ترجمات عبرية

هآرتس: نشوة النصر في المعركة ستستبدل بنظرة قلقة على العملية التي خرجت عن سيطرتنا

هآرتس 6/3/2026، أفنر بن زاكن: نشوة النصر في المعركة ستستبدل بنظرة قلقة على العملية التي خرجت عن سيطرتنا

ان الشعور بالنشوة مفهوم، بسبب الصور التي تأتي من طهران، التصريحات الصادرة من واشنطن والقدس والشعور بأن احد ما أخيرا حطم الجمود المستمر. ولكن في لحظة النشوة هذه بالذات من المناسب التساؤل ليس عن ما حققناه في هذا الأسبوع، بل عن أي عملية بدأنا بها.

في العادة تخطط الحروب من منظار العلاقات السببية بين عاملين، نحن والعدو. مع ذلك، كل حرب تجسد شبكة متشعبة من العوامل والظروف والاعتبارات، التي معا تتبلور بالتدريج في مسار الحرب لتشكيل اتجاه تاريخي واسع وواضح. من اجل فهم العوامل والظروف والاعتبارات التي ستشكل الاتجاه الذي سينتج عن الحرب يجب علينا العودة خطوة الى الوراء وتوسيع نطاق الرؤية.

ان افتراض ان هجوم خارجي سيسرع انهيار النظام في ايران، يستند الى مفهوم غربي للهوية. عندما دعا دونالد ترامب الإيرانيين الى الانتفاض، تحدث بلغة هوية واسعة تكاد تكون ليبرالية: الاستبداد في مواجهة الحرية، المواطنون في مواجهة الديكتاتورية. ولكن في الشرق الأوسط الهوية ليست افقية وهي لا تقوم على قيم او مصالح مشتركة، بل هي عمودية وتقوم على الهوية والولاء، ولاء الفرد للعائلة، وولاء العائلة للعشيرة، وولاء العشيرة للقبيلة، وولاء القبيلة للدين والوطن.

ان تحطيم هذا الولاء لا يعتبر خطوة سياسية، بل هو انفصال وجودي. فالدولة التي تتعرض للهجوم، حتى في ظل وجود معرضة شرسة، تميل الى التوحد، لأن المعارضة تعرف ان أي انتفاض ضد الحكومة سيعتبر تواطؤ مع العدو وخيانة، وأنه سيتم تهميشها. لذلك فانه من المؤكد ان الشعب الإيراني لن يخرج الى الشوارع وايران لن ترفع الراية البيضاء.

أيضا اغتيال المرشد الأعلى لا يعتبر خطوة سياسية فقط. فعلي خامنئي لم يكن فقط رئيس دولة. ففي نظر نفسه وحسب تقليد الخميني هو يعتبر المرجع الأعلى للشيعة الذين تعتبر التضحية والمعاناة من ركائز تقاليدهم. فاسطورة كربلاء، حيث قتل الحسين بن علي حفيد النبي محمد ومرافقيه، هي اللحظة التي تحول فيها الشيعة من فصيل سياسي الى طائفة دينية متماسكة حول دين سياسي يقوم على المعاناة والتضحية، وهو جاء بعد فترة من الفوضى والحروب الإقليمية.

بدات تظهر في ايران صور تصور ترامب بصورة يزيد والي البصرة الاموي، الذي امر باعتقال بأي ثمن الحسين بن علي، وتصور نتنياهو مثل عمر بن سعد قائد القوات الاموية الذي نفذ المذبحة. لقد اصبح القضاء على خامنئي اسطورة تاسيسية. فبدلا من تآكل العقيدة السياسية التي يقوم عليها النظام، يبرز اتجاه لاعادة صياغة هذه العقيدة، الامر الذي سيعززها. صورة المرشد الأعلى ستصبح في الأجيال القادمة رمزا دينيا للتضحية والمعاناة، الأساس للعقيدة السياسية الشيعية.

استراتيجيا يعزز الهجوم على ايران فرضية طهران الأساسية بان السلاح النووي ضروري لوجودها. ايران تعتبر نفسها كيان فارسي شيعي محاط ببيئة معادية، “شعب يعيش لوحده”. وتروي لنفسها بانها تعرضت للهجوم عبر التاريخ منذ القرن السادس عشر. أولا، من العالم السني، وبعد ذلك في القرن التاسع عشر من بريطانيا وروسيا، والان من الولايات المتحدة وإسرائيل.

تحيط بايران دول أو تحالفات تمتلك قدرة نووية، الهند في الجنوب، الباكستان في الشرق، روسيا في الشمال وحلف شمال الأطلسي عبر تركيا في الشمال الغربي. في هذا السياق لا ينظر الى السلاح النووي كاداة عدائية، بل كضمانة للوجود. فالهجوم الخارجي لا يعزز الا حجة التيار المحافظ التي تقول بانه لا ينبغي الاعتماد على الاتفاقات، بل على الردع المستقل فقط.

أيضا هذه الحملة لا تجري في فراغ. فروسيا والصين توجد لهما مصلحة في استمرار هذا الصراع وجعل الولايات المتحدة تتوغل اكثر في الشرق الأوسط، على امل ان تصبح ايران بالنسبة لواشنطن ساحة صراع دموي مستمر، مثلما أصبحت أوكرانيا بالنسبة لموسكو. وهذا التطور سيخدم أهدافهم في ساحات أخرى. فروسيا تركز نظرها على دول البلطيق وشرق أوروبا، فيما ترى الصين بانشغال الولايات المتحدة فرصة لتحقيق أهدافها بخصوص تايوان. وكلما تعمقت الولايات المتحدة في الانخراط توسع نطاق تحرك موسكو وبجين. ان تدفق السلاح المتقدم لإيران ليس بادرة حسن نية أيديولوجية من ناحيتهم، بل هو خطوة تهدف الى اضعاف النفوذ الأمريكي.

لقد سارع فلادمير بوتين الى ادانة اغتيال رئيس الدولة، ووصف بان هذا خرق للقواعد الدولية. هذه الإدانة تخفي قلق شخصي، اذ قد ينطبق عليه هذا الامر نظريا. لكن عندما يتم خرق المعايير الأساسية يعاد النظر في محظورات أخرى، ويصبح التعاون النووي الروسي، علني أو سري، مع ايران احتمالية تخيم على النظام الدولي.

كل ذلك يحدث في ظل واقع عالمي مضطرب أصلا، حيث يوجد صراعين بين قوتين عظميين، روسيا وأوكرانيا من جهة، والولايات المتحدة وايران من جهة اخرى. واذا ما تم فتح جبهة حول تايوان فقد يجد العالم نفسه في حرب عالمية متعددة التهديدات بين مراكز القوة الكبيرة.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى