د. غانية ملحيس: هل سلمت الصهيونية المسيحية للصهيونية اليهودية قيادة منطقة الشرق الأوسط، بدءا من إدارة قطاع غزة في اليوم التالي؟ (2/2)

د. غانية ملحيس 21-1-2026: هل سلمت الصهيونية المسيحية للصهيونية اليهودية قيادة منطقة الشرق الأوسط، بدءا من إدارة قطاع غزة في اليوم التالي؟ (2/2)
ملخّص تنفيذي: اليوم التالي لغزة – الهيمنة والإدارة
السؤال المركزي:
هل سلّمت الصهيونية المسيحية قيادة الشرق الأوسط للصهيونية اليهودية، بدءًا من إدارة قطاع غزة؟
الجواب:
ليست مسألة “تسليم قيادة”، بل إعادة توزيع أدوار ضمن منظومة هيمنة واحدة.
• القرار والسيادة: أمريكية صهيونية مشتركة.
• الإدارة الميدانية: الصهيونية اليهوديةومركزها الإسرائيلي وكيل وظيفي، يُنفذ الخطط الاستراتيجية المشتركة.
• الواجهة الفلسطينية: لجنة تكنوقراط، تعمل ضمن سقف محدد مسبقا دون سيادة، أو قدرة على صياغة المشروع الوطني.
1. مجلس السلام برئاسة ترامب – مركز القرار السيادي
الوظيفة:
• رسم الإطار الاستراتيجي لـ«اليوم التالي».
• تعريف الأمن والاستقرار والسياسة المسموحة.
• تحديد من هو مؤهل للحكم ومن هو معطّل.
السلطة الفعلية:
• القرار السياسي، المال، المعابر، السقف الأمني، تعريف النجاح والفشل.
ملاحظات على التشكيلة:
• أغلبية الأعضاء أمريكيون (87.5% رجال أعمال/أمنيون).
• 37.5% من أعضاء المجلس يهود من أصول أشكنازية.
• الهوية العنصرية هنا جزء من الوظيفة، وتُستخدم لإضفاء “ثقة بنيوية” على القرار، مع استبعاد أي فاعل لا يتماشى مع منطق الهيمنة.
الخلاصة: مجلس السلام هو الإطار السيادي الأعلى، الأمريكي – الصهيوني، يسيطر على كل مخرجات اليوم التالي، بغض النظر عن التناقضات الداخلية للفاعلين.
2. المجلس التنفيذي – حلقة الوصل بين القرار والتنفيذ
الوظيفة:
• ترجمة قرارات مجلس السلام إلى خطط عمل، أولويات، جداول زمنية، وتوزيع أدوار على الأرض.
• إدارة التمويل الدولي، الجهات الأمنية، لجنة التكنوقراط،
• وضبط الإيقاع السياسي والأمني.
ما لا يملكه:
لا يمكنه تغيير الإطار السياسي أو إعادة تعريف المشروع أو مساءلة مجلس السلام.
الأعضاء:
• أربعة أعضاء من مجلس السلام (ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، مارك روان، طوني بلير).
• شخصيات دولية وفنية للإشراف على التنفيذ الميداني والمرحلة الانتقالية.
الخلاصة: المجلس التنفيذي ليس صاحب القرار، بل وسيلة لضمان تنفيذ السياسات دون تمرد أو انحراف عن السقف السياسي.
3. لجنة التكنوقراط – الواجهة الفلسطينية الوظيفية
الوظيفة:
• إدارة الحياة اليومية والخدمات الأساسية وإعادة تشغيل المجتمع ضمن سقف محدد.
السلطة:
• محدودة بـ«الكفاءة» و«الحياد» و«الضرورة الإنسانية».
ما لا تملكه:
• لا تعريف المشروع الوطني، لا القرار السياسي، لا القرار الاقتصادي، ولا القدرة على رفض الإطار الأعلى.
الخلاصة: اللجنة تعمل كواجهة عقلانية، لكنها أداة لإدارة الفلسطينيين ضمن حدود مَن يقرر بالفعل.
4. غزة: المختبر الأكثر وضوحًا لعقيدة مونرو المُحدثة
• إدارة غزة تمثل نموذجًا لتطبيق الهيمنة المعولمة:
• فصل الإعمار عن السيادة،
• فصل الحقوق عن المساعدات،
• فصل العدالة عن السلام.
• الهدف: الانتقال من العنف الصريح إلى إدارة مقنّعة للكارثة، مع إبقاء الفلسطينيين قادرين على إدارة شؤونهم اليومية فقط، تحت سقف سياسي وأمني واقتصادي مغلق.
الخلاصة الكبرى:
ما يحدث في غزة ليس انتقال قيادة، بل ترتيب أدوار داخلية ضمن منظومة هيمنة واحدة:
• مركز القرار والسيادة: مجلس السلام (أمريكي – صهيوني).
• التنفيذ العملي: المجلس التنفيذي (دولي – إقليمي).
• الإدارة اليومية: لجنة التكنوقراط (فلسطينية وظيفية).
غزة المختبر الأكثر صفاء لتطبيق نموذج حكم بلا سيادة، يتحوّل فيه القرار إلى إدارة، والعدالة إلى تقنية، والسياسة إلى وظيفة.
المقال الكامل
هل سلمت الصهيونية المسيحية للصهيونية اليهودية قيادة منطقة الشرق الأوسط، بدءا من إدارة قطاع غزة في اليوم التالي؟
الجزء الثاني
يقدم الجزء الثاني إطارا معرفيا في ضوء المعلومات المتوفرة حتى 20/1/2026، حول الأطر الرسمية التي أعلن البيت الأبيض تشكيلها لإدارة اليوم التالي في قطاع غزة
غزة بين الهيمنة والوكالة: من يقرر؟ ومن ينفذ؟ ومن يُستَخدم؟
أولا: مجلس السلام برئاسة ترامب (الإطار السيادي الفعلي – مركز القرار)
ما هو مجلس السلام؟
المجلس ليس إداريا بالمعنى التقني، بل غرفة قيادة سياسية – أمنية تُمسك بالمشهد الكامل لما بعد الإبادة.
وظيفته الأساسية:
• وضع الإطار الاستراتيجي الشامل لما يُسمّى “اليوم التالي”.
• تعريف معنى “الاستقرار”، “الأمن”، و“المسموح سياسيا”.
• رسم مراحل إدارة غزة زمنيا.
• تحديد من هو “المؤهل” للحكم، ومن هو “المُعطِّل”.
مصدر شرعيته:
• القوة الأمريكية.
• التحالف الأمريكي – الصهيوني.
• الصمت الدولي
• الغطاء الإقليمي والعربي
• والامتثال الفلسطيني.
ما الذي يملكه المجلس فعليا؟
• القرار السياسي.
• المال.
• المعابر.
• السقف الأمني.
• تعريف النجاح والفشل.
إن تماهي الهوية العنصرية مع الوظيفة يظهر بوضوح في القدرة على إعادة تسمية العنف: فالإبادة تُسمّى «حربا»، والتهجير «حلا إنسانيًا»، ونزع السيادة «إصلاحا مؤسسيا». هذه القدرة على إعادة التسمية لا تُكتسب بالمنصب وحده، بل بالانتماء إلى هوية استعمارية ترى ذاتها معيارا للعقلانية والحداثة، وتُسقِط عن الفلسطيني صفة الفاعل السياسي، وتعيد تعريفه بوصفه موضوع إدارة، لا طرفا في صراع تحرري.
الخلاصة: هذا هو مركز السيادة الحقيقي في المنظومة، أمريكيا – صهيونيا، ليس فلسطينيا ولا عربيا ولا إقليميا ولا دوليا، ولا ينفي ذلك.
الأعضاء: أعلن البيت الأبيض أنهم يشكلون نواة “مجلس السلام” برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وتشمل هذه الأسماء (ما أعلن حتى الآن):
1. دونالد ترامب: رئيس المجلس، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية، أمريكي من أصول ألمانية – اسكتلندية، خلفيته رجل أعمال ومستثمر ورئيس شركة Trump Organization العقارية التي تدير مشاريع عقارية كبيرة مثل ناطحات السحاب والفنادق والكازينوهات.
2. ماركو روبيو: أمريكي وأول وزير خارجية من أصول لاتينية/ كوبي/، ويشغل أيضا منصب مستشار الأمن القومي بالنيابة، مسؤول عن العلاقات الدولية والدبلوماسية في المجلس.
3. ستيفن ويتكوف: يهودي أمريكي من أصول أشكنازية من أوروبا الشرقية، رجل أعمال ومستثمر في مجال العقارات ومؤسس مجموعة Witkoff العقارية، وعين مبعوثا خاصا لمهام السلام (Peace Missions)، في الشرق الأوسط وأوكرانيا.
4. جاريد كوشنر: يهودي أمريكي من أصول أشكنازية من أوروبا الشرقية. رجل أعمال ومستثمر عقاري، صهر الرئيس ترامب ومستشاره ومبعوثه للمنطقة، ومصمم خطة السلام الأمريكية، وصاحب فكرة تهجير أهالي قطاع غزة وتحويل القطاع إلى “ريفيرا شرق أوسطية “، مسؤوليته الوساطة السياسية وملف التمويل والتنسيق.
5. مارك جيفري روان: يهودي أمريكي من أصول أشكنازية من أوروبا الشرقية، ورجل أعمال ومؤسس مشارك والرئيس التنفيذي لواحدة من أكبر شركات الاستثمار والملكية الخاصة في العالم Apollo Global Management.
6. أجاي بانغا: أمريكي من أصول هندية، رئيس سابق للبنك الدولي وخبير في الاقتصاد والتمويل وإعادة هيكلة الاقتصاد.
7. روبرت غابرييل: أمريكي من أصول أوروبية، نائب مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة.
8. أنطوني بلير: بريطاني من أصول إنجليزية – اسكتلندية، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق. وشريك جاريد كوشنر في صياغة خطة السلام الأمريكية، له دور رئيسي في غزو العراق، وصاحب خبرة سياسية في توظيف الحروب والسياسة والديبلوماسية لتحقيق الاهداف الاستراتيجية لنظام الحداثة الغربي الصهيوني المادي العنصري المهيمن في المنطقة. وهو الوحيد غير الأمريكي في مجلس السلام.
هؤلاء هم البنية الأساسية للمجلس، وقد يرتفع عدد اعضاء المجلس إلى 10 أعضاء أو أكثر حسب الحاجة، بضم رؤساء دول أو ممثلين كبار من أطراف دولية وعربية، لمدد مؤقتة مدتها ثلاث سنوات، مشروطة بالتمويل بمليار دولار نقدا في السنة الأولى، مع إمكانية الاستثناء لمن يتجاوز هذا المبلغ. وقد وجه ترامب الدعوة رسميا إلى الرئيس التركي طيب أردوغان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والملك الأردني عبدا لله الثاني، وكان ترامب قد وجه دعوة مباشرة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقداه في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي بتاريخ 19/11/2025 أثناء زيارة ولي العهد السعودي لواشنطن. وتتداول الصحف أن الرئيس الأمريكي قد وجه دعوات إلى رؤساء دول وحكومات آخرين. وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن دعوات وجّهت إلى الرئيس الكازاخستاني، والرئيس الروسي فلادمير بوتين، وإلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للانضمام للمجلس.
ملاحظات على تشكيلة المجلس
جميع الأعضاء الحاليين يحملون الجنسية الأمريكية باستثناء البريطاني طوني بلير.
37.5 %من الأعضاء يهود من أصول أشكنازية من أوروبا
87.5 % من أعضاء مجلس السلام إما رجال أعمال ومستثمرين عقاريين (62.5%)، انخرطوا في السياسة في العصر النيوليبرالي المعولم حيث تمركز المال والسلطة والقوة في يد قلة متناقصة، وأمنيين (25%).
لا يُستدعى الفاعلون المنخرطون في «مجلس السلام» بسبب خبراتهم التقنية فحسب، بل لأنهم ينتمون إلى هوية سياسية – عنصرية أُنتجت تاريخيا داخل المنظومة الاستعمارية الغربية باعتبارها هوية موثوقة، متجانسة مع منطق السيطرة، وقادرة على ممارسة الحكم دون مساءلة أخلاقية تجاه السكان الأصليين. في هذا السياق، لا تعمل الهوية بوصفها معطى ثقافيًا منفصلًا عن الوظيفه، بل كشرط ثقة بنيوي يسمح بتداول القرار داخل الدائرة الضيقة للهيمنة، ويُقصي تلقائيا أي فاعل لا يتماهى مع هذا التصور للعالم وللسلطة.
ثانيا: المجلس التنفيذي: الوسيط السياسي – الإداري بين القرار والتنفيذ.
ما هو المجلس التنفيذي؟
جسم تنفيذي – تنسيقي يتلقى الخطوط العريضة من الإطار الأعلى / مجلس السلام، ويحوّلها إلى:
• خطط عمل،
• أولويات،
• جداول زمنية،
• توزيع أدوار على الأرض.
وظيفته:
• إدارة العلاقة بين:
• التمويل الدولي،
• الجهات الأمنية،
• لجنة التكنوقراط والمؤسسات المحلية،
• ضبط الإيقاع: لا إفراط سياسي، ولا انفجار أمني.
مصدر شرعيته:
• التفويض الأمريكي،
• القبول الإسرائيلي الأمني،
• الغطاء العربي والإقليمي،
• الامتثال الفلسطيني،
• الاعتراف الدولي الوظيفي.
ما الذي لا يملكه؟
• لا يغيّر الإطار السياسي.
• لا يقرر شكل السيادة.
• لا يعيد تعريف المشروع.
الخلاصة: هو حلقة الوصل، ليس صاحب القرار. جسم وظيفي، ليس سياسيا بالمعنى التحرري.
الأعضاء:
المجلس التنفيذي ليس هيئة مستقلة بأعضائها بالكامل، بل هو خليط وظيفي يتكوّن من 4 أعضاء مختارون من مجلس السلام وجودهم يضمن ألا ينفصل التنفيذ عن القرار، ولا ينحرف التطبيق عن السقف السياسي المرسوم في الأعلى وهم:
أربعة اعضاء من مجلس السلام (الأمريكيون اليهود وطوني بلير)
ستيف ويتكوف: يسهم في الجمع بين السياسة العليا والتنفيذ.
جاريد كوشنر: دوره يشمل ربط الخطط الإستراتيجية بالتنفيذ على الأرض.
مارك روان: يساهم في إدارة التمويل وبرامج الإعمار.
طوني بلير: يشارك في المناقشات التنفيذية وتنسيقها.
الأعضاء المضافون:
شخصيات دولية:
نيكولاي ملادينوف: الممثل السامي للمجلس على الأرض في غزة، بلغاري الجنسية، تقلد منصب وزير الدفاع ووزير الخارجية في بلغاريا، والمبعوث السابق للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط: دوره الإشراف على التنفيذ الميداني، والإشراف على المرحلة الانتقالية.
سيغريد القاق: دبلوماسية هولندية ذات خلفية طويلة في الأمم المتحدة، تولت مهمة الإشراف على برنامج نزع الأسلحة الكيماوية في سوريا، ومنسقة الأمم المتحدة للإغاثة وإعادة الإعمار في غزة.
الوسطاء:
تركيا: وزير الخارجية التركي هاكان فيدان،
مصر: رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد،
قطر: مستشار رئيس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي،
الإمارات وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي في دولة الإمارات ريم بنت إبراهيم الهاشمي.
مهمة المجلس التنفيذي:
• إدارة الأمن الانتقالي.
• الإشراف على التمويل وإعادة الإعمار.
• ضبط العلاقة مع المؤسسات الدولية.
مصدر اختيارهم أمريكيا، لم ينبثق من نقاش عام أو تفويض فلسطيني أو دولي، بل أملته الحاجة الوظيفية لخطة ترامب للسلام الإبراهيمي، الذي تفرضه القوة بدءا من قطاع غزة، وتقتضيه الرؤية الأمريكية الكبرى لإعادة هندسة العالم، وإدامة تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة الدولية، كما بينتها استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، التي ترتكز على عقيدة مونرو: بإحكام السيطرة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، وتتولى ذلك الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة.
وعرقلة تحول منطقة الشرق الأوسط إلى فضاء تعددي الأقطاب (الطاقة، الموانىء، والممرات البحرية، الاتصالات والعملات) وإسناد المهمة الرئيسية الى الوكيل الإسرائيلي بدعم وإسناد أمريكي عسكري وسياسي ومالي، لتطويق وتفكيك دول المنطقة، واستبدال السياسة بالإدارة.
عقيدة مونرو في الشرق الأوسط تقول: “الشرق الأوسط مجال نفوذ مغلق، يدار لا يُحرَّر، ويُستهلك لا يُقرِّر”.
3. ما الذي لا يملكه المجلس التنفيذي؟ وهذه نقطة حاسمة:
• لا يملك إعادة تعريف المشروع.
• لا يملك تغيير الإطار السياسي.
• لا يملك الانسحاب من الخطة.
• لا يملك مساءلة مجلس السلام.
هو يتحرك داخل الخطة، لا فوقها. ويُعنى بدعم الحوكمة والتنفيذ، وليس بصياغة الإطار السياسي الأعلى.
الخلاصة السياسية الواضحة
• مجلس السلام: يقرّر.
• المجلس التنفيذي: يترجم القرار إلى آليات ويضبط التنفيذ.
• الأعضاء المضافون: يُستدعون بقدر الحاجة الوظيفية، لا بقدر الشرعية.
لهذا فإن تصوير المجلس التنفيذي كـ:
“هيئة مستقلة”،
أو “توازن دولي”،
أو “جسر محايد”
هو توصيف مضلل.
جملة واحدة فاصلة: المجلس التنفيذي ليس شراكة سياسية، بل غرفة عمليات موسّعة تضمن أن ما تقرّر في الأعلى، يُنفَّذ في الأسفل دون انقطاع أو تمرد.
ثالثا: لجنة التكنوقراط: أداة التنفيذ الفلسطينية اليومية – الواجهة “الناعمة”
ما هي لجنة التكنوقراط؟
مجموعة اختصاصيين:
• إدارة بلديات،
• صحة،
• إغاثة،
• تعليم،
• خدمات أساسية.
وظيفتها:
• إدارة الحياة اليومية.
• إعادة تشغيل الحد الأدنى من المجتمع.
• تنفيذ ما يُطلب منها داخل السقف المحدد مسبقا.
مصدر شرعيتها:
• “الكفاءة”.
• “الحياد”.
• “الضرورة الإنسانية”.
مكمن الخطر:
• تقديمها بوصفها هيئة وطنية.
• تحميلها معنى سياسيا لا تملكه.
• فصلها عن السياق الذي يحدّد حركتها.
ما الذي لا تملكه اللجنة مطلقا
• تعريف المشروع الوطني،
• القرار السياسي،
• القرار الاقتصادي والمالي،
• القدرة على رفض الإطار الأعلى.
الخلاصة: اللجنه ليست مشكلة بحد ذاتها، المشكلة حين تتحول إلى غطاء لسياسة لا تُسمّى باسمها بوضوح.
الأعضاء:
1. الدكتور علي شعث – رئيس اللجنة ومسؤول عن الطاقة والنقل.
2. عائد أبو رمضان – ملف التجارة والاقتصاد.
3. عمر شمالي – ملف الاتصالات.
4. عبد الكريم عاشور – ملف الزراعة.
5. عايد ياغي – ملف الصحة.
6. جبر الداعور – ملف التعليم.
7. بشير الريس – ملف المالية.
8. علي برهوم – ملف المياه والبلديات.
9. هناء ترزي – ملف الشؤون الاجتماعية وشؤون المرأة.
10. عرابي أبو شعبان – ملف سلطة الأراضي.
11. محمد بسيسو – ملف القضاء.
12. اللواء محمد توفيق حلس – ملف الشرطة.
13. محمد نسمان – ملف الأمن.
14. (اسم غير محدد حتى الآن) – ملف الخدمات الاجتماعية أو الشؤون الخاصة بالمجتمع المدني (عادة يضاف ضمن القائمة)
15. (اسم غير محدد حتى الآن) – ملف البنية التحتية أو الاقتصاد المحلي (ضمن الوظائف الإضافية المفترضة).
الصورة الكاملة باختصار
• مجلس السلام التحالف الأمريكي الصهيوني يختار أعضاءه ويمثله ترامب: يملك القرار والسيادة.
• المجلس التنفيذي: هيئة دولية يختارها رئيس مجلس السلام أساسا لإضفاء طابع دولي واقليمي: يترجم القرار إلى آليات.
• لجنة التكنوقراط، لجنة فلسطينية وظيفية ممتثلة، تنفّذ داخل السقف المفروض.
حين يُقال لنا إن اللجنة وطنية، بينما هي وظيفية والسيادة في الأعلى، والإطار مكتوب في واشنطن، فنحن أمام تزوير للغة وللمفاهيم، وليس إدارة أزمة.
الخلاصة السياسية:
المشكلة ليست في تعدد الأطر، المشكلة تكمن في إخفاء الهرمية، وفي قطع العلاقة بين التنفيذ والسيادة، وفي تقديم الأداة كبديل عن السياسة الوطنية، ليس من يدير، بل من يقرر باسم من، وتحت أي سقف، وبأي أفق.
لا يفترض هذا التحليل وجود انسجام كامل في النيات، أو وعي استراتيجي موحّد بين جميع الفاعلين المنخرطين في منظومة «اليوم التالي».
فالمؤكد أن هذه البنية تضم تناقضات داخلية، وصراعات مصالح، وتفاوتا في الرؤى بين أطرافها الأمريكية، والإسرائيلية، والعربية، والإقليمية، والدولية. غير أن هذه التناقضات، مهما بلغت حدتها، لا تُغيّر من حقيقة أن الجميع يتحرك داخل إطار واحد مُحدّد، تُضبط نتائجه سلفا على مستوى السيادة والقرار.
وعليه، فإن وحدة المخرجات لا تعكس بالضرورة وحدة النيات، بل تعبّرعن قوة البنية التي تستوعب الاختلاف، وتعيد توجيهه دون أن يسمح بالخروج عن سقفها السياسي.
رابعا: غزة/اليوم التالي هي المختبر الأكثر صفاء لتطبيق “عقيدة مونرو المُحدَّثة” في الشرق الأوسط، لأنها تجمع كل عناصر إغلاق المجال السياسي، ومنع السيادة، وإدارة السكان بدل تمكينهم.
تُفهم المقاربات المطروحة لما يُسمّى بـ«اليوم التالي لغزة» على نحو أدق إذا أُدرجت ضمن سياق أوسع من التفكير الجيوسياسي، لا بوصفها استجابات ظرفية لكارثة إنسانية أو انهيار إداري، بل باعتبارها ترجمة وظيفية معولمة لعقيدة مونرو، بعد تفكيكها من مضمونها الجغرافي الأصلي وإعادة إنتاجها كمنطق لإغلاق المجالات الاستراتيجية، ومنع تشكّل سيادات غير مرغوب بها.
فعقيدة مونرو، التي صيغت في القرن التاسع عشر لمحاصرة وتقييد التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي، لم تكن في جوهرها إعلان استقلال بقدر ما كانت إعلان احتكار للمجال، وهو ما يُعاد اليوم تطبيقه في الشرق الأوسط، وتحديدا في غزة، كنموذج قابل للتعميم، عبر أدوات سياسية – إدارية – أمنية محدثة.
في هذا الإطار، لا يظهر «مجلس السلام» بوصفه مبادرة حيادية لحل الصراع، بل كأداة لإعادة تنظيم المجال السياسي الفلسطيني ضمن سقف الهيمنة، عبر نقل الصراع من حقل التحرر الوطني إلى حقل “الإدارة الأمريكية الاسرائيلية بغطاء متعددة الأطراف”.
فالمجلس، كما تُقدَّم وثائقه وخطابه، يتعامل مع الصراع باعتباره اختلالا في الحوكمة، أو قصورا في إدارة المصالح، وليس باعتباره نتاج استعمار استيطاني إحلالي، ونظام سيطرة عنصري.
بهذا المعنى، يعمل مجلس السلام على تفريغ السياسة من بعدها التحرري، وتحويلها إلى تقنية تسوية، وهو ما ينسجم مع منطق مونرو القائم على منع أي تحوّل جذري في طبيعة المجال أو في هوية الفاعلين داخله.
أما «المجلس التنفيذي» المقترح في سيناريوهات اليوم التالي، فيمثّل الحلقة العملية لهذا المنطق. فهو لا يُطرح كجسم سيادي نابع من تفويض شعبي، بل كهيئة تنفيذية مُفوَّضة، تُناط بها مهام الإدارة، وضبط الأمن، وإعادة الإعمار، دون امتلاك سلطة القرار الاستراتيجي.
هنا تُستبدل السيادة بالوظيفة، والتمثيل بالإدارة، ويُعاد تعريف الحكم بوصفه قدرة على التنفيذ لا حقا في التقرير. هذا النموذج يعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ«السيادة المنقوصة الممنهجة»، حيث يُسمح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم اليومية تحت سقف سياسي وأمني واقتصادي مرسوم سلفا.
وتكتمل هذه البنية عبر «لجنة التكنوقراط»، التي تُقدَّم كحل عقلاني ومحايد لأزمة الحكم والانقسام، لكنها في الواقع تمثّل أداة إضافية لنزع السياسة من المجال الفلسطيني. فالتكنوقراط، حين يُستدعَون خارج سياق مشروع وطني جامع، لا يكونون بديلا عن الفصائل فحسب، بل بديلا عن السياسة ذاتها. يتحوّل القرار إلى مسألة خبرة تقنية، وتُختزل القضايا الجوهرية – كالتحرر، والعدالة، والمساءلة – في مؤشرات أداء وخطط تعاف وتمويل مشروط. بهذا المعنى، لا تعمل لجنة التكنوقراط على إصلاح الحكم، بل على تحييده سياسيا، بما يضمن قابلية التحكم الخارجي واستدامة الاعتماد. بهذا الترتيب الهرمي، نكون أمام بنية مكتملة لإدارة المجال لا لتحريره.
إن الربط بين هذه الأدوات الثلاث – مجلس السلام، المجلس التنفيذي، ولجنة التكنوقراط – يكشف عن بنية واحدة تحكمها روح عقيدة مونرو المعولمة: إغلاق غزة كمجال سياسي، ومنعها من التحول إلى نقطة جذب لنفوذ بديل أو نموذج مقاوم، مع السماح في الوقت ذاته بإعادة إنتاج الحياة في حدودها الدنيا. فالإعمار يُفصل عن السيادة، والمساعدات تُفصل عن الحقوق، والسلام يُفصل عن العدالة. والنتيجة ليست خروج غزة من الحرب، بل إدخالها في نظام إدارة طويل الأمد، يُنظّم الكارثة بدل إنهائها.
لا يُقصد بالحديث عن الصهيونية بشقيها المسيحي واليهودي هنا توصيفا دينيا أو إثنيا، بل توصيفا لبنية استعمارية استيطانية، تماهت فيها الهوية العنصرية مع الوظيفة السياسية: إحلال، سيطرة على الأرض، نفي للسكان الأصليين، وتحويل المجال إلى أصل قابل للإدارة والبيع. بهذا المعنى، تعمل الصهيونية داخل المنظومة النيوليبرالية العالمية كهوية – وظيفة، لا كانتماء ثقافي محض، وتُعاد إنتاجها من خلال أدوات المال والعقار والأمن بوصفها شرطا بنيويا لاستدامة السيطرة، لا مجرد تعبير أيديولوجي.
من هنا، لا يمكن الفصل بين الخلفيات الهويّاتية لأعضاء هذه المنظومة وبين أدوارهم الوظيفية، لأن الهوية العنصرية في هذا السياق ليست معطى خارجيا على السلطة، بل جزء من بنيتها التشغيلية. إنها هوية تُنتِج القابلية على الحكم، وتُبرِّر نزع السيادة، وتُطَبِّع الإقصاء، ثم تُعاد تدويرها بوصفها “كفاءة” و“خبرة” و“حيادا”
بناء على ما سبق في الجزأين معا، يتضح أن ما يُطرح تحت عنوان «اليوم التالي لغزة» لا يمثّل انتقالا من الحرب إلى السلام، ولا من الفوضى إلى الحكم، بل انتقالا مدروسا من العنف الصريح إلى إدارة مُقنَّعة للكارثة. فالجزء الأول فكّك الإطار السياسي – المفاهيمي الذي جرى من خلاله تفريغ القضية الفلسطينية من معناها التحرري، وإعادة تعريفها كمشكلة إدارة وأمن واستقرار، بينما كشف الجزء الثاني البنية العملية التي ستتولى ترجمة هذا التفريغ إلى مؤسسات وآليات وأدوار، موزعة هرميا بين مركز سيادي أمريكي – صهيوني، وأجسام تنفيذية دولية وإقليمية، وواجهة فلسطينية وظيفية منزوعة السياسة.
بهذا المعنى، لا يشكّل الجزآن تحليلين منفصلين، بل مستويين لقراءة بنية واحدة: مستوى إنتاج الخطاب الذي يشرعن نزع السيادة، ومستوى التنظيم المؤسسي الذي يضمن تنفيذ هذا النزع دون حاجة إلى احتلال مباشر.
وما يجري في غزة ليس استثناء ولا حالة طارئة، بل نموذجا مكثفا لكيفية إدارة المجال الفلسطيني – وربما الإقليمي – حين يُمنع من تقرير مصيره، ويُسمح له فقط بإدارة تبعات هذا المنع.
لا يُفهم ما يجري في غزة بوصفه انتقالا للقيادة من فاعل إلى آخر، بل باعتباره لحظة اكتمال لبنية هيمنة واحدة أعادت ترتيب أدوارها الداخلية بعد أن استنفدت وظيفة التعبئة الأيديولوجية العلنية. ففي هذه المرحلة، تتراجع الواجهة العقائدية الصاخبة لصالح إدارة أكثر برودة واحترافا للمجال، دون أن يعني ذلك تبدلا في مركز السيادة أو في منطق السيطرة. ما نشهده هو انتقال من منطق التبرير إلى منطق التشغيل، ومن الخطاب إلى الإجراء، حيث تُدار الإبادة والسيطرة والعمران والاقتصاد ضمن منظومة واحدة متجانسة، يُمسك مركزها الإمبراطوري بالقرار، ويُنجز وكيلها الاستيطاني التنفيذ، وتُستكمل الحلقة بأدوات دولية وتكنوقراطية محلية تؤدي وظائفها داخل سقف مغلق سلفا.
بهذا المعنى، لا توجد قطيعة بين المراحل ولا تعارض بين الفاعلين، بل تراكُم وظيفي يُعبّر عن نضج المشروع وقدرته على الاستمرار بأدوات أقل صخبا وأكثر قابلية للتدوير والتسويق، فيما تبقى غزة المختبر الأكثر صفاء لهذا التحول من الهيمنة المعلنة إلى الهيمنة المُدارة.



