ترجمات أجنبية

واشنطن بوست: خطة ترامب لغزة تتناقض مع الواقع على الأرض

عرض جاريد كوشنر رؤية لغزة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تضمنت ناطحات سحاب ومراكز بيانات، مع إغفال مشاركة الفلسطينيين

واشنطن بوست 22-1-2026، كلير باركر وآبي تشيزمان ولويزا لوفلوك وليور سوروكا وحازم بعلوشة وكارين دي يونغ: خطة ترامب لغزة تتناقض مع الواقع على الأرض

عرضت إدارة ترامب، يوم الخميس، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ما وصفته بـ”خطة رئيسية” لمستقبل قطاع غزة، حافلة بمدن مخططة ومراكز بيانات وشاطئ سياحي، لكنها كانت بعيدة كل البعد عن الدمار واليأس والواقع السياسي على الأرض.

وصعد جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره الرئيسي، إلى المنصة لعرض مجموعة من الشرائح التي تضمنت صورا مولدة بالذكاء الاصطناعي لناطحات سحاب لامعة ومجمعات سكنية مرتبة في دوائر متحدة المركز.

ووفقا لخريطة عرضت في عرض كوشنر التقديمي، سيخصص كامل ساحل غزة على البحر الأبيض المتوسط “للسياحة الساحلية”، مع 180 برجا شاهقا تصطف على الشاطئ. وفي أجزاء أخرى من القطاع، ستقام حدائق ومرافق رياضية لتقسيم المجمعات الصناعية ومراكز البيانات ومرافق التصنيع المتقدمة. ويبدو أن المناطق السكنية تشغل نصف الخريطة تقريبا، بينما تقع بعض المناطق المخصصة للزراعة في أماكن ذات تربة رملية فقيرة غير صالحة للزراعة.

ووفقا لصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لمنطقة تسمى “رفح الجديدة”، ستقتصر المناطق السكنية على مدن مخططة مسبقا تضم مباني سكنية متعددة الطوابق. كما أن المناطق السكنية مفصولة عن أي جزء من حدود غزة بشريط المنتجعات في الغرب، والمناطق الصناعية في الشرق، ومطار جديد ومنطقة لوجستية على طول الحدود الجنوبية مع مصر، و”مدينة صناعية” على طول الحدود الإسرائيلية في الشمال.

وتتناقض هذه الرؤية تناقضا صارخا مع الواقع الحالي في غزة، حيث لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على أكثر من نصف القطاع، بينما يتكدس نحو مليوني فلسطيني في النصف الآخر، ويعيش الكثير منهم في خيام متداعية أو مبانٍ مدمرة لا توفر سوى القليل من الحماية من عواصف الشتاء.

خلال زيارة إلى الجانب الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من غزة يوم الأربعاء، بتنظيم ومرافقة عسكرية، بدت منطقة زراعية في وسط غزة، كانت تضم سابقا مبادرات إغاثة أمريكية وأممية، مهجورة ومتهالكة، وبينما كانت الآليات الثقيلة تعزز الساتر الرملي حول قاعدة إسرائيلية صغيرة، دوى صوت إطلاق نار في الأفق.

وفصلت كتل خرسانية صفراء، تهدف إلى ترسيم “الخط الأصفر” بين الجانبين، المنطقة القاحلة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية عن شوارع وأحياء دير البلح السكنية المكتظة، وهي مدينة ازداد عدد سكانها بشكل كبير نتيجة النزوح خلال الحرب.

ورغم تضاعف المساعدات الإنسانية ثلاث مرات تقريبا منذ دخول وقف إطلاق النار المدعوم من الولايات المتحدة حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر إلا أن استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية وسوء التغذية يجهد الفئات الأكثر ضعفا، بحسب منظمات غير ربحية تعمل في غزة.

قال كوشنر إن الأولويات خلال المئة يوم القادمة ستكون المساعدات الإنسانية والمأوى. وجاء في عرض تقديمي: “سيتم إرسال المساعدات كاملة فورا إلى قطاع غزة”، إلا أن كوشنر لم يوضح ما إذا كانت إسرائيل قد وافقت على ذلك، أو ما إذا كان سيتم فتح المزيد من المعابر الحدودية للسماح بدخول كميات أكبر من مساعدات الأمم المتحدة والمساعدات الثنائية المخزنة خارج غزة.

وقد روج كوشنر لفكرة البدء في إعادة إعمار أجزاء من غزة تسيطر عليها إسرائيل، مما أثار قلق الدول العربية التي تخشى أن يُمكّن ذلك إسرائيل من السيطرة الدائمة على نصف غزة.

ومن المرجح أن يؤجج الإعلان الذي صدر يوم الخميس عن نية إعادة إعمار غزة على أربع مراحل، بدءا من رفح في جنوب غزة – والتي يقع معظمها حاليا خلف خطوط القوات الإسرائيلية – هذه المخاوف. وقال كوشنر إنه سيتم بناء “مساكن للعمال” هناك في غضون سنتين إلى ثلاث سنوات، و”لقد بدأنا بالفعل في إزالة الأنقاض والقيام ببعض أعمال الهدم”. وكان يشير على ما يبدو إلى حملات الهدم الواسعة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة. ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت هناك إرادة سياسية وأموال كافية للمضي قدما في إعادة إعمار غزة.

وشكل الإعلان الأسبوع الماضي عن تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة غزة علامة فارقة، حيث التفت الفصائل الفلسطينية المتباينة والمنقسمة عادة حول هذه اللجنة. وقد بدأت اللجنة، برئاسة علي شعث، وهو مهندس مدني من غزة شغل مناصب رفيعة في السلطة الفلسطينية في رام الله، اجتماعاتها في القاهرة لوضع خطة عملها. وأعلنت حماس استعدادها لتسليم زمام الحكم إلى اللجنة.

وفي مقطع فيديو بث خلال اجتماع دافوس، أعلن شعث أن معبر رفح مع مصر – وهو شريان حياة رئيسي لحركة الأفراد والبضائع من وإلى غزة – سيعاد فتحه الأسبوع المقبل “في كلا الاتجاهين”. وكانت خطة ترامب المكونة من 20 بندا لغزة تدعو إلى استئناف حركة المرور عبر المعبر، الذي توقف عن العمل في أيار/ مايو 2024 عندما شنت إسرائيل هجوما على الجانب الفلسطيني. أرجأت إسرائيل إعادة فتح معبر رفح حتى تعيد حماس أو فصائل مسلحة متحالفة معها رفات ران غفيلي، آخر جندي إسرائيلي محتجز في غزة.

وكتب نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي الجديد لغزة، والذي سيتواصل مع مجلس السلام، على موقع “إكس” يوم الخميس أنه “تم التوصل إلى اتفاق بشأن التحضير لإعادة فتح معبر رفح”. لكن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يوضح ما إذا كانت إسرائيل قد وافقت على فتح المعبر.

في غضون ذلك، أثار النطاق الواسع لميثاق مجلس السلام مخاوف بعض الدول الأوروبية، التي امتنعت حتى الآن عن التوقيع عليه. وأعلنت مجموعة من ثماني دول عربية ومسلمة مؤثرة، في بيان مشترك يوم الأربعاء، مشاركتها، لكنها شددت على أن يكون المجلس “انتقاليا” ويركز على غزة.

قال عوفر غوترمان، المحلل البارز السابق في مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إن إعلان ترامب “تعبير آخر عن التحول في قواعد اللعبة التي كانت سائدة لسنوات في قطاع غزة، وهي لعبة كانت ثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين. كانت تدار بيننا وبينهم، لكننا نشهد حاليا تدويلا للصراع في غزة”.

وفي مقابلة يوم الخميس، قال خالد عكاشة، المستشار المصري الذي قدم المشورة للوفود الفلسطينية والمصرية في مفاوضات وقف إطلاق النار، إن صلاحيات اللجنة الإدارية الفلسطينية لا تزال “غامضة للغاية”، وهو ما يثير القلق.

لم تذكر سوى شريحة واحدة من شرائح كوشنر العشر التي تناولت مستقبل غزة القيادة الفلسطينية. كما احتوت الشريحة على النص العربي الوحيد في العرض، والذي كان منسقا بشكل معكوس، ما جعله غير مقروء.

مع هذا القدر الكبير من الغموض المحيط بكيفية عمل هياكل الحكم الجديدة، لم تلتزم أي دولة علنا بتقديم تمويل لإعادة إعمار غزة. ولم يقدم كوشنر أي تقدير لتكلفة تنفيذ خطته. قدّرت خطة إعادة إعمار غزة، المدعومة من دول عربية ودول ذات أغلبية مسلمة، العام الماضي، تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 53 مليار دولار، بينما قدّر خبراء الأمم المتحدة مؤخرا أن التكلفة ستبلغ حوالي 70 مليار دولار.

ولطالما كان سؤال من سيدفع تكاليف إعادة إعمار غزة محوريا منذ البداية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أي حكومات أو شركاء من القطاع الخاص قد وافقوا على المساهمة أو الاستثمار. وقال مصدر مطلع على بعض جوانب الخطة، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بشأن محادثات خاصة: “لا أحد يريد تقديم أموال لمجلس السلام”.

وأضاف المصدر نفسه: “يبدو أن ترامب يريد مكاسب مجانية” في غزة، وأن العديد من الدول “غير مهتمة بتقديم أموال ما لم تقدم الولايات المتحدة أموالا”. ورغم أن مشروع غزة هو مشروع أمريكي ولا يزال تحت السيطرة الأمريكية، إلا أن الإدارة الأمريكية لم توضح ما إذا كانت مستعدة لإنفاق أي شيء.

كما اقترحت الخطة منح قادة حماس “عفوا وإعادة دمج” مقابل نزع سلاح الحركة، ووعدت بانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية. لكن عكاشة قال إن إسرائيل لم تبد أي مؤشرات جدية على استعدادها للانسحاب والالتزام بإنهاء الحرب، وأن حماس لن تلقي سلاحها حتى تتخذ إسرائيل خطوات في هذا الاتجاه.

وقال إسرائيل زئيف، اللواء المتقاعد والرئيس السابق لشعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي: “ليس لدى نتنياهو أي رغبة في الانسحاب من غزة”.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى