هآرتس: هكذا تبدو الابادة الجماعية
هآرتس – غاي شليف – 29/7/2025 هكذا تبدو الابادة الجماعية
في يوم الجمعة، 20 تشرين الاول 2023، ألم 7 اكتوبر كان ما يزال مشتعل، وكان الركض اليومي الى الملاجيء مع الطفلة والزوجة الحامل. في الليل حصلنا في منظمة “اطباء من اجل حقوق الانسان” على مكالمة هاتفية مستعجلة من الدكتور بشار مراد، مدير مستشفى القدس في غزة، بعد حصوله على انذار للاخلاء قبل القصف. هذا المستشفى خدم مئات الاف السكان وكان يوجد فيه في ذلك الوقت مئات المرضى وآلاف النازحين.
في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل قدمنا التماس مستعجل للمحكمة العليا لمنع المس. المنشأة الطبية توجد لها حماية خاصة في القانون الدولي لأن المس بها لا يضر فقط اشخاص غير متورطين، الذين يعالجون ويقومون بالعلاج فيه، بل يضر ايضا بالالاف الذين بقاءهم على قيد الحياة يعتمد عليه. الجيش قال بانه لا يخطط لمهاجمة المستشفى، لكن تهديد آخر جاء بعد تسعة ايام. قمنا بتقديم التماس آخر ولكن بدون نجاح. المحكمة رفضت التدخل ورفضت الالتماس. بعد ثلاثة اسابيع على الانذار الاول، في 12 تشرين الثاني، المستشفى انهار بسبب الحصار وعمليات القصف. بعد المكالمة الهاتفية للدكتور مراد لم اتمكن من النوم. امسكت رأسي وقلت: “هم يريدون قتلهم، شخص كبير السن، امرأة في وقت الولادة أو طفل في الخداج. قلت ذلك لنفسي ولكنني لم أصدق”.
منذ ذلك الحين خلال 22 شهر اسرائيل دمرت الجهاز الصحي في قطاع غزة بشكل منهجي، حيث كل مرحلة تفاقم الضرر السابق. المستشفيات في شمال القطاع تم قصفها ومحاصرتها، وتم منع تزويدها بالوقود، مرضى وعائلات نازحين اضطروا الى الهرب نحو الجنوب، واضيفت منشآت، التي انهارت تحت عبء الاكتظاظ، في دير البلح وخانيونس ورفح. وعندما انهار مستشفى الشفاء فان مستشفى ناصر اصبح يكتظ بالمرضى، وعندما تم تفكيك مستشفى ناصر فان المستشفى الاوروبي بدأ ينهار.
في كل هجوم آخر انهارت مستشفيات اخرى، واعضاء الطواقم الطبية قتلوا أو تم اعتقالهم، ولم يعد بالامكان توفير الخدمات الحيوية. في جميع الحالات التي هاجم فيها الجيش المستشفيات، باستثناء مستشفى العودة ومستشفى شهداء الاقصى، قالت اسرائيل بان حماس تستخدمها ولذلك هي فقدت الحق في الحماية. رغم وجود شهادات على تواجد حماس في المنشآت الطبية، إلا أن تقارير الدولة حول هذا الامر لم تؤكد من مصدر خارجي مستقل ولم يتم توفير تاكيد على ادعاءاتها الجارفة.
المس بالبنى التحتية الصحية ادى الى فشل بنيوي مستمر ومتفاقم. فالتهجير أدى الى الاكتظاظ، التي سرع انتشار الامراض، التي انتشرت بدون سيطرة على خلفية انهيار الخدمات الصحية. الحصار عمق الانهيار: الاخلاء الطبي تم وقفه، المعابر تم اغلاقها، القليل الذي بقي من المساعدات الانسانية جف، الجوع ازداد، لا سيما في اوساط الاطفال الذين تدهورت اجسادهم بسرعة في ظل غياب الغذاء والمياه والعلاج. 92 في المئة من الاطفال في اعمار نصف سنة – 2 سنة لا يحصلون على الغذاء المطلوب، على الاقل 76 طفل ماتوا بسبب الجوع ونقص الغذاء منذ بداية الحرب.
هذه هي المنظومة التي يمكنها مواجهة 139.607 فلسطيني، الذين اصابهم الجيش الاسرائيلي، وآلاف المرضى. تقريبا 4700 غزي مروا في عملية بتر واحدة على الاقل، من بينهم 20 طفل. هذا اضافة الى قتل 58.573 فلسطيني (بتقدير متحفظ يشمل فقط الاشخاص الذين تم تشخيصهم بشكل كامل)، وهذا العدد هو 2.5 في المئة من سكان القطاع. اكثر من 17 ألف طفل قتلوا.
هكذا تبدو الابادة الجماعية. هذه المقولة الخطيرة قيلت بقلب مثقل. وقد توصلنا اليها بعد اشهر طويلة من توثيق الواقع وفحص للجوانب الصحية والقانونية، بالتشاور مع خبراء محليين ودوليين. يجب علينا الالتزام بالحقيقة، التي توجد في التفاصيل الصغيرة والصورة الكبيرة، في الحقائق وفي التحليل القانوني.
لذلك فان جمعية “اطباء من اجل حقوق الانسان” تنشر اليوم وثيقة تحلل كيف ان عمليات اسرائيل في غزة أدت الى تدمير شروط الحياة المطلوبة لبقاء الفلسطينيين هناك: تدمير الجهاز الصحي، منع خروج المصابين والمرضى الذين لم يبق لهم أي رد، التجويع والمنع، الاستخدام العسكري للمساعدات الانسانية، التهجير، تدمير المباني والبنى التحتية الطبية، انتشار الاوبئة وما شابه. عند فحص كل هذه الامور معا نحن نشخص نموذج عمل واضح على وجود نية. المنهج هو “المسدس المدخن”.
تقريبا منذ سنتين نحن نشهد على اخلاص الزملاء في غزة، رجال الصحة بكل معنى الكلمة، الذين يعملون ببطولة من اجل انقاذ الحياة امام القصف القاتل. هم يفعلون ذلك في الوقت الذي فيه هم انفسهم يتعرضون للهجوم المباشر – اسرائيل قتلت 1580 طبيب وممرض واعتقلت 302، في الوقت الذي فيه ابناء عائلاتهم ومجتمعهم يتم قتلهم واصابتهم وتهجيرهم.
ماذا يجب علينا ان نفعل؟ الوقوف الى جانب شركائنا في جهاز الصحة في غزة وفعل كل ما في استطاعتنا لحمايتهم. حيث ان نضالهم المتواصل سيكون البوصلة بالنسبة لنا، وسيذكر صبح مساء بان حياتهم مهمة، وان الجريمة الاكثر خطورة التي يمكن لدولة ان ترتكبها، الابادة الجماعية، لن تمر بدون معارضة أو تحمل المسؤولية.



