هآرتس: في ظل غياب هدف واضح، الاحتجاج والنظام يتقدمان الى مواجهة شاملة
هآرتس – تسفي برئيل – 11/1/2026 في ظل غياب هدف واضح، الاحتجاج والنظام يتقدمان الى مواجهة شاملة
أول امس (الجمعة) للمرة الثانية في غضون ايام وقف دونالد ترامب الى جانب المتظاهرين الذين يملأون الشوارع في المدن الايرانية وارسل تهديدا قاطعا للقيادة في ايران. “من الافضل ان لا تبدأوا باطلاق النار والا فاننا سنبدأ في الاطلاق”، قال الرئيس الامريكي في لقاء لرؤساء شركات النفط الكبرى في الدولة، الذين اجتمعوا من اجل شكره وتملقه بسبب “العملية الكبيرة” التي نفذها في فنزويلا. قبل بضع ساعات، في خطبة يوم الجمعة، اوضح الزعيم الاعلى علي خامنئي بان تحذير ترامب وقع على آذان صماء، عندما سمى المتظاهرين “مجموعة صغيرة من المخربين الذين لك هدفهم هو ارضاء ترامب… الجمهورية الايرانية لن تتراجع”.
لقد فرض على ايران تعتيم اعلامي، بما في ذلك تعطيل الانترنت وشبكات الهواتف المحمولة. في الوقت الذي تتحدث فيه البيانات غير المؤكدة عن عدد قتلى يتراوح بين بضع عشرات وبضع مئات، وعدد المعتقلين وصل الى الالاف، فانهم في الغرب ينشغلون بمسالة “اليوم التالي”. هل الاحتجاج وصل الى المرحلة التي سيكون فيها على خامنئي ان يقرر “شرب السم” أو ان النظام في ايران انتقل الى المرحلة القادمة التي فيها حرس الثورة الباسيج وقوات الامن الاخرى ستبدأ في شن حرب كاملة ضد المتظاهرين. “الشرب من كاس السم” هو التعبير الذي استخدمه قائد الثورة الاسلامية، روح الله خامنئي عندما وافق في 1988 على تبني شروط وقف اطلاق النار في الحرب بين ايران والعراق، بعد سنة على اتخاذ هذا القرار في مجلس الامن. ليس من المؤكد ان خامنئي قد اصبح مستعد لشرب نفس كاس السم.
ترامب، الرئيس الذي حقوق الانسان ليست بالضبط هي الموضوع الذي يقض مضاجعه، وقتل عشرات الالاف في السودان وفي اليمن وفي دول اخرى يمر مر الكرام في وعيه، قرر كما يبدو ان يضم قضية مستقبل النظام في ايران الى المواضيع الاستراتيجية الاخيرة، التي تبرر في نظره عملية عسكرية ضد ايران، موضوع النووي وموضوع برنامج الصواريخ البالستية. ولكن خلافا لهذه المواضيع فان الرئيس امتنع حتى الان عن القول بصراحة بان اسقاط النظام في ايران أو استبداله هو شرط للتفاوض مع ايران ورفع العقوبات. ترامب ذكر خامنئي بانه انقذ حياته في ايام الحرب بين اسرائيل وايران، ولم تتم تصفيته “رغم انني عرفت بالضبط أين يختبيء”.
لقد رفض مؤخرا اقتراح للالتقاء مع نجل الشاب المخلوع، رضا بهلوي، الذي يعتبر نفسه مرشح مناسب ومؤهل لقيادة ايران. يبدو ان ترامب ما زال يامل في انه اذا تم اسقاط النظام فان حركة الاحتجاج هي التي ستسقطه وليس تدخله. من هنا يمكن فهم انه من ناحية الرئيس اذا اختار النظام القائم تغيير طبيعته ووافق على شروط المفاوضات التي يضعها ترامب للاتفاق بشان النووي والصواريخ البالستية فانه يستطيع ان يبقى قائم الى الابد.
نظرا لان استجابة النظام لهذه الشروط لا تبدو عملية فان السؤال الحاسم هو من بالضبط يهدد ترامب عندما يحذر من ان الولايات المتحدة “ستبدأ في الاطلاق”، وهل هذا التهديد وحتى تفعيله يمكن ان يساعد حركة الاحتجاج في تحقيق هدفها. ايران، رغم اسلوب النظام الذي فيه رجل الدين الاكبر هو ايضا الزعيم السياسي الاعلى، وهو مبدأ يعطيه الكلمة الاخيرة في كل قرار، هي دولة اجهزة ومؤسسات تعتمد على طبقات اصحاب المصالح الكبيرة، التي تدين بقوتها لاسلوب النظام. هذا الاسلوب يقوم على بنية مزدوجة، معين ومنتخب، الذي فيه البرلمان والرئيس يتم انتخابهم في انتخابات عامة، لكن القوة الحقيقية توجد في يد الجهات غير المنتخبة.
مثلا، المرشحون للبرلمان والرئاسة يمرون بعملية غربلة شديدة على يد “مجلس حراس الدستور”، الذي يضم 12 عضو. نصفهم من فقهاء الشريعة الذين هم متخصصون في قوانين الشريعة والذين يتم تعيينهم من قبل خامنئي، ونصفهم رجال قانون مدنيون يتم انتخابهم من قبل جهاز القضاء (الذي يسيطر عليه من قبل خامنئي)، وتت المصادقة عليهم البرلمان. كل العملية تستهدف ضمان اخلاص المرشحين للاسلوب نفسه. بنية النظام المنصوص عليها في الدستور تتوقع ايضا وضع فيه الزعيم الاعلى لن يكون على قيد الحياة أو لن يكون قادر على اشغال منصبه. سواء موته بشكل طبيعي أو قتله في عملية عسكرية أو عملية ارهابية. الاجهزة ستجد له وريث يواصل طريقه.
خامنئي (86) الذي يعاني من امراض كثيرة، اعد نفسه للاستقالة عندما عين قبل سنتين تقريبا لجنة ستختار وريثه. المرشح الرائد في حينه كان الرئيس السابق ابراهيم رئيسي، الذي قتل في حادث طائرة. امامه “تنافس” حفيد الخميني، محمد الخميني، وهو رجل دين كبير ومجتبى خامنئي، ابن خامنئي الذي ليست له مكانة دينية كبيرة، وهو امر من شانه ان يفشل تعيينه الخاضع لصلاحية مجلس الخبراء الذي يضم 88 عضو.
اضافة الى البنية الرسمية، في عملية اتخاذ القرارات يستند خامنئي الى طبقة واسعة من المستشارين، المقربين وفقهاء الشريعة، ابناء عائلة ورجال اعمال، الى جانب العلاقة الوثيقة التي توجد له مع القيادة العسكرية العليا وقيادة حرس الثورة، التي تسيطر على اكثر من نصف الاقتصاد في ايران. ومثلما في انظمة اخرى – في مصر، تونس، ليبيا، اليمن والعراق، التي زعماؤها تم عزلهم في عملية عسكرية او باحتجاج جماهيري – ايضا في ايران يتابعون عن كثب تصرفات اجهزة الامن من اجل فحص هل يظهر فيها شروخ، علامات على الفرار من الخدمة أو تمرد عسكري.
في مصر وفي تونس وقفت قوات الامن بصورة واضحة الى جانب المتظاهرين، وهكذا تم حسن مصير النظام. في ايران ما تزال لا تظهر علامات على خرق الصفوف. الاخلاص للنظام والزعيم، على الاقل حسب التقارير العلنية، ما زال كامل، وايضا حرس الثورة الباسيج، وهو قوات المتطوعين الشعبيين الذين يعدون حسب بعض التقديرات حوالي مليون مجند، يحافظ على وحدة الصف. “اختبار الباسيج” مهم بشكل خاص لان الامر يتعلق بمواطنين محسوبين بشكل عام على الطبقات الفقيرة، هؤلاء من شانهم ان يظهروا التماهي مع حركة الاحتجاج كما حدث في بعض المظاهرات السابقة. طالما ان النظام ينجح في الحفاظ على هذا الاخلاص فانه يستطيع ان يشعر بالثقة من قدرته على قمع الاحتجاج حتى في ظل تهديد ترامب.
هكذا فان النظام يواصل العمل “حسب ما يقول الكتاب”. البحث عن “دلائل شاهدة”، تشير الى تباين في سلوكه ضد المتظاهرين مقابل موجات مظاهرات سابقة، من شانه ان يخيب الامال. ان وقف الانترنت تم تطبيقه ايضا في 2019. مئات القتلى كانوا في المظاهرات التي شملت كل البلاد في 2009 و2017 و2019 و2022، التي فيها كان حجم المظاهرات يشبه المظاهرات التي اندلعت في 28 كانون الاول. ايضا في حينه سمعت تقديرات بان الامر يتعلق بـ “انعطافة” و”حافة اسقاط النظام” و”خوف تملك القيادة”، وانه لم يبق لها أي مناص الا الاستجابة لطلبات المتظاهرين، وهذا لم يحدث.
يبدو أنه بعد ان تبين حجم المظاهرات الكبيرة في يوم الخميس قرر النظام التنازل عن نهج “التدرج” الذي اتبعه في المرحلة الاولى للاحتجاج. في تلك المرحلة كان النظام يحاول تصوير الاحتجاجات بانها “تعبير مشروع عن ضائقة اقتصادية”، التي تتطلب من الحكومة “الاستماع والاستجابة” للشعب. وكان من المفروض ان تهديء اجراءات مثل اقالة محافظ البنك المركزي وتعيين محافظ جديد وزيادة التعويضات للعائلات المحتاجة ورفع رواتب موظفي الخدمة المدنية و”الدعوة الى الحوار” مع المتظاهرين، الى جانب الاستخدام المحدود للقوة، أن تهديء من حدة الاحتجاجات التي بررت باسباب اقتصادية. ولكن الشعب وسع نطاق احتجاجه واستبدلت الشعارات الاقتصادية بطلبات سياسية وهتافات “الموت للديكتاتور” و”الموت لخامنئي” واحراق المكاتب الحكومية والمطالبة بعودة نجل الشاه بهلوي.
في ظل غياب معلومات موثوقة ومستمرة، وفي ظل تكتم اعلامي شديد، فانه يصعب الجزم اذا كان النظام قد بدأ بالفعل في تفعيل الحرس الثوري كما هدد. مع ذلك يبدو ان ما كان يعرف حتى الان “الاحتواء المرن” على وشك الانتهاء، وان المواجهة العنيفة يتوقع ان تتطور الى ذروتها. نظريا ما زال النظام يملك اوراق ضغط قادة على تغيير المشهد. فعلى الصعيد الفوري يمكنه الاعلان عن سلسلة اصلاحات اقتصادية تشمل زيادة كبيرة في الاجور وتجميد الاسعار، بما في ذلك خفض سعر الوقود. وفي نفس الوقت يمكنه اقالة الوزراء، بل واتخاذ خطوة غير مسبوقة مثل عزل الرئيس عبر اجراءات برلمانية ومنح العفو الفوري عن آلاف السجناء. ويحتمل ايضا اتخاذ قرار استراتيجي، استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق نووي جديد يؤدي الى رفع العقوبات.
هناك شك في ان يظهر النظام، الذي يعتبر صراعه مع الشعب ليس فقط خطوة حيوية لبقائه، بل ايضا حملة وطنية ضد التهديد الامريكي، أي استعداد لتقديم تنازلات. من جهة اخرى، الرأي العام، كما اتضح حتى الان من طبيعة الاحتجاج، لن يوافق على وعود التعويضات الاقتصادية والاجراءات الادارية، التي اثبتت التجربة السابقة بانها حبر على ورق. المعضلة الصعبة التي تواجه حركة الاحتجاج تكمن في استمرارها بدون قيادة شعبية او سياسية ممثلة قادرة على التفاوض مع النظام، او على الاقل التوصل الى صيغة متفق عليها حول الطلبات بين صفوفها.
القاسم المشترك الذي وحد حتى الان الاحتجاج، وهو الاحباط الشديد من الوضع الاقتصادي المتردي، لا يضمن ان جميع المشاركين في الاحتجاج يرغبون في تغيير النظام الحاكم، وانهم لن يكتفوا بتحسين ظروفهم حياتهم بشكل ملحوظ. يمكن الافتراض ان بعضهم يرون بام عينهم آثار الدول الجارة التي تمكنت من اسقاط انظمتها تحولت الى دول ممزقة أو انها تجد نفسها من جديد تحت حكم انظمة عسكرية مستبدة. بالنسبة لهم فان تهديد ترامب للنظام، رغم انه يبعث الحياة في الاحتجاجات، ليس البديل عن خطة “اليوم التالي”، ومن شانه فقط ان يزيد وضعهم سوءاً.



