يديعوت احرونوت: القوى العظمى لا تخادع
يديعوت احرونوت 6/2/2026، تساحي هنغبي: القوى العظمى لا تخادع
من كل نحو وصوب تسمع تعبيرات قلق بسبب نية الولايات المتحدة خوض مفاوضات مع ايران. لا أشارك في التخوف من أن يدعم الرئيس ترامب اتفاقا يعرض دولة إسرائيل للخطر. فالنقد اللاذع الذي اطلع ترامب ضد الاتفاق الذي وقع عليه الرئيسان أوباما وبايدن قبل نحو عقد مع الإيرانيين تعزز فقط منذئذ. وحتى عندما يستخدم بايدن وترامب في حالة معينة التعبير ذاته فانهما يقصدان نتيجة معاكسة تماما.
“القوى العظمى لا تخادع!” – هكذا بالضبط أوضح لإسرائيل مسؤولون كبار في إدارة بايدن، بمن فيهم الرئيس نفسه، عندما طالبناهم ببلورة تهديد عسكري مصداق ضد ايران، في ضوء تقدم برنامجها لانتاج سلاح نووي. لم يكن هذا جوابا متملصا. كان هذا قول صادق وأصيل. فقد عكس الازمة الحقيقية لقيادة أمريكية منحرجة تشعر بواجب احباط مساعي النظام الإيراني للوصول الى قنبلة ذرية، لكن على الأقل بذات القدر تقسم الا تتورط في حرب لا داعٍ لها. هذا الحرج نبع من الاعتراف بانه على مدى الزمن سيكون شبه متعذر منع الإيرانيين من الوصول الى هدفهم اذا لم يطرح امامهم ثمن أليم، مقنع ورادع.
وهكذا، في اربع سنوات ولاية بايدن، عبرت السياسة الامريكية في موضوع ايران عن رسالة غامضة. من جهة تعهد علني من الرئيس بان لإيران “لن يكون ابدا سلاح نووي”، مثلما في وثيقة “اعلان القدس” الذي وقعه الرئيس بايدن ورئيس الوزراء في حينه لبيد في اثناء زيارة بايدن الى إسرائيل في تموز 2022. ومن جهة أخرى اختيار الدبلوماسية مكبوحة الجماح وضابطة النفس التي فسرتها ايران بشكل واحد فقط: طالما كان تقدمها الى سلاح نووي يتم بطريقة مقنونة وحذرت، مثلما كان طريقها منذ البداية، فان الولايات المتحدة لن تتخذ ضدها خطوات مغامرة اكثر مما ينبغي.
لقد كان كبار مسؤولي إدارة بايدن على قدر كاف من النزاهة لان يعرضوا على إسرائيل نهجهم بالضبط كما هو، دون محاولة تجميله. في محادثات ولقاءات اجريتها كمستشار الامن القومي مع نظرائي في البيت الأبيض في عامي 2023 – 2024، حدد الطرف الأمريكي هدفه بشكل مباشر وبوضوح: ” No Deal, No Crisis – لا صفقة، لا أزمة”. بمعنى أنه وان كانت أمريكا لا تعمل على العودة الى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه في عهد الرئيس ترامب، لكنها لن تبادر الى اعمال من شأنها أن تتصاعد الى أزمة جبهوية مع ايران.
لقد كانت المشكلة ان هذه السياسة التي كانت تحرص على الا تتورط في أي ورطة غير مرغوب فيها، حققت عمليا المصلحتين الايرانيتين المركزيتين في مسألة النووي: الرغبة في عدم تمديد الاتفاق النووي الذي تقترب نهايته، ومع انتهاء مدته تتحرر ايران من كل تعهد بشروطه. ثانيا، الرغبة في الامتناع عن أزمة تعرض للخطر استقرار النظام وبقائه.
لقد استغل الإيرانيون انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق لاجل تجديد جمع اليورانيوم المخصب، نصب الاف أجهزة الطرد المركزي الجديدة في منشآت التخصيب والتقدم أيضا في مجال تطوير السلاح واذا كان ممكنا مواصلة ذلك دون أي عراقيل بدون “ازمة”، فان هذا سيكون الوضع الأفضل للايرانيين. في ضوء هذا الواقع، اقترحت إسرائيل على إدارة بايدن التنسيق معا لبضع خطوات كاشارة مدوية لإيران – دون مستوى الازمة – بحيث تعكس استعدادا لاستخدام القوة لضرب منشآت النووي. مثلا، مرابطة طائرات شحن أمريكية بالوقود في قواعد سلاح الجو في إسرائيل. مثل آخر: الكشف عن تجارب تجريها الولايات المتحدة بفحص أهلية القذائف الخارقة للتحصينات المحملة في طائراتها.
إشارات من هذا القبيل واشباهها كانت تستهدف التجسيد بالملموس لحكام ايران بانهم بقدر ما يرفعون مستوى رهانهم فانهم يخاطرون برد حاد اكثر مما يتوقعوه. لكن جواب واشنطن كما أسلفنا: “القوى العظمى لا تخادع”. وبالترجمة للحياة العملية: “نحن حقا غير معنيين بان نعلق في أي مواجهة عسكرية في ايران، واذا حاولنا أن نخلق مع إسرائيل او بدونها استعراضا معاكسا للقوة، ولم تتراجع ايران فاننا سنكون نحن من سيضطر لان يتراجع وستكون هذه إهانة ينبغي لقوة عظمى عالمية ان تمتنع عنها”. الرئيس ترامب هو الاخر يؤمن بان قوة عظمى كالولايات المتحدة لا يمكنها أن “تخادع”. واضح له أيضا بان مصداقية القوة العظمى العالمية هي الذخر الاغلى لديها. لكن بخلاف بايدن لا يخشى ترامب من ان يضع قيد الاختبار مصداقية سياسته. وهو بالذات استخدمها كرافعة وأداة تأثير على خصومه. وهو يختار عن وعي لان يتعهد علنا بمواقف كفاحية، وابداء ثقة ذاتية باردة بل ومبالغ فيها بدلا من تقليص المخاطر خشية الحرج. ان معضلة كيفية التصدي لخطر المواجهة وثمنها ينقلها الى ملعب أعداء أمريكا. بدلا من أن تعذب القوة العظمى الأكبر في العالم نفسها في مسألة ماذا سيحصل اذا ما رفض خصومها الأصغر والاضعف منها اطاعة املاءاته، يفرض ترامب هذه الترددات على الزعماء الذي يقرر مواجهتهم.
منذ ولاية ترامب الأول، فان من تعلموا بالطريقة الصعبة بانه محظور تحدي أمريكا، كانوا قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني وأبو بكر البغدادي، زعيم داعش. بعد أن عاد ترامب الى البيت الأبيض تبين أنه مع مرور السنين تميل ذاكرة طغاة عنيفين للتشوش. قيادة الحرس الثوري وكبار العلماء الإيرانيين دفعوا الثمن بحياتهم على الاستخفاف الذي أبدوه تجاه الإنذارات التي أصدرها لهم ترامب في السنة الماضية. تجاهل مشابه من تحذيرات صريحة نقلت مؤخرا مقر رئيس فنزويلا مادورو من قصره الفاخر في كاراكاس الى زنزانة نيويوركية.
مزيد فمزيد من الزعماء في العالم يفهمون اليوم ما فهمه الرئيس ترامب منذ زمن بعيد: قوة عظمى تخشى وضع نفسها في وضع تكشف فيها خدعتها للعيان، تكشف عمليا بانها لم تعد جديرة بان تدعى قوة عظمى. واذا كان هناك من يرفضون مرة أخرى استيعاب ذلك، لعله قريبا في طهران، اقدر بان تصميم الرئيس ترامب سيوفر دليلا آخر على أن القوى العظمى بالفعل لا تخادع.



