ترجمات عبرية

هآرتس: مضيق هرمز قد يصبح فيتنام ترامب

هآرتس 23/3/2026، تسفي برئيلمضيق هرمز قد يصبح فيتنام ترامب

لقد اصبحت تصريحات الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، التي تشبه القنابل العنقودية، مهزلة عن ادارة الحرب. فبعد اعلانه نيته غزو جزيرة خارج والسيطرة على اهم موقع لتسويق النفط الايراني، وجه انذار نهائي لطهران: اذا لم يتم فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة فانه سيقصف البنية التحتية للكهرباء في البلاد. وبين تصريح وآخر تلاشى التزامه بعدم شن هجوم بري وانزال قوات برية. لم يبق الكثير من الاهداف الاولية للحرب.

اما “التدمير الكامل” للمنشآت النووية، وهو الانجاز غير المسبوق الذي كان ابرز انجازات حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي، تبين انه يفتقر الى غطاء حقيقي، لا سيما بعد عدم العثور على الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة حتى الان. العثور عليها يشبه العثور على ابرة في كومة قش. اليورانيوم مادة ثقيلة، وهذه الكمية لا تحتاج الى حاوية كبيرة، لانه تتم تعبئتها في عبوات صغيرة يمكن اخفاءها في اماكن ضيقة.

لم تفلح آلاف الهجمات على مواقع اطلاق الصواريخ البالستية في القضاء على هذا التهديد الذي ما زال يوجه لاسرائيل ودول الخليج، التي لم تنضم بعد الى الحملة. يتلاشى توقع حراك الجمهور الذي سيسيطر على مؤسسات الدولة وتحل محله تقارير عن الاحباط واليأس والعجز التي يعاني منها ملايين المواطنين الذين يبحثون عن المأوى من القصف أو اطلاق النار من قبل مقاتلي الباسيج.

مشكوك فيه ان يشجع قصف شبكات الكهرباء وفرض الظلام في شوارع طهران هؤلاء المواطنين على التوجه في الظلام نحو مقرات الحرس الثوري واخراج مقاتليه والاستيلاء على مكاتبه. تظهر التجربة في غزة ان المدنيين المتضررين من القصف والذين قطعت عنهم المياه والكهرباء والخدمات الصحية، غير مستعجلين للخروج الى الشوارع للاطاحة بالحكومة. في شهر حزيران الماضي تمتع النظام بروح تضامن وطني حشدت حوله وقوت شرعيته. لكن احتجاجات الجمهور في كانون الاول حطمت هذه الشرعية، ولكنها كانت احتجاجات بدون قيادة وقد تم قمعها بوحشية غير مسبوقة.

اليوم يكمن الخوف في انه مع استمرار الهجمات، وتحول “تحرير النفط” الى السبب الرئيسي، وربما الوحيد، لاستمرار الحرب، سيتحول “المنقذون” الامريكيون والاسرائيليون الى عدو، بينما ينظر للنظام على انه أهون الشرين. وما زالت الروح الايرانية تتذكر جيدا استيلاء بريطانيا على نفط البلاد بعد اكتشافه في العام 1908. وجدير بالذكر ان هذا الاستيلاء ادى الى فوز محمد مصدق في انتخابات العام 1951، الذي قام بتاميم النفط، وتم اسقاطه بعد ذلك في انقلاب عسكري خططت له ونفذته اجهزة المخابرات الامريكية والبريطانية في 1953 وعودة الشاه الى العرش.

المحللون والمثقفون في ايران يرون أن “عرض ترامب” يعيد تمثيل نفس الفصل التاريخي الذي شكل وجه ايران، والذي اشعل فيما بعد شرارة الثورة الاسلامية. واذا كان الامل هو استبدال النظام الحالي بنظام موالي لامريكا فانه يجب اعادة النظر في ذلك.

لكن النظام في ايران الذي لم يتعجل الانهيار بعد القضاء على معظم قيادته المعروفة في بداية الحرب، يواجه معضلة صعبة. فالصراع لا يقتصر على القصف المستمر، بل هو يجب عليه بالتوازي مع خوض الحرب ادارة الشؤون المدنية للبلاد. فتوفير الغذاء والمياه والوقود والخدمات الصحية وتطبيق “اقتصاد الطواريء” ليس مجرد واجب حيوي، بل هو ايضا جزء لا يتجزأ من الشرعية التي يجب عليه الحفاظ عليها، وهي الركيزة المؤسسية للثورة الاسلامية.  

يدور ناقش في الوقت الحالي في داخل القيادة المنهكة حول كيفية تسخير البيروقراطية والقيادة المدنية لخدمة القيادة العسكرية. هنا تنقسم المواقف بين الشخصيات الراديكالية التي ترى ضرورة تولي الحرس الثوري، الذي يسيطر على نصف الاقتصاد في ايران، زمام الامور بالكامل، وازاحة حكومة مسعود بزشكيان عن منظومة صنع القرار واقامة نظام عسكري على راس البلاد يتبنى نهج “الحرب الثابتة”.

هؤلاء يرون ان ايران تمتلك ورقة ضغط تفوق حتى قوتها النووية، وعليها استغلالها لتحقيق وقف اطلاق النار والقضاء على خطر انهيار النظام. في المقابل، يرى من يعتبرون انفسهم “اصلاحيون” ضرورة لحشد كل القوى السياسية المدنية والنخبة البيروقراطية لبناء نظام اداري مدني يظهر، على الاقل ظاهريا، تمثيل للمواطنين واهتمام باحتياجاتهم، كبديل عن التطلع الى اسقاط النظام.    

حسب من يؤيدون هذا النهج لا يقتصر الامر على الاجراءات البيروقراطية فقط، بل يشمل مشاركة الجمهور في عملية صنع القرار، لادراكه ضرورة بدء عملية دبلوماسية واجراء المفاوضات لانهاء الحرب. ومن اجل تحقيق هذه الغاية يجب استبعاد خيار وجود نظام بديل. أي ان أي مفاوضات، اذا اجريت، سيتم اجراءها مع ممثلي النظام القائم وليس على اساس التطلع الى اقامة نظام جديد. وحسب مصادر عربية تجري محادثات مع مسؤولين كبار في النظام الايراني فان النقاشات تجري حول التوجهات الدبلوماسية المحتملة رغم التصريحات العدائية التي يصدرها المتحدثون باسم النظام، لا سيما المسؤولين في وزارة الخارجية بقيادة الوزير عباس عراقجي.

مصدر عربي قال لـ “هآرتس” بان هذه المحادثات تشمل بشكل رئيسي تركيا، سلطنة عمان، قطر والعراق، التي سبق لها ووجهت رسائل بهذا الشان لادارة ترامب. المصدر لم يتمكن من التاكيد على ما اذا كانت هذه التحركات قد جاءت بناء على طلب من مجتبى خامنئي، ولكنه اكد على ان “الامر يتعلق بمسؤولين رفيعي المستوى، بعضهم مستشارون لخامنئي الاب ومسؤولون كبار في الحرس الثوري، اضافة الى اعضاء في مكتب الرئيس بزشكيان”.

وبقدر ما توجد اتصالات مباشرة أو عبر وسطاء بين الحكومة الايرانية والادارة الامريكية فانه يصعب في الوقت الحالي رصد أي مؤشرات علنية تدل على استعداد امريكا للمضي قدما في تحرك دبلوماسي. مع ذلك، عندما يتحدث ترامب عن الانجازات التي تحققت بالفعل والتي قد تقترب من تعريف “النصر”، ومع ازدياد الضغط الاقتصادي العالمي وارتفاع تكلفة الحرب بشكل كبير، فان الصحافة السياسية الامريكية المحلية، لا سيما في ظل معرفتها لـ “اسلوب ترامب”، ترجح انه سيضطر في القريب الى اتخاذ قرار بشان طبيعة النتيجة السياسية للحرب.

هنا سيجب عليه الاختيار بين السعي الى اتفاق موقع أو التراجع احادي الجانب. هذان الخياران ينطويان على اخطار كبيرة. فالاتفاق يعني الاعتراف والحوار مع النظام الذي كان اسقاطه احد مبررات الحرب الاساسية. أما التراجع، الذي يعتبر التدمير الذي لحق بالبنية التحتية للسلاح النووي والبالستي الانجاز النهائي المطلوب من الحرب، وبالتالي، النصر الكامل، الذي بررها، سيبقي النظام على حاله. مع ذلك يبدو الان ان السؤال الاهم وربما الوحيد الذي يشغل ترامب ليس أي نظام سيحكم ايران، بل كيفية ضمان الملاحة في الخليج الفارسي بدون تكرار مغامرة حرب فيتنام بصيغتها البحرية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى