وليد فارس: خطوط التماس الاستراتيجي في لبنان
وليد فارس 25-3-2026: خطوط التماس الاستراتيجي في لبنان
مع التصعيد الإقليمي جراء استمرار المواجهة العسكرية بين أميركا وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى، فُتحت جبهة جديدة- قديمة في لبنان بين المعسكرين الكبيرين، تبدأ مع “حزب الله” وإسرائيل وتصل إلى واشنطن وطهران، كما في حرب غزة عندما أعلن “حزب الله” مساندة حركة “حماس” منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وقصف الجليل مستدرجاً إسرائيل إلى قصف مضاد ضد مواقعه في لبنان، واستمرت المواجهات لأشهر وتخللتها عمليات نوعية بما فيها عملية “البيجر” وتصفية قيادات الحزب.
وتعاظمت المواجهات حتى الذروة بين إسرائيل وإيران خلال حرب الـ 12 يوماً عام 2025، وخسر “حزب الله” معظم سلاحه الصاروخي وعدداً من قياداته والأهم خسر تواصله الجغرافي مع العراق وإيران عبر سوريا حيث سقط نظام بشار الأسد على يد المعارضة المسلحة، فبات “حزب الله” معزولاً داخل الجغرافيا اللبنانية وقدراته تتقلص.
لكن وإن فقد “الحزب الخميني” قدرته الاستراتيجية العالية ضد إسرائيل، فهو لا يزال يتمتع بقوة نار وانتشار وتدمير شديدة داخل لبنان، واستمر بالاستفادة من ظرفين، عدم دخول الولايات المتحدة في الحرب بصورة شاملة واستمرار الدولة اللبنانية بتغطيتها لميليشيات الحزب على رغم تحذيرات واشنطن. إلا أن ثورة يناير (كانون الثاني) الماضي الشعبية وسقوط عشرات آلاف الضحايا المدنيين وتمنع النظام الإيراني من قبول شروط الرئيس دونالد ترمب وتصفية خامنئي وكبار مسؤولي النظام في طهران غيّرت قواعد اللعبة بين أميركا والجمهورية الخمينية.
كذلك شاركت إسرائيل بقوة مع ترمب في حربه على القيادة الإيرانية، بالتالي حصلت منه على شبه ضوء أخضر ضد حلفاء إيران في لبنان. لذا يبدو أن حكومة بنيامين نتنياهو انتقلت من خطة الردع والهجمات المعاكسة إلى خطة كسر “الخصم” على أرضه. وخلاصة ما يفهم من هذه الخطة اعتماد وضعية “البلدوزر” في جنوب لبنان بدفع الحاضنة بكاملها إلى الخروج من منطقة سيطرته كي “لا يختبئ داخلها”، وإطلاق عمليات ميدانية جنوب الليطاني لإخراج الميليشيات من قواعدها. إلا أن الحزب رد بالخروج مع حاضنته ليبقى محمياً من ضربات الإسرائيليين والتوجه إلى مناطق شمالاً وإن أمكن “داخل بيروت” لتكون الميليشيات “محمية من قبل الجيش ودولياً”.
وقيل إن منطقة قريبة من المرفأ ستخصص للاجئين ومن بينهم الحزب، ولكن هذه المنطقة تقع في قلب ما كان يسمى “بيروت الشرقية” وعارض الشارع المسيحي الخطوة وتدخلت شخصيات لبنانية- أميركية لدى الإدارة لمنع “صدام مدني” في بيروت. وكانت هناك محاولة لنقل “اللاجئين” إلى منطقة المتن الساحلي فحصلت المعارضة نفسها.
واستغرب بعضهم أن الحزب لم يوجه قاعدته إلى “عاصمته” في الضاحية الجنوبية لبيروت وتبين أن إسرائيل هددت بقصف هذه المنطقة، فجرى عرض نقل قواعد الحزب إلى البقاع الشمالي إلى أن تنتهي الحرب. إلا أن خصماً آخر بدأ ظهوره على الحدود اللبنانية – السورية وهو “الجيش العربي السوري” الذي تحرك سابقاً كـ”هيئة تحرير الشام”. وعندها قد ينقسم الجسم الشعبي للحزب إلى قسم يريد إنهاء الحرب والعودة لمنازله وقسم آخر سيبقى مع الميليشيات بغض النظر عن خياراتها، مما لا يعني أن “حزب الله” ينهار ولكن التحديات باتت أكبر بكثير مما كانت عليه.
فإسرائيل ستدفع بثقلها العسكري عبر الجنوب لمحاولة إخراج الحزب من ساحته الأساسية جنوب الليطاني وشماله، وبيروت الإدارية لن تفتح أبوابها السنية والمسيحية لضاحيتها الجنوبية، وإذا أعاد الحزب انتشاره الآمن في البقاع، فستطارده قاذفات إسرائيل من الجو ومن المحتمل أن تهاجمه الجماعات المسلحة الإسلامية عبر الحدود بطلب أميركي.
“حزب الله” قوة عسكرية متمرسة لا يستهان بها ولا يمكن إخضاعها من الجو، لذا فإن كانت هناك مواجهات فحلفاء إيران قد يعتمدون المبادرة قبل أن يتم الإطباق عليهم. وبعضهم يتكلم عن حركة انقلابية عسكرية قد يطلقها الحزب في بيروت الكبرى تصل إلى وزارة الدفاع والقصر الجمهوري وربما يسيطر على طريق الشام للوصول إلى البقاع، إضافة إلى إطلاق الصواريخ الباليستية من البقاع باتجاه الساحل اللبناني، ولا سيما قاعدة حامات والسفارة الأميركية في عوكر بجبل لبنان. وإن حدث ذلك، فسيقبع لبنان تحت سقف خط استراتيجي إيراني يقابله خط استراتيجي أميركي، ومواجهة كهذه تحتاج إلى إقحام قوة أميركية أكبر.
ولكن ماذا لو اقتنعت الإدارة بأن صفقة ما يمكن عقدها مع قيادات جديدة داخل مؤسسات النظام الإيراني ومن شروط هذا الأخير إيقاف الاشتباك في لبنان. فهل تقبل إسرائيل بذلك وهي على أبواب الحسم مع “حزب الله”؟ وهل ستقاتل إسرائيل على جبهتي إيران ولبنان من دون الدور الأميركي؟ وهل أن ما يجري توزيع أدوار بين ترمب ونتنياهو؟… سنرى.


