هآرتس: على ايران أن تختار اذا كانت ستقاتل إسرائيل أم الازمة الاقتصادية الاجتماعية
هآرتس 25/12/2025، تسفي برئيل: على ايران أن تختار اذا كانت ستقاتل إسرائيل أم الازمة الاقتصادية الاجتماعية
“الفقر المطلق يعني انه يوجد للشخص دخل أقل من 2 دولار في اليوم. ان مظاهر الفقر كان يمكن رؤيتها في النقص الذي ميز عيد “ليل يلدا”.
عيد “ليل يلدا” الذي يحتفلون فيه في ايران في 21 كانون الاول، اطول ليلة في السنة، بتقليد مستمر منذ 5 آلاف سنة احتفاءا بانتصار الخير على الشر. وهو ايضا يكون في اليوم الاول من الاربعين يوم شتاء. في هذا العيد تعودت العائلات على الاجتماع حول مائدة مليئة بالرمان والبطيخ والمكسرات والحلوى، وقراءة قصائد الشاعر حافظ، ابن القرن الرابع عشر، وانتظار بزوغ الفجر لاستقبال شروق الشمس.
في هذه السنة، كما ذكرت صحف كثيرة في ايران، كان عيد يلدا حزين. فقد تضاعفت تكلفة سلة المشتريات مقارنة مع السنة الماضية، حيث بلغ سعر السلة 82 شيكل، في حين ان متوسط الاجر الاساسي 270 شيكل. ومع المعونة والمزايا الاخرى قد يصل الى 366 شيكل. التضخم تجاوز 40 في المئة وصرف سعر الدولار وصل الى الذروة. في ظل هذه الظروف الصعبة اصبح انفاق خمس الراتب الشهري تقريبا على الاحتفال بيلدا أمر مستحيل، لا سيما ان عدد الفقراء في البلاد حسب وزير العمل الايراني احمد ميداني يتجاوز 30 مليون نسمة، أي ثلث عدد السكان تقريبا.
هكذا فان ايران تعيش في صراع سياسي داخلي محتدم بسبب الوضع الاقتصادي المتردي الذي يهدد استقرار البلاد. ويأتي هذا في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام العالم بشان ايران على خطر اندلاع حرب جديدة بينها وبين اسرائيل، سواء بمشاركة الولايات المتحدة أو بدونها. في نفس الوقت اكد المتحدث باسم وزارة الخارجية في ايران، اسماعيل بقائي، في هذا الاسبوع على ان “برنامج الصواريخ الايراني الذي تم تطويره للدفاع عن البلاد غير خاضع للتفاوض”.
في يوم الثلاثاء عقد البرلمان الايراني جلسة مغلقة شارك فيها كبار المسؤولين في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان من اجل مناقشة طرق معالجة الازمة الاقتصادية. لكن مصطلح “مناقشة” هنا هو مضلل وغامض في نفس الوقت، اذ يشير الى الصراع السياسي الجاري بين البرلمان والحكومة. وقبل يومين شن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف هجوما على بزشكيان، بل وهدد بانه اذا لم تتخذ الحكومة خطوات لتصحيح الوضع فانه سيبدأ في اجراءات لعزل الرئيس.
التهديد بعزل الرئيس باجراء في البرلمان ليس امرا جديدا. فقد تعرض رؤساء سابقون، بمن فيهم حسن روحاني ومحمود احمدي نجاد، الى تهديد مشابه ولكنهم بقوا في السلطة. ويبدو أن تهديد قاليباف مرة اخرى يهدف الى ابعاد البرلمان عن المسؤولية عن التدهور الاقتصادي الحاد واجبار الرئيس على اقالة الوزراء وتعيين موالين له. يجدر الذكر ان التعديل الوزاري جاء بعد فترة قصيرة على تقديم الحكومة مشروع الميزانية للسنة القادمة (في آذار 2026)، الذي يبدو انه يتضمن نية لخفض النفقات بنسبة 35 في المئة.
الخطط العسكرية لا يتوقع ان تتاثر، بما في ذلك تطوير الصواريخ والاسلحة الاخرى، بهذا الخفض. وايضا بالنسبة لتمويل النشاطات الخارجية مثل تقديم المساعدة لحزب الله والمليشيات الشيعية في العراق، اضافة الى ترميم الاضرار التي لحقت بالمنشآت النووية. اما التاثير المباشر فيتوقع ان يكون على الخدمات العامة والاعانة – التي تم تخفيض الكثير منها بالفعل في الجولة السابقة – وخطط تطوير البنى التحتية. كل ذلك يتوقع ان يحدث في الوقت الذي سيكون فيه مستوى الخدمات الحالي قد تدهور الى حضيض غير مسبوق.
ضمن امور اخرى، تواجه البلاد نقص في الادوية التي تنقذ الحياة. فحسب تقارير وزير الصحة محمد رضا ظفرخندي، فان توفير نحو 800 دواء تعطل بسبب نقص مخصصات العملة الاجنبية المخصصة لهذا الغرض. وافادت دائرة البحوث البرلمانية بان الكثير من الشباب، بما في ذلك الطلاب، يعانون مما يعرف بـ “فقر التعليم”، حيث لا يمكنهم الحصول على الوسائل والكتب اللازمة. كل هذه المشكلات، اضافة الى الجفاف الشديد الذي ضرب ايران في هذه السنة ونقص الغاز والوقود، يجعل مسالة حرب جديدة مع اسرائيل معضلة خطيرة بالنسبة للنظام في ايران.
بعد حرب الـ 12 يوم التي اندلعت في الصيف الماضي، تمتع النظام بالتضامن الشعبي، الذي ربما فاجأه هو نفسه. وقد دار الحديث في حينه عن “التعبئة الوطنية” و”الموقف الحازم” للشعب. وحرص المتحدثون باسم النظام على الثناء على الشعب، بسبب ولائه والتمسك بقيم الامة. كل ذلك منا مناقض للتقييم، أو بالاحرى “الامال” – في الغرب وفي اسرائيل بان الحرب شتشجع على انفاضة شعبية تؤدي الى اسقاط النظام. يبدو ان هذا كان ايضا الهدف من وراء قصف سجن ايفيان، الذي تسبب بقتل سجناء وابناء عائلاتهم. مع ذلك، اضافة الى الروح الوطنية، ارتفعت اصوات تطالب النظام باعادة الدعم – ضمن امور اخرى طالبت باجراء اصلاحات اقتصادية وخفض الرقابة على حرية التعبير وتقديم المساعدة للمحتاجين ووقف الاعدام. لم يحدث أي شيء من ذلك، بل ازداد القمع في البلاد وازدادت عمليات الاعدام.
لقد خابت ايضا آمال الرأي العام في استئناف جولة المحادثات حول الاتفاق النووي بعد الحرب، وما سيترتب عليها من رفع العقوبات المشددة. فقد تم تجميد الجولة السادسة من المحادثات مع امريكا، التي كان مخطط لاستئنافها في شهر حزيران عند اندلاع الحرب. وانتهت المفاوضات مع الدول الاوروبية بدون أي نتيجة، الامر الذي ادى الى تفعيل آلية اعادة فرض العقوبات، واعادة فرض العقوبات الدولية على ايران. اضافة الى ذلك تعرضت ايران لضربة اقتصادية جديدة، ليس من الغرب بل من الصين، التي خفضت مشترياتها للنفط الايراني.
جهود الوساطة للدول العربية، السعودية والامارات ومصر، من اجل استئناف المفاوضات بين ايران والولايات المتحدة لم تثمر حتى الآن. وايران تظهر استعدادها لاجراء المحادثات شريطة الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم في اراضيها. في غضون ذلك اوضحت الولايات المتحدة، من خلال المبعوثة الخاصة في لبنان، مورغان اورتاغوس، لايران في هذا الاسبوع في مجلس الامن أنها “ما زالت منفتحة على اجراء محادثات رسمية مع ايران، شريطة أن تكون طهران مستعدة لحوار مباشر وهادف”. وانتقدت اورتاغوس السفير الايراني في الامم المتحدة امير سيد ايرفاني وقالت بانه “يجب عليه مصافحة يد الرئيس الامريكي ترامب الممدودة للدبلوماسية”.
لكن في غضون ذلك يبدو ان ترامب، المقتنع بانه نجح في تدمير، أو على الاقل تعطيل، المنشآت النووية، غير مستعجل لاستئناف المفاوضات. من جهة اخرى ترى ايران ان “يد الرئيس الممدودة” لا تلبي الحد الادنى المطلوب. وقد غرد وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي برد بارد على تصريحات اورتاغيوس في يوم الثلاثاء وقال: “التعريف الجديد للدبلوماسية الامريكية هو أننا مستعدون لمفاوضات حقيقية (مع ايران)، لكن انسوا حقوقكم”. مشكوك فيه ان يطرأ أي تغيير جذري على المحادثات التي تسبق لقاء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مع الرئيس الامريكي ترامب في الاسبوع القادم.
في نفس الوقت النظام في ايران لا يمكن أن يكون على ثقة بانه ايضا في هذه المرة الجمهور سيقف الى جانبه اذا تمت مهاجمة ايران، وهذه ليست قضية سهلة. بناء على ذلك فانه رغم المناورات والتدريبات لاطلاق الصواريخ التي نفذتها ايران في هذا الشهر، الا انها لا تتحدث عن “الحساب” أو الرد على تلك الحرب. بل هي تركز على استعداداتها الدفاعية التي يمكن تفسيرها بأنها استعداد للرد، لكن فقط في حالة تعرضها للهجوم.
السؤال هو كالعادة ما الذي سيسمعه نتنياهو من ترامب، ومن الذي سيستمع اليه ترامب قبل وبعد اللقاء مع نتنياهو في بداية الاسبوع القادم. يجب على اسرائيل ان تكون مستعدة لعدم تبني ترامب لموقف نتنياهو، الذي يعتبر ان منظومة الصواريخ الايرانية تحل محل المنظومة النووية باعتبارها التهديد الوجودي الحقيقي لاسرائيل، وعدم اعطاءه الضوء الاخضر لمهاجمة ايران قريبا. في نفس الوقت يجدر التاكيد على ان النموذج الذي يقضي بانه يجب على اسرائيل الدفاع عن نفسها لوحدها اذا اضطرت الى ذلك، لم يصمد امام الاختبار عندما أمرها ترامب باعادة الطائرات بعد ان تم التوصل الى اتفاق وقف اطلاق النار.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



