يديعوت احرونوت: خريطة مصالح ومطالب كل الاطراف في المفاوضات مع سوريا
يديعوت احرونوت 8/1/2026، رون بن يشاي: خريطة مصالح ومطالب كل الاطراف في المفاوضات مع سوريا
على السطح ليس ملحا لإسرائيل في هذه اللحظة الوصول الى اتفاق امني او الى اتفاق شامل مع سوريا أحمد الشرع (المعروف لنا بلقبه الجهادي الجولاني). بادىء ذي بدء، لانه ليس واضحا بعد اذا كان الشرع – الشاب في البدلة الذي نال رشة عطر من الرئيس الأمريكي – يختلف حقا عن الجولاني الذي قاد منظمة الإرهاب جبهة النصرة حتى قبل وقت غير بعيد. ثانيا هو لا يحكم حقا في كل أراضي سوريا وحكمه غير مستقر. عمليا هو لا يسيطر على اكثر من 60 في المئة من أراضي سوريا بل وحتى يجد صعوبة في ان يفرض إمرته على جماعات ميليشيات جهادية متطرفة تندرج في هيئة تحرير الشام المنظمة العليا التي يقف على رأسها. هذه الميليشيات غير راضية عن الإسلام المعتدل الذي يفرضه الشرع في سوريا وعن السياسة المؤيدة للغرب التي يطورها. وعليه، في الوضع الحالي توجد لإسرائيل مصلحة واضحة في إبقاء الجيش الإسرائيلي في الانتشار القائم في منطقة الفصل والذي أساسه تسعة استحكامات متسللة داخل الأراضي السورية السيادية (ليس بعمق كبير بل بضعة كيلومترات فقط). تتمركز هذه الاستحكامات أساسا في شمال الجبهة في جبل الشيخ وفي جنوب الجبهة، في منطقة مثلث الحدود إسرائيل، سوريا والأردن. إضافة الى ذلك توجد منظومة أخرى من الاستحكامات في أراضينا، بحيث أن الانتشار الحالي يعطي إسرائيل قدرة قصوى للتحكم بالرقابة وبالنار والمتابعة الاستخبارية والتكنولوجية ليس فقط لما يحصل في حوض دمشق وشماله بل بالزاوية الشمالية – الشرقية من لبنان، التي تلامس الحدود مع سوريا، حيث يعمل حزب الله ومنظمات فلسطينية. كما ان إسرائيل تقيم الان عائقا عميقا ضد المركبات وضد البشر، يمكنه أن يؤخر جدا هجوما مفاجئا من الجولان، كذاك الذي تعرضت له بلدات غلاف غزة في 7 أكتوبر.
كل هذه تردع وتوفر حماية ما لبلدات هضبة الجولان وما لا يقل أهمية – تشكل ورقة مساومة في كل مفاوضات مع النظام في سوريا، الذي يريد جدا إزالة هذه الاستحكامات من الأراضي السيادية لبلاده.
هذا الوضع كما اسلفنا مريح لإسرائيل، لكن الرئيس ترامب معني بمفاوضات وبتسوية دائمة، او على الأقل بتسوية أمنية بين إسرائيل وسوريا. السبب الأول هو أن هذا يدفع قدما بخطته للاستقرار، التهدئة والسلام للشرق الأوسط، موضوع هام جدا له، ضمن أمور أخرى بسبب رغبته باعتراف دولي وبجائزة نوبل للسلام. السبب الثاني هو ان لترامب مصلحة بالاستجابة الى مناشدات السعودية، قطر، اتحاد الامارات وبالاساس تركيا. هؤلاء معنيون بترميم سوريا لاعتبارات اقتصادية ودينية (سُنية). كما ان اردوغان يرى في سوريا منطقة نفوذه المميزة التي يمكنه فيها ويحق له ان يملي السياسة، وحيث توجد شركات تركية ستعمل على البناء المدني والعسكري بحيث يعاد بناء جيش النظام السوري، وبالتالي يمكنها أن تكسب المليارات من التمويل الذي سيصل من السعودية، قطر واتحاد الامارات.
من هنا فان للدول الثلاثة هذه، واساسا لتركيا توجد مصلحة في أن تعترف الولايات المتحدة بحكم الشرع وتساعده في تثبيت حكمه على كل سوريا، بحيث يحقق مصالحها. في تركيا مثلا يدور الحديث أيضا عن أنه اذا نجح الشرع في بسط حكمه على كل سوريا، فانه يمكنه أن يفرضه أيضا على الاكراد السوريين الذين ترى فيهم تركيا تهديدا.
في الوضع الحالي بعد لقاء نتنياهو وترامب في مار آلاغو وبعد العملية الامريكية في فنزويلا، ليس لإسرائيل مصلحة في الصدام مع الرئيس ترامب، بل السير باتجاهه، رغم ان ليس لها مصلحة فورية او عاجلة في تسوية مع سوريا، ولا سيما في ضوء المطالب السورية التي تسعى الى تضييق خطاها في هضبة الجولان.
مندوبون إسرائيليون يمستوى منخفض
بعث نتنياهو الى المفاوضات في باريس مندوبين في مستوى متدن نسبيا، مقارنة بالمندوبين الذين بعثهم حاكم سوريا- وزير الخارجية ورئيس المخابرات – ومقارنة بالمندوبين الأمريكيين وبينهم سفير الولايات المتحدة في تركيا براك، وكذا ويتكوف وكوشنير. المندوبون الإسرائيليون ليس مخولين باتخاذ قرارات حقيقية بل فقط ان يسمعوا المواقف الامريكية والسورية وينقلوها الى نتنياهو.
تنعكس هذه الفجوة أيضا في التقارير عن اللقاء في باريس. محافل أمريكية تروي للصحافيين عن آلية تنسيق تقام في الأردن وعن ان 90 في المئة من المواضيع اتفق فيها منذ الان. بالمقابل في بيان رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يدور الحديث الا عن الحاجة للمفاوضات لاستقرار الوضع في سوريا، عن تلبية مطالب الامن الإسرائيلية وكذا عن الإيفاء بمطالب الرئيس ترامب. في بيان مكتب رئيس الوزراء لا تذكر خطوات عملية.
كي نفهم ما الذي يحصل حقا في المفاوضات وما الذي يرتقب ان يحصل بين إسرائيل وسوريا وفي واقع الامر بين إسرائيل، سوريا والولايات المتحدة، ينبغي مراجعة خريطة المصالح. المصلحة الإسرائيلية الحيوية يمكن تلخيصها في جملة واحدة: إسرائيل تريد إرث إنجازاتها
في حرب السيوف الحديدية في الساحة السورية وتحسين وضع الامن القومي خاصتنا مقارنة بذاك الذي ساد قبل 7 أكتوبر.
المصلحة الإسرائيلية الأولى والاساس هي منع إمكانية هجوم مفاجيء من أراضي سوريا نحو بلدات، معسكرات ومنشآت عسكرية وبنى تحتية في هضبة الجولان. في سوريا تعمل محافل جهادية قريبة من داعش، ومحافل شيعية مقربة من ايران وتحوز مركبات وقدرات، باسناد ميليشيات عراقية شيعية وحوثية لخلق هجوم مفاجيء كهذا في غضون ساعات.
المطلب الثاني هو منع تمترس محافل معادية مسلحة في مدى النار في استعداد مباشر – قذائف هاون، صواريخ مضادة للدروع، صواريخ قصيرة المدى، حوامات ومُسيرات – وابعادها عن بلدات الجولان وعن محاور حركة السير. في جنوب الجولان توجد قواعد لداعش سبق ان اطلقت النار نحو أراضي إسرائيل، واذا ما نمت بلا عراقيل، فمن شأنها أن تعرض البلدات للخطر.
المصلحة الثالثة هي منع نقل السلاح، الذخيرة، المواد الخام والوسائل لانتاج السلاح لحزب الله في لبنان. رغم مساعي النظام السوري ونشاط الجيش اللبناني لا تزال توجد تهريبات من ايران عبر العراق الى الصحراء السورية ومن هناك الى حزب الله وان كان على نطاق ضيق. تعاظم قوة حزب الله يشكل تهديدا استراتيجيا حقيقيا.
مصلحة استراتيجية أخرى هي منع تواجد عسكري تركي في جنوب سوريا، من شأنه ان يقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا، في الأردن ومن ورائهما في الشرق الأوسط. محاولة تركية لنصب وسائل كشف وبطاريات مضادة للطائرات في قاعدة T4 في سوريا أحبطت منذ الان قبل أن تخرج الى حيز التنفيذ حين رسمت إسرائيل للاتراك خطا في الرمال.
إضافة الى ذلك يوجد التزام إسرائيلي بحماية السكان الدروز واساسا في منطقة السويداء (جبل الدروز) في حالة تهديد حقيقي على حياتهم وكرامتهم. كما واضح أيضا انه في المدى البعيد توجد لإسرائيل مصلحة امنية بالامتناع عن مواجهة طويلة مع النظام السوري من شأنها ان تتطور الى احتكاك مع الولايات المتحدة.
تنشـأ عن هذه المصالح المطالب الإسرائيلية التالية: تجريد منطقة جنوب سوريا بين دمشق وحدود الأردن من السلاح مما يعني منع دخول جماعات مسلحة، سلاح ثقيل ومركبات ميدانية الى المنطقة المجاورة لحدود إسرائيل حتى مسافة عشرات الكيلومترات شرق الخط الارجواني في هضبة الجولان؛ تقييد قوات الامن السورية بالسلاح الخفيف فقط؛ وحق عمل إسرائيلي لإحباط تهديدات وخروقات.
بالنسبة للاستحكامات المتسللة، اثنان منها في جبل الشيخ وواحد على الأقل في منطقة مثلث الحدود في جنوب هضبة الجولان – حرجة للسيطرة الاستخبارية، الاخطار والرد السريع، تجاه حزب الله، تجاه منظمات الإرهاب الفلسطينية في لبنان وفي سوريا وتجاه داعش.
لا يوجد مطلب للانسحاب من الجولان
بالمقابل يطالب الشرع أن تنسحب إسرائيل من منطقة الفصل وتعود الى اتفاق وقف النار في 1974. وذلك كي يتمكن من الادعاء بانه لا يتعاون مع الاحتلال الاسرائيل وانه أعاد الى السيادة السورية أراض كانت تحت سيطرة إسرائيل. ومن المهم الإشارة الى أن الشرع لا يطالب – حاليا على الأقل – ان تنسحب إسرائيل من الجولان، وان يتمكن من تغطيس قديمه في بحيرة طبريا – مثلما طالب الحكام من عائلة الأسد. لكن إسرائيل ترد أيضا مطلب العودة الى خطوط فصل القوات من القرن الماضي، بدعوى أنها لا تستيجب لتهديدات هجوم مفاجيء ظهر في الساحة، والوسائل القتالية الجديدة التي في ايدي جيوش الإرهاب والميليشيات، والتي تطورت وباتت اكثر فتكا ودقة من وقع اتفاق فصل القوات في نهاية حرب يوم الغفران في 1974.
كما أن الشرع يعرف بان دول الخليج لم تستثمر في اعمار سوريا سنت واحد طالما كان هو لا يسيطر على كل أراضيها، وطالما لا يوجد استقرار للحكم في البلاد المدمرة.
وبالطبع توجد المصلحة الامريكية التي يمكن اجمالها في جملة قصيرة واحدة: ترامب معني بارضاء السعودية، قطر وتركيا ولا يهم حقا ان يفعل هذا على حساب هوامش الامن الواسعة التي تطلبها إسرائيل لنفسها في الجولان.
في باريس اقتراح الامريكيون تشكيل لجنة تنسيق لمنع المواجهات (؟؟ مثل الالية التي تعمل حيال روسيا)، تتخذ من الأردن مقرا لها وتتضمن مندوبي إسرائيل، سوريا والولايات المتحدة. بواسطتها مثلا تنقل إسرائيل اخطارا استخباريا، والنظام السوري لعمل لإحباط التهديد. إضافة الى ذلك يفترض باللجنة ان تسمح بحوار مدني في مواضيع الاعمار، البنى التحتية والتجارة – حوار يتسع الى مواضيع سياسية وغيرها حين تحين اللحظة المناسبة للحديث عن السلام. حاليا تتفق الدولتان على الحديث فقط عن اتفاق امني.
مع ذلك، من زاوية نظر إسرائيل، عن تفاصيل تنفيذ الاتفاق الأمني أيضا لا يمكن الحديث طالما لم تستجب مطالبها المركزية: تجريد جنوب سوريا، حق العمل الإسرائيلي في العمل في الأراضي السورية لإحباط تهديدات عليها ومنع تواجد تركي يقيد حرية العمل الجوي لنا ويخلق تهديدا على هضبة الجولان الإسرائيلية. طالما لم يتفق على هذه المباديء – الا اذا وافقت إسرائيل على التنازل)، فان المحادثات لن تعطي نتيجة حقيقية. اذا ما اتفق على هذه الأمور فسيكون ممكنا تنفيذ الاتفاق بسرعة، وستتمكن إسرائيل من الانسحاب الى الوراء عن بعض من الاستحكامات المتسللة في مركز هضبة الجولان.



