هآرتس: في ايران يخططون للحرب ويعملون على الاتفاق
هآرتس 22/2/2026، تسفي برئيل: في ايران يخططون للحرب ويعملون على الاتفاق
ان خليط التصريحات والتقارير التي نشرت في نهاية الاسبوع الماضي حول احتمالية نشوب الحرب ضد ايران هي ابعد من تقديم اجابة على سؤال ملح واحد وهو هل ستكون هناك حرب ومتى. ومثلما في الايام التي سبقت محادثات الجولة الثانية، ايضا في هذه المرة الاجواء ملبدة بالتصريحات المتناقضة التي تتراوح بين تصريح وزير خارجية ايران عباس عراقجي الذي يقول بانه “يمكن صياغة مسودة اتفاق خلال يومين – ثلاثة ايام ومناقشها خلال اسبوع”، وبين تصريح دونالد ترامب بانه يفحص “شن هجوم محدود”، لكن حتى الان يامل في حل دبلوماسي، بينهما يبرز تقرير “اكسيوس” الذي يقول بان “ترامب يفحص السماح لايران بتخصيب اليورانيوم بنسبة رمزية”. هذه الاقوال ربما تدعم رواية عراقجي، الذي في مقابلة مع “سي.ان.بي.سي” قال ان الولايات المتحدة لم تطلب في أي يوم “صفر تخصيب لليورانيوم في ايران”، وان النقاش هو حول الطريقة التي على ايران ان تثبت فيها بان توجهها ليس الوصول الى سلاح نووي.
المحادثات في الاسبوع الماضي صحيح انتهت حقا بعد بضع ساعات، لكن الجهود الدبلوماسية لم تتوقف. عراقجي والامين العام لمجلس الامن القومي علي لاريجاني، المسؤولان عن صياغة الرد السياسي الايراني، قاما باجراء في الايام الاخيرة سلسلة محادثات مع زعماء عرب ومع زعماء روسيا والصين بهدف بلورة اسس تلك المسودة. بعد ان قال عراقجي بانه تم التوصل بين ايران والولايات المتحدة الى اتفاق حول المباديء فان الجهود التي الان تنصب على ترجمة المباديء الى تفاهمات تبدو للوهلة الاولى فنية، لكن يكمن فيها اساس المواجهة الفكرية، هذا لانها هي التي ستحدد من “انتصر” ومن “هزم”.
هذه تفاصيل ستشمل ترتيبات التفيتش في المنشات النووية وتحديد الحد الادنى أو “الكمية الرمزية” التي ستطلب ايران تخصيبها، ونوع الاثبات الذي يجب عليها تقديمه لعدم نيتها تطوير سلاح نووي، والتعويض الذي ستطلبه ايران من الولايات المتحدة والذي يمكنها الحصول عليه. هنا ايضا ستكون حاجة الى تفاصيل تتجاوز مجرد اتفاق عام لرفع بعض العقوبات. من المتوقع ان تطالب ايران بالافراج الفوري عن مليارات الدولارات من اصل اكثر من 100 مليار دولار مجمدة في البنوك حول العالم، وجدول زمني للافراج عن الاموال المتبقية، وخطة واضحة لرفع العقوبات، والاهم من ذلك التزام بازالة خطر الهجوم.
ان “عشرة ايام – اسبوعين” التي حددها ترامب كمهلة زمنية يتعين على ايران خلالها تقديم اقتراحاتها، لا تبعث على كثير من الثقة. ففي ايران، مثلما في اسرائيل، يتذكر الناس جيدا “الاسبوعين” اللذين منحا للجولة الدبلوماسية في حزيران الماضي، واللذان تم تقليصهما الى اقل من ثلاثين ساعة قبل ان تشن الولايات المتحدة الهجوم. مع ذلك، مثلما هي الحال مع المراقبين في الغرب والدول العربية الذين لا يعرفون ما سيقرر ترامب ومتى، فان الوضع في ايران ايضا يختلط فيه التخمين والتوقعات، الامر الذي يحتاج الى توفير اجابة على كل سيناريو.
اذا ما كلفت ايران نفسها عناء اعداد مسودة اقتراح تشكل اساس واقعي لجولة سريعة من المحادثات تفضي الى اتفاق، فانها تفترض ان العملية الدبلوماسية ما زالت قائمة، وان نجاحها قد يمنع الهجوم. من جهة اخرى، يرى التصور السائد حاليا في التحليلات المنشورة في وسائل الاعلام المحافظة في ايران بان استعراض القوة الامريكية والتهديد الاسرائيلي بالانضمام اليه لم يعد مجرد اداة ضغط لاجبار ايران على تقديم تنازلات في المجال النووي، بل يهدفان الى احداث تغيير استراتيجية في ميزان القوة الاقليمي وتحييد قدرة ايران على الردع بمنعها في توجيه “ضربة ثانية”. ويعزو هذا التصور الايراني وقف الحرب الى الردع الايراني والاطلاق الصاروخي المكثف على اسرائيل، وليس الى تدخل ترامب. وخلاصة ذلك هي ان ايران قد تظهر مرونة بشان القضية النووية، لكن ليس بشان قضية الصواريخ، لان أي تنازل في هذا المجال سيعني ضرر استراتيجي للامن القومي بطريقة من شانها ان تجعل ايران دولة ضعيفة بشكل دائم.
يشير التفسير الايراني الى سيناريوهات رئيسية للرد تنبثق من هذا الاستنتاج. حسب السيناريو الاول سيقابل هجوم امريكي محدود المدة والنطاق برد ايراني مماثل في محدوديته، ما يسمح لكل طرف بالادعاء بتحقيق هدفه. سيعلن ترامب انه الحق ضرر بالقدرات الاستراتيجية الايرانية بينما ستتمكن ايران من الادعاء بانها لم تخضع لـ “القوة الامبريالية” وانها نجحت في وقفها. اما السيناريو الثاني وهو الاخطر فيتمثل في رد ايران على الهجوم المحدود بهجوم واسع النطاق ومتعدد الساحات، والذي يشمل تفعيل فروعها في العراق ولبنان واليمن، والحاق الضرر بالممر الملاحي في الخليج الفارسي واغلاق مضيق هرمز. من هذا المنطلق ليس من الصعب تصور نطاق الرد الامريكي الذي سيتصاعد من هجوم محدود الى حرب شاملة.
لقد نقل عن رئيس اركان الجيش الايراني عبد الرحيم موسوي مؤخرا على موقع “عصر ايران” قوله: “لقد غيرت ايران عقيدتها الدفاعية وانتقلت الى عقيدة هجومية، حيث سيكون تحركنا سريع وحاسم وغير مقيد بالاعتبارات الامريكية”. هذه العقيدة اذا اعتمدها النظام بالفعل لا تهدف الى هزيمة الولايات المتحدة، بل الى زيادة تكلفة الحرب واضرارها على الولايات المتحدة واسرائيل وجيران ايران العرب، خاصة دول الخليج. ويفترض ان هذا السيناريو قد يردع الولايات المتحدة مبدئيا عن شن مثل هذه الحملة، واذا ما شنتها فهي ستنتهي بسرعة بسبب تكلفتها الباهظة.
هذه التحليلات والتصريحات تمثل مواقف شخصيات نافذة في الحكومة الايرانية، من بينها عراقجي ولاريجاني اللذان باتا مضطرين الان الى بذل جهود مضنية للحصول على موافقة علي خامنئي على النسخة النهائية للمسودة. ان موافقة الزعيم الاعلى خامنئي على بدء المفاوضات من الاساس بعد ان اعلن لفترة بانه لا يرى أي فائدة من اجرائها، لا توضح نطاق الصلاحيات التي اعطاها لطاقم التفاوض، ولا الصيغة التي ستنال موافقته. لانه سيطلب منه هو ايضا تسويق الاتفاق ودعمه. ما زال للصراع السياسي الداخلي تاثير كبير على سير المفاوضات، وهو ما يذكر بالفترة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي في 2015، في حينه شنت العناصر المتطرفة هجمات شديدة على طاقم التفاوض الذي كان عراقجي احد اعضاءه، الى ان تدخل خامنئي وامرهم بالتوقف عن توجيه الانتقاد اليه بشكل غير مباشر على اعتبار انه هو الذي وافق على الاتفاق.
تكمن المشكلة في ان السيناريوهات العسكرية، سواء التي تتوقع هجوم محدود أو التي تتوقع حرب شاملة، تحاول تقييم او تخمين طبيعة الصدام المتوقع بدون تقديم خطة خروج. او على الاقل توضيح كيفية استئناف الحملة الدبلوماسية بعد ذلك اذا امكن. فمن ناحية الولايات المتحدة تتراوح الاهداف والانجازات المطلوبة بين تدمير الصواريخ وما بقي من المواقع النووية وبين اسقاط النظام. ولكن من ناحية ايران هذه حرب ايديولوجية هدفها الحقيقي القضاء على “الجمهورية الاسلامية”. وحسب هذا الراي سيكون لاقتراح ايران اهمية بالغة تتجاوز كونه خطة عمل عملية لتحييد التهديد. فبالنسبة للقيادة الايرانية يفترض ان يكون بمثابة اختبار حاسم لاثبات نوايا الولايات المتحدة “الايديولوجية” وامكانية التوصل الى الاتفاق مع “الشيطان”.



