ترجمات عبرية

هآرتس: واشنطن، القدس أو الرياض: أهمية حاسمة للمكان الذي يتحدد فيه التهديد الإيراني

هآرتس 13/2/2026، تسفي برئيلواشنطن، القدس أو الرياض: أهمية حاسمة للمكان الذي يتحدد فيه التهديد الإيراني 

“يمكن ان نكون على يقين بان الولايات المتحدة هي عدونا، لكن الحوار مع العدو هو جزء من السياسة العالمية الان، وانا اعتقد ان تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة قد يكون مفيد”، هذا ما قاله علي لاريجاني في خطاب القاه في 2007 عندما كان يشغل منصب الأمين العام لمجلس الامن القومي الإيراني. في ذلك الوقت لم تكن ايران مجرد تهديد، بل شريكة أيضا في العمليات السياسية الإقليمية التي تطورت بعد الحربين في العراق وفي أفغانستان.

بل وحتى ان وزير الخارجية الإيراني في حينه مينوشهر موتكي، شارك في قمة دولية عقدت في شرم الشيخ في تلك السنة لمناقشة مستقبل العراق، الى جانب كونداليزا رايس، التي كانت في حينه وزيرة الخارجية في إدارة بوش. بعد بضعة اشهر استقال لاريجاني، المؤيد للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة من مناصبه، الأمين العام لمجلس الامن القومي ورئيس وفد المفاوضات النووية. ويعود ذلك الى خلافه مع الرئيس محمود احمدي نجاد، الذي تبنى موقفا متشددا ضد أي مفاوضات مع الأمريكيين بشان الملف النووي.

الان، بعد مرور 19 سنة تقريبا، ما زال معظم ابطال تلك الحقبة يشغلون مناصب في الدائرة المقربة من الزعيم الأعلى علي خامنئي، حيث يتولى لاريجاني منصب الأمين العام لمجلس الامن القومي، إضافة الى كونه المنسق الرئيسي للمفاوضات النووية التي يجريها بالفعل وزير الخارجية عباس عراقجي. وما زال علي اكبر ولايتي، الذي شغل منصب وزير الخارجية مدة 15 سنة تقريبا، ثم كان المستشار السياسي رفيع المستوى لخامنئي، يشغل هذا المنصب حتى الان. ومثلهما هناك مجموعة مستشارين الذين راكموا عقود من الخبرة الجماعية، السياسية، الدبلوماسية والعسكرية، وهم يتابعون الان عن كثب المفاوضات النووية.

كل واحد منهم، الذي يعرف أيضا الجوانب التقنية للمشروع النووي، يستطيع ان يستشهد من الذاكرة مواقف وأفكار تبادلها رؤساء ايران والولايات المتحدة – بدءا ببوش ومرورا بكلينتون واوباما وانتهاء بترامب في ولايته الأولى. اما في الفريق الأمريكي فانه لا يوجد من لديه هذه الخبرة، أو حتى من كان جزء من التاريخ العريق للعلاقات بين الدولتين. من غير المؤكد انه يوجد عيب في ذلك. فمقارنة مع الطرف الإيراني الذي يعيش في حالة من التكرار، على افتراض انه “لقد مررنا بذلك وراينا كل شيء”، يتحدث الطرف الأمريكي بـ “لغة جديدة” – لغة ستيف ويتكوف وجارد كوشنر، اللذان لا تثقل عليهما ذكريات سياسية وشخصية، وقد يكونا قادرين على تقديم بداية جديدة تحقق النتيجة التي يسعى اليها دونالد ترامب.

الفرص التي سنح بها التاريخ يصعب تكرارها في العادة. لا احد في القيادة الإيرانية يتحدث الان عن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. محتى لو كان معظم من يديرون سياسة ايران، وعلى راسهم خامنئي، ما زالوا نشيطين، الا ان هناك فجوة كبيرة تفصل بين الظروف التي ميزت الفترة في الأعوام 2007 – 2015 والظروف التي تجد ايران والولايات المتحدة نفسها فيها الان. مع ذلك ما زالت القضية النووية الإيرانية حاضرة بقوة في العلاقات بين الدولتين.

مثلما هي الحال مع اسلافه، ينظر ترامب أيضا الى التهديد النووي باعتباره قضية مهمة جدا وخطيرة جدا، وهو مستعد لخوض حرب لوقفه. ولكن ايران تحولت الى “حزمة تهديدات” تشمل الصواريخ البالستية والتنظيمات الإرهابية التابعة لها، الامر الذي يطرح معضلة صعبة امام الإدارة: هل يجب التعامل مع كل قضية على حدة أم كحزمة واحدة؟ هل يجب حتى التعامل مع القضايا غير النووية؟ والأكثر أهمية هو كيف يمكن تحديد أولويات كل تهديد؟.

تصريحات ترامب وكبار مستشاريه تشير الى ان قضية الصواريخ البالستية والدعم الذي تقدمه ايران لوكلائها في المنطقة أو طبيعة النظام الاجرامية، لا تشكل في الوقت الحالي سبب للحرب. ويفصل ترامب بين التهديد الاستراتيجي العالمي الناتج عن المشروع النووي الإيراني وبين التهديد الإقليمي الناتج عن الصواريخ أو عن وكلائها. لا يستند هذا التمييز فقط الى حجم الضرر الذي قد يسببه أي تهديد كهذا، بل الى الصلاحية السياسية المعطاة للرئيس الأمريكي.

الاجماع الإقليمي، الذي يضم دول الخليج برئاسة السعودية وتركيا، يدعم تحييد التهديد النووي الإيراني. وقد اعلنت السعودية دائما بانه اذا حصلت ايران على السلاح النووي فهي ستكون معنية أيضا بالحصول على سلاح مشابه. وفي مقابلة مع “سي.ان.ان” التركية في هذا الأسبوع حذر وزير خارجية تركيا هاكان فيدان من ان حصول ايران على السلاح النووي سيخل بتوازن القوة في الشرق الأوسط، وبالتالي سيشعل سباق التسلح النووي، الذي سيجبر تركيا على الانضمام اليه. لم يتم توجيه تحذير مشابه من تركيا أو من السعودية أو غيرها من برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية، رغم تعرض السعودية لهجوم بصواريخ إيرانية الصنع، بل وقال البعض بانه تم اطلاقها من ايران، في العام 2019.

الصواريخ بالنسبة لدول المنطقة تعتبر تهديد موجه لإسرائيل، أي انها قضية ثنائية تحاول إسرائيل عرضها كخطر إقليمي وتسعى بجهد الى اضافتها كشرط صارم في أي اتفاق مع ايران، الامر الذي يحولها الى ذريعة للحرب. ويعتبر هؤلاء ان تصوير قضية الصواريخ بانها مساوية في أهميتها وقيمتها للقضية النووية، وسعي إسرائيل للضغط على ترامب لتبني سياسة “كل شيء أو لا شيء”، يعرض سلامة دول المنطقة للخطر، ويضعف فرصة التوصل الى اتفاق نووي، الذي بدونه ستصبح الحرب ضد ايران امر حتمي.

يشكل موقف هذه الدول التي أصبحت بمثابة غطاء سياسي لإيران، عامل مهم جدا في قرارات ترامب. فالى جانب العلاقات الشخصية الوثيقة والاستثمارات الضخمة التي تعهدت بها في الولايات المتحدة والشركات الخاصة التي يمتلكها افراد في عائلة ترامب وعائلة ويتكوف في هذه الدول، يوفر قادتها الدعم العربي لسياسة ترامب في الشرق الأوسط، بدءا بغزة ومرورا باليمن وانتهاء بسوريا ولبنان. أيضا هذه الدول تقدم حجج استراتيجية ذات صلة.

تجادل تركيا والسعودية وقطر بانه في حالة التوصل الى الاتفاق النووي سيصبح من الممكن التوصل الى اتفاقات بشان قضايا تهم إسرائيل والولايات المتحدة. ولكنها لم تقدم حتى الان أي ضمانات بان ايران ستوافق على مناقشة هذه القضايا بعد التوقيع على الاتفاق النووي، ونظرا للموقف المتشدد الذي اظهرته ايران حتى الان فانه مشكوك فيه وجود أي فرصة للتفاوض في هذه المسائل. وقد قال مصدر دبلوماسي تركي لـ “هآرتس”: “يجب علينا النظر الى الأمور بمنظار زمني. لقد وافقت ايران على التفاوض مع أمريكا، وعقدت لقاء مباشر، حتى لو كان قصير، مع ويتكوف، وهي تعد بجدية للجولة القادمة للمحادثات وتقدر انها ستقدم موقف اكثر مرونة بشان القضية النووية. تجري ايران حوار كثيف مع تركيا وقطر والسعودية، وتاخذ اقتراحاتنا على محمل الجد وتدرك أهمية الدعم الذي تحصل عليه من دول المنطقة والتزامها تجاهنا”.

ويشير نفس المصدر الدبلوماسي التركي الى ان تركيا قلقة أيضا بشان الضربات الصاروخية، وتشكك بشدة بالمليشيات الموالية لإيران والتي تعمل في العراق. ويؤكد: “مع ذلك نحن لن نخوض حرب بسبب ذلك. هذه أمور يمكن حلها من خلال المفاوضات مثلما فعل ترامب مع الحوثيين. وكما يضغط على لبنان من اجل نزع سلاح حزب الله، ويتخذ إجراءات ضد الحكومة العراقية”.

في غضون ذلك يبدو ان ايران ليست الوحيدة المستعدة لتعديل مواقفها. فحسب وزير الخارجية التركي يبدو ان ترامب مستعد أيضا للنظر ببعض المرونة فيما يتعلق بتخصيب اليورانيوم في ايران. اذا كان هذا هو موقفه بالفعل فهو يرتبط بالضغط الذي تستخدمه عليه دول المنطقة، التي حصلت في هذا الأسبوع على تقدير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لاسهامها في المفاوضات.

ان الغطاء الدبلوماسي العربي والتركي المرافق لإيران يضع الولايات المتحدة، ليس للمرة الأولى، في موقف يجبرها، إضافة الى التفاوض مع ايران، على اجراء مفاوضات ثنائية الابعاد ضد إسرائيل وضد تحالف دول لها نفوذ يفوق نفوذ إسرائيل كما يبدو. وقد اثبت هذا الغطاء قوته بالفعل عندما نجح التحالف العربي، خلافا لموقف إسرائيل، في ثني ترامب عن تهجير سكان قطاع غزة وإقامة مشروع الريفييرا ودفعه الى تبني مسار إقامة الدولة الفلسطينية.

في سوريا ضغط التحالف على ترامب للاعتراف بنظام الشرع، ورفع العقوبات المفروضة على سوريا. وفي غضون ذلك وافق ترامب أيضا على بيع طائرات “اف35” للسعودية وتركيا، وهو يتفاوض حاليا على صفقة مشابهة مع قطر. والان ينوي هذا التحالف تحقيق انجاز مشابه في المفاوضات مع ايران.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى