ترجمات عبرية

هآرتس: مسألة الولاء

هآرتس – تسفي برئيل – 13/1/2026 مسألة الولاء

بين المعطيات المتناقضة حول عدد القتلى، والانباء حول دراسة الولايات المتحدة لخيار شن هجوم على ايران، وتقارير عن اعادة فتح قناة التواصل الدبلوماسية، فانه يصعب في هذه المرحلة التكهن بمآل الاحتجاجات في ايران. ينبغي التعامل بحذر وتحفظ مع اعلان دونالد ترامب بان النظام في ايران تواصل مع واشنطن وطلب التفاوض، وأن “هذا الاجتماع مخطط له بالفعل”. الرئيس الامريكي في العادة “يتريث”. وفي مناسبات كثيرة، بما في ذلك قضايا تتعلق باسرائيل، مثل صفقة الرهائن أو التوصل الى حلول سياسية، اظهر تفاؤل كبير، لكن تبين احيانا ان هذا التفاؤل لا أساس له من الصحة.

بنفس الدرجة من التشكك ينبغي التعامل مع رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية، اسماعيل بقائي، الذي اوضح امس بأن “القناة الدبلوماسية بين وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، مفتوحة دائما، ويتم تبادل الرسائل بينهما عند الضرورة”، فقط قبل ثلاثة اسابيع صرح عراقجي بان محادثاته مع ويتكوف جمدت لبضعة اشهر. ومع ذلك لم ينف المتحدث ووزير الخارجية حتى الان امكانية عقد لقاء بين الطرفين. ويبدو ان من حاول، وربما نجح، فتح هذه القناة هي سلطنة عمان، الوسيطة الناجعة والمخضرمة بين امريكا وايران، وقد زار وزير خارجيتها، بدر بن حمد بوسعيدي، طهران في يوم السبت والتقى مع الرئيس الايراني مسعود بزشكيان. 

اذا كان النظام في ايران قد بادر الان الى خطوة دبلوماسية سيتم تنفيذها، فقد يساهم ذلك حسب رأيه في تهدئة رياح الحرب والتهديد الامريكي بشن هجوم في ايران. والاهم من ذلك هو ان هذه الخطوة قد تحد من انتشار المظاهرات التي تعم عشرات المدن والبلدات في ارجاء ايران، والتي يشارك فيها حسب تقارير غير مؤكدة حوالي 1.5 – 2 مليون شخص. ويبدو ان ايران تقدر بان ترامب، الذي ما زال “يفحص كل الاحتمالات” لالحاق الضرر بالنظام، لم يتخذ قراره النهائي حتى الان، وأن “يده الممدودة للدبلوماسية” لم تتراجع بعد. ايضا تحفظات اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين يشككون في فائدة الهجوم العسكري تسمع بوضوح في ايران.

تستمر التقارير عن ضغوط من السعودية وقطر ودول عربية اخرى في محاولة لاقناع ترامب بعدم فتح جبهة جديدة في ايران، ومحاولة اسقاط النظام. الذريعة الاساسية لهم هي انه لا يوجد حاليا أي بديل واضح للنظام، وانه لا توجد قيادة متفق عليها تتشكل داخل صفوف الاحتجاجات وتحظى بالشرعية الشعبية، وان اسقاط النظام قد يشعل حرب اهلية تنتشر الى حدودهم. من جهة اخرى، ايران لا يمكنها ضمان انه حتى لو قرر ترامب فتح المفاوضات فانه لن يفعل ذلك تحت ضغط كبير – سواء من اجل الوفاء بوعده للمتظاهرين وتنفيذ تهديده “اذا بدأ النظام في اطلاق النار فنحن سنبدأ ايضا”، أو من اجل تسريع وتيرة موافقة ايران على شروطه.

بين ضغط الشارع والتهديد الامريكي كان السؤال المحوري للنظام، وما زال، هو مدى ولاء الجيش والحرس الثوري واستعدادهما لمواصلة المواجهة مع المتظاهرين. وياتي هذا في ظل تقييم يفيد بان أي هجوم امريكي سيستهدف اهداف للنظام، بما في ذلك البنى التحتية المدنية للحرس الثوري. وفي نهاية الاسبوع اظهرت تقارير في ايران بان النظام أمر الحرس الثوري بـ “رفع حالة التاهب القصوى”، وحسب بعض التقارير فقد صدرت له بالفعل اوامر للبدء في العمليات. وتقرير آخر اظهر أن النظام لجأ ايضا للجيش من اجل فحص طرق وخطط لمشاركته في قمع المظاهرات. مع ذلك، حسب نفس هذا التقرير الذي لم يتم التحقق منه، هناك تخوف من انشقاق جماعي في حالة صدور مثل هذا الامر. ورغم ان الجيش والحرس الثوري اعلنا قبل بضعة ايام بأن “المساس بالامن هو خط احمر” وان الجيش “سيدافع بحزم” عن الوطن ضد “من يسعون الى ضعضعة النظام والامن”، الا انهما يفحصان التطورات بقلق. ويعود ذلك بالاساس الى نهج تنظيمي يقوم على المصالح الذاتية، الامر الذي يجبرهما على حماية مكانتهما ومستقبلهما، وبالاساس ممتلكاتهما التي تتعرض للتهديد بالهجوم.

الحرس الثوري الذي يضم منذ 1981 قوات الباسيج (منظمة تجنيد المضطهدين)، وهو كيان اقتصادي هائل يسيطر على معظم مجالات الاقتصاد في ايران، وميزانية الدولة للعام 2025 تخصص للحرس الثوري وفروعه الستة حوالي 6 مليارات دولار في السنة، أي تقريبا ضعف ميزانية الجيش، ولكن هذا ليس الا جزء من تمويل الحرس الثوري، وربما ليس الجزء الاكبر. والحرس يسيطر ايضا على مشاريع عقارات مستقبلية ومحطات نفط واسطول ناقلات النفط التي تسوق النفط بالسر، متجاوز بذلك العقوبات. ايضا يمتلك شبكات ووسائل اعلام ويدير المطارات ويشارك في كل المناقصات الحكومية تقريبا. اضافة الى ذلك هو شريك في مؤسسات توصف بانها “جمعيات خيرية”، البونياد، التي تعمل بدورها كمجموعات اعمال شاملة. بفضل كل ذلك يعتبر الحرس الثوري أغنى جهة في البلاد. وليس هذا فقط، بل هو يوظف بشكل مباشر مئات آلاف العمال وملايين آخرين بشكل غير مباشر.

البنية التحتية الضخمة للحرس الثوري تمنحه سيطرة على شريحة واسعة من المواطنين الذين يعتمدون على مصانعه في معيشتهم. بالنسبة لهم فان أي تغيير جذري في نظام الحكم بدون ضمانات واضحة لنتائجه يعتبر تهديد وجودي. في دولة يصنف فيها ثلث المواطنين كفقراء، وعدد السكان فيها تحت جيل الثلاثين نسبتهم 60 في المئة، وعدد كبير منهم مثقفون ولكنهم يفتقرون الى الفرص الاقتصادية، فان الوظيفة في شركة أو في مشروع تابع للحرس الثوري أو للنظام بشكل عام، هي ركيزة اقتصادية حيوية، حتى لو كان ثمنها الولاء والاستعداد للتجنيد.

تأسس الحرس الثوري بأمر من الخميني كهيئة مسؤولة عن تطبيق اسس الثورة الاسلامية واستيعابها وحمايتها، في وقت كان ينظر فيه للجيش، الذي ورثه النظام عن الشاه في 1979، بانه هيئة مشتبه فيها غير مضمون ولاءها. ومنذ ذلك الحين اصبح الحرس الثوري الذراع العسكرية والسياسية التي تدعم النظام نفسه، ويمكن تشبيه وضعه بدرجة كبيرة بوضع الجيش المصري، الذي يدير الى جانب مهماته العسكرية نظام اقتصادي مستقل غني بالاصول، ويمول نفسه واعضاءه وملايين آخرين يعملون لخدمته. وتعتبر هذه الهيئات، في ايران وفي مصر، ذات حساسية كبيرة لأي صدمة شعبية قد تضر بالنظام القائم وتعرقل عمل “آلة الاقتصاد” التي تدعمها، وفي اسوأ الحالات قد تفقدها السيطرة على هذه الموارد. 

عندما قرر الجيش المصري الانحياز الى جانب المتظاهرين ضد حسني مبارك عند اندلاع ثورة الربيع العربي قبل 15 سنة، لم يكن القرار ينبع من ردة فعل مفاجئة تجاه الديمقراطية والحقوق المدنية، بل كان ادراك لخطر فقدان المؤسسة العسكرية نفسها التي تقوم على فكرة “جيش الشعب” لشرعيتها، وبالتالي، فقدان القاعدة الاقتصادية والسياسية التي تقوم عليها. هذا ما جعل الجيش يتصرف بهذا الشكل. وبطريقة غير مباشرة اصبح الجيش المصري اكثر من مجرد الدرع للاحتجاجات، اذ استولى على الحكم، مبدئيا بـ “صورة مؤقتة” الى حين اجراء الانتخابات. وبعد انتخاب مرسي، الذي ينتمي لحركة الاخوان المسلمين، استكمل الجيش هذه الخطوة في غضون سنة. اذ قام وزير الدفاع في حينه، عبد الفتاح السيسي، الذي عينه مرسي، بعزله والاستيلاء على السلطة بدلا منه “باسم ارادة الشعب”. الحكومة تغيرت ولكن نظام الحكم بقي قائما.

الوضع في ايران مختلف. نظريا، بامكان الحرس الثوري تنفيذ انقلاب وعزل المرشد الاعلى علي خامنئي واقامة نظام عسكري. ولكن هذه الخطوة ستلقي عليه المسؤولية المباشرة والحصرية لحل الازمة الاقتصادية واعادة بناء البلاد، فضلا عن مواصلة قمع حركة الاحتجاج التي لن تجد في هذا الانقلاب ما تصبو اليه. ولا يمكن لعملية اعادة بناء حقيقية ان تبدأ الا من خلال رفع العقوبات المفروضة على ايران من قبل امريكا واوروبا. والحرس الثوري سيجبر عندها على دفع الثمن الذي يطلب من النظام القائم بدفعه.

من وجهة نظرهم فانه من الافضل للمرشد الاعلى تحمل العواقب، فيما هم يكتفون فقط بتنفيذ الاوامر من اعلى. بهذه الطريقة ستستمر معادلة ميزان القوة والتبعية فيما بينهم وبين القيادة المدنية. ويحتمل ان يكون يطلب وزير الخارجية الايراني من ويتكوف استئناف المفاوضات المؤشر على ان النظام والحرس الثوري قد وصلا الى مفترق طرق استراتيجي، حيث يبرر الحفاظ على النظام دفع ثمن سياسي باهظ، وذلك بعد ان صرح خامنئي في ايلول الماضي بانه “لن توافق أي دولة في العالم على التفاوض تحت التهديد”. ولكن الان، رغم خطاب وسياسة الولايات المتحدة التي امتنعت حتى الان عن تحديد هدف لاسقاط النظام، فان هذا الهدف اصبح هدف مشروع، حتى لو كان تحقيقه ما زال يفتقر الى خطة عملية.


مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى