي قدمها رئيس “أمان”.
في أي مرة لم يكن من السهل أن تكون المقيّم، الشخص الذي يعطي التقييم الوطني في دولة اسرائيل. ولكن هذه الوظيفة صعبة بشكل خاص في هذه الاثناء. اضافة الى كل المشكلات العادية التي تحول التقدير الاستخباري الى تحد مهني، صعب وخطير، على المقيّم الوطني أن يواجه الآن ايضا رئيس الحكومة ووزير الدفاع. الموافقة على تقديرات استخبارية لا تروق لهم. قبل سنتين تجاهل نتنياهو ستة تحذيرات استراتيجية، حذرت من أن اعداء اسرائيل يقومون بالاعداد لعملية بسبب التآكل المستمر لصورة ردع اسرائيل. الآن صعدنا درجة. وزير الدفاع لا يتجاهل فقط، بل هو ايضا يضرب رأس كل من يحذر من التهديد الآخذ في التشكل.
نحن تحملنا الكثير مما “لا يمكن تخيله” في السنتين الاخيرتين. وحتى أنه من الصعب علينا التمييز بين الاقوال الفارغة لتالي غوتلب وشلومو قرعي وبين التهديدات الحقيقية التي تضر بقدرتنا على الوجود. التوبيخ الذي وجهه كاتس لرئيس شعبة الاستخبارات هو تهديد حقيقي. فهو يقوض أسس أمن الدولة، ومن المهم معرفة الى أين يمكن أن يوصلنا ذلك.
نظرية الامن لدولة اسرائيل تستند طوال الوقت الى ثلاثة ركائز. واحدة منها هي تلقي تحذير استخباري عن امكانية اندلاع الحرب. الدور الرئيسي لـ “أمان” منذ اقامتها في 1948 هو تقديم تحذير عن تهديدات مقتربة. ليس دائما فعلت ذلك بنجاح. في حالات كثيرة التقدير الذي قدمته لمتخذي القرارات لم يتساوق مع السياسة التي حاولوا دفعها قدما. ولكن خلال كل تاريخ دولة اسرائيل وحتى الآن لم تكن هناك أي حالة قامت فيها الاستخبارات بدورها وتم توبيخها على ذلك. هاكم بعض الامثلة:
دافيد بن غوريون سمع تقدير المختصين بالشؤون العربية في بداية العام 1948، الذي بحسبه الجيوش العربية لن تقوم بغزو ارض اسرائيل عند انتهاء الانتداب البريطاني. ولكنه رفضه وأعد الاستيطان اليهودي للحرب المقتربة.
موشيه ديان عرف جيدا في ربيع 1973 تقدير “أمان” الذي يقول بأن مصر لن تشن الحرب في السنوات القريبة القادمة. ولكنه حذر الجنرالات في هيئة الاركان من حرب سيتم شنها في الصيف، وصادق لرئيس الاركان على تنفيذ حالة الاستعداد “ازرق – ابيض”، التي هدفت الى تسريع اعداد الجيش الاسرائيلي للحرب الآخذة في الاقتراب.
اسحق شمير استمع في 1991 الى تقدير رئيس “أمان”، اوري ساغي، الذي بحسبه سوريا مستعدة لعقد اتفاق السلام مقابل الانسحاب من هضبة الجولان، لكنه فضل البقاء في الجولان.
لا أحد من متخذي القرارات تشكك للحظة بأن التقديرات التي تعارضه متحيزة سياسيا. لقد كان من الواضح للجميع أن التقدير الاستخباري المهني والموضوعي هو لبنة رئيسية في أمن اسرائيل، لذلك هم لم يفكروا في توبيخ أو توجيه أي ملاحظة للمقيّمين لأنهم عرضوا عليهم التقدير الصادق. كاتس ليس هكذا. فالعمى المتعمد وسلوكه يبشر بمرحلة اخرى خطيرة في العملية التي تؤدي الى تآكل قدرة جهاز الاستخبارات على أداء دوره الاساسي.
هذه العملية بدأت عندما تجاهل نتنياهو التحذيرات التي حصل عليها قبل 7 اكتوبر. واستمرت بسلسلة الاتهامات بالتشهير ونظريات المؤامرة من ماكنة السم ضد “أمان” والشباك بهدف نفي أي مسؤولية لرئيس الوزراء عن الكارثة التي حدثت. العملية ايضا اكتسبت الزخم مع مشروع قانون “دائرة صياغة تصور استخباري بديل”، التي تهدف الى خدمة احتياجات نتنياهو السياسية وخلق تهديد على قدرة جهاز الاستخبارات على صياغة تقييم موضوعي غير مشوب بالاعتبارات السياسية. وقد وصلت عملية تسييس الاستخبارات الى الذروة (المؤقتة كما يبدو) عندما قام الوزير كاتس بعملية التوبيخ.
التقديرات الاستخبارية يمكن أن تستخدم كنجم الشمال بالنسبة لراسمي سياسة الامن القومي. لا يجب أن يكون المرء عبقري كي يفهم بأن تسييس الاستخبارات يؤدي الى وضع فيه جهاز الاستخبارات سيفقد مكانته، والمهنيين الجيدين سيستقيلون منه، وسيتضاءل استعداد اجهزة مخابرات اجنبية للتعاون معه على صعيد المعلومات. في نهاية المطاف سيكون يتشكل من رجال استخبارات يخافون من طرح تقديرات لا تروق للمستوى السياسي، ويقومون بملاءمتها مع اغراض سياسية على حساب مواجهة مناسبة مع الواقع.
في دولة اسرائيل التي كانت ذات يوم، كان توبيخ كاتس يمكن أن يكلفه منصبه. ولكن الآن هو اداة للترقية. الثمن يمكن أن ندفعه جميعنا في المستقبل.



