هآرتس: نزوات ترامب لتدمير العالم القديم واخضاع العالم الجديد ستبدأ من غزة

هآرتس 18/1/2026، ليزا روزوفسكي: نزوات ترامب لتدمير العالم القديم واخضاع العالم الجديد ستبدأ من غزة
في ليلة الجمعة – السبت وبتوقيت يظهر لامبالاة مطلقة تجاه اسرائيل أو الجدول الزمني لرئيس حكومتها نشر البيت الابيض تشكيلة الهيئات التنفيذية لمجلس السلام الذي شكله والذي من شانه ان يدير قطاع غزة. امس السبت وصل رد استثنائي جدا من مكتب بنيامين نتنياهو: للمرة الاولى وبصورة صريحة اعلن رئيس حكومة اسرائيل بانه بين موقفه وبين موقف صديقه وسيده دونالد ترامب لا توجد شروخ، بل هناك فجوة عميقة – الى درجة ان الاحتجاج الرسمي والعلني ومرتفع الصوت ضد تشكيلة اللجنة الادارية. هذه التشكيلة تضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمستشار الكبير لرئيس حكومة قطر علي التوادي الذي شاهد في السنة الماضية اذلال نتنياهو في الغرفة البيضوية عندما اجبر على الاعتذار من رئيسه محمد آل ثاني.
حسب مصادر مطلعة فان نتنياهو كان على معرفة جيدة بحبة الدواء المرة التي يجب عليه ابتلاعها، وتشكيلة اللجنة تم تنسيقها معه. هذا اضافة الى انه كان يصعب ان لا نكون على معرفة بنية الولايات المتحدة الاعلان عن الانتقال الى المرحلة الثانية والعلاقات الوثيقة للادارة الامريكية مع تركيا وقطر: لقد تم النشر والاعلان عن كل شيء ولم يتم اخفاء أي شيء. مع ذلك، يبدو ان خطوة البيت الابيض احرجت نتنياهو وهو غير مستعد لها – نفسيا واعلاميا. هذه لحظة يتم فيها الشعور بغياب رون ديرمر، الذي كان يهمس في اذن البيت الابيض.
في نفس الوقت تبين، كما نشر في السابق في “هآرتس”، ان غزة هي بالفعل مجرد ذرة من الرمل، أو حجر الزاوية، في المبنى الشامل الذي يحاول ترامب اقامته: ائتلاف من منقذي العالم الذي يأتمر باوامره ويعالج مشاكل ونزاعات في ارجاء العالم، بطريقته. وكما تم التلميح له بصورة فظة جدا في الميثاق الذي نشر على الزعماء الذين تمت دعوتهم، فان هذا الاسلوب يختلف كليا عن الطريقة السيئة التي تمت فيها معالجة النزاعات والمشاكل في العالم حتى الآن.
يصعب انكار ان العقود الاخيرة، خاصة السنوات الاربعة الاخيرة منذ عزو روسيا لاوكرانيا، اثبتت ان النظام العالمي الراسخ الذي بني بعد الحرب العالمية الثانية قد تصدع. ربما تصدع هي كلمة ضعيفة جدا. هذا المبنى الذي تم هزه مرة تلو الاخرى يذكر الان بالخراب الذي حدث بعد القصف، الذي بصعوبة يوفر لبعض المهجرين ملجأ من العاصفة الموجودة في الخارج ومن هزات اخرى. ترامب، بالتشاور مع مساعدين والمقربين منه، يصمم الان على تسوية هذا المبنى بشكل نهائي – غزة على سبيل المثال.
ميثاق مجلس السلام تضمن في الواقع بضع كلمات عن انه سيعمل وفقا للقانون الدولي، لكن عندما يدور الحديث عن ادارة فرضت عقوبات على محكمة الجنايات الدولية وقضاتها فمن الواضح ان هذا حتى ليس فيه أي تظاهر، بل هو خطاب فارغ من المضمون. القانون الوحيد الذي من شانه ان يسود في مجلس السلام هو رغبة رئيسه دونالد ترامب.
السؤال هو من من بين الـ 60 دولة التي تمت دعوة زعماءها للانضمام للمجلس – حسب عدة مصادر تحدثت مع “هآرتس” – ستوافق على الانضمام بالفعل. هؤلاء الزعماء سيواجهون معضلة واضحة. فاذا شاركوا في المشروع سيكونون متورطين شخصيات في تدمير العالم القديم، وسيوافقون ضمنيا على اخضاع العالم الجديد لترامب ونزواته. أي قرار يتخذه مجلس السلام، بل وحتى جدول اعماله، سيخضع لموافقة الرئيس. وبامكانه متى شاء انشاء هيئات اضافية تابعة للمجلس، وبامكانه ايضا متى شاء عزل اعضاءه أو تمديد ولايتهم، ومن يساهم اكثر سيكون له رأي في المجلس وبشكل علني. ومن سيتبرع بمليار دولار او اكثر لتلبية احتياجات المجلس ستمدد ولايته فيه تلقائيا.
هذه الخطوة تنطوي على اخطار كبيرة على سمعة القادة الغربيين. مع ذلك، بالنسبة لدول “الجنوب العالمي” التي تتمتع ظاهريا على الاقل بمساواة مع الدول الكبرى والقوية في الجمعية العمومية للامم المتحدة، فان محاولة انشاء “امم متحدة منافسة” تعتبر بمثابة قطع الغصن الذي تقف عليه. اضافة الى ذلك فان الولايات المتحدة على الاقل في الوقت الحالي، وهي الدولة الديمقراطية حسب الدستور، يفترض ان يتقاعد الرئيس فيها بعد ولايتين. فما اهمية مجلس السلام الذي يديره ترامب، الذي يتسم بجنون العظمة، بعد ان يتوقف عن قيادة اقوى دولة في العالم؟.
من جهة اخرى، من المؤكد ان هناك دول لن ترغب ولن تستطيع رفض عرض ترامب. ومن بين هذه الدول مثلا الوسطاء الضامنين للاتفاق بين اسرائيل وحماس – تركيا، قطر ومصر – وكل واحدة منها لاسبابها الخاصة، ولكن السبب الرئيسي هو ان كل واحدة منها لا ترغب في التخلي عن تاثيرها الكبير في الوضع في غزة وفي النزاع في الشرق الاوسط، ويشغل ممثلوها الرسميون بالاضافة الى ممثل عن دولة الامارات، مقاعد في المجلس التنفيذي لغزة، لكن من غير المؤكد أن هذا يكفي. في المقابل هناك تكهنات بان السعودية التي اعلن ترامب بان ولي عهدها الامير محمد بن سلمان سيكون اول عضو محتمل في المجلس قد تتنازل عن هذا الشرف.
ايضا دول الغرب سيكون عليها التقرير ما هو الاهم بالنسبة اليها: الاحترام (احترام الذات واحترام القانون)، أو أي ارث متملص معين أو ربما نفوذ على المدى القريب. سيتعين على بريطانيا وفرنسا التخلي عن ثقلها في مجلس الامن الدولي اذا انضمت لمجلس ترامب، لكن ما الذي يعطيها الحق في استخدام حق النقض الفيتو ضد مؤسسة عاجزة عن اتخاذ أي قرار مهم بسبب اختلال التوازن مع روسيا والصين؟ في كل الحالات، حتى كتابة هذا المقال، لم يتضح ما اذا كانت فرنسا دعيت للانضمام للمجلس. بريطانيا حصلت على الدعوة حسب عدة مصادر. وحسب مقال نشر في “التايمز” قبل بضعة ايام فان رئيس الوزراء كير ستارمر يعتزم الانضمام. وتزعم بعض المصادر بان ترامب لن يتردد في دعوة زعماء دول لا تعتبر ذات نفوذ كبير لهذا المجلس مثل السلفادور والبرغواي. اما نتنياهو فلم تتم دعوته حتى الآن.
ميثاق المجلس يتضمن بند مثير للاهتمام ينص على عدم وجود مجال للتحفظات. بلغة ترامبية بسيطة: القبول أو الرفض. سيتمكن اعضاء المجلس من اضافة بنود اليه باغلبية كبيرة وبمصادقة ترامب، لكن فقط بعد موافقتهم على الانضمام. يحتمل ان يكون الاعلان عن المجلس عشية عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يهدف الى زيادة الضغط على المدعوين: سيجبرون، حرفيا تقريبا، على اتخاذ قرارهم في غرفة في جبال الالب في سويسرا، ويفضل ان يكون ذلك قبل ساعة فقط على انعقاد المنتدى.
الخطوة التي بدات في يوم الاربعاء، عندما اعلن ستيف ويتكوف عن لجنة التكنوقراط، والتي استمرت في يوم اليوم بتغريدة ترامب حول مجلس السلام، وبعد ذلك الاعلان الرسمي للبيت الابيض في فجر اليوم، حصلت على دعم سابق ومتحمس من السلطة الفلسطينية وحماس والفصائل الاخرى. في يوم الاربعاء وصف نتنياهو هذه الخطوة بانها “مجرد اعلان”، وبعد ذلك صمت لثلاثة ايام. وفي مساء امس احتج. يبدو ان دور وزير الخارجية جدعون ساعر (وضمنيا دور وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو) في هذا المشهد هو دور شكلي في المقام الاول. فاحتجاج نتنياهو من خلال ساعر كان يهدف في الحقيقة الى التقليل من شان الحدث وعدم تحويله الى مواجهة مباشرة مع ترامب، سواء كان الامر يتعلق في محاولة لاعادة الاعمار في غزة أو في محاولة للتشويش على النظام العالمي، فان قطار ترامب انطلق، وما بقي لنتنياهو هو التلويح على الرصيف.



