هآرتس: ضعوا منصور عباس على رأس القائمة المشتركة

هآرتس 8/1/2026، ديمتري شومسكي: ضعوا منصور عباس على رأس القائمة المشتركة
رؤساء الاحزاب العربية ينقسمون فيما بينهم حول مسالة الشكل الذي يجب أن يتنافسوا فيه في الانتخابات القادمة للكنيست، كما كتب هنا رفيف دروكر. رئيس “تاعل”، احمد الطيبي، يعتقد انه يجب اعادة القائمة المشتركة، حيث ان هذه الخطوة يتوقع ان تثير الحماسة وتؤدي الى ارتفاع دراماتيكي في نسبة التصويت في الوسط العربي.
رئيس “راعم”، منصور عباس، في المقابل، يفضل خطوة مختلفة: التنافس في قائمتين مستقلتين – حداش، بلد وتاعل، في قائمة، وراعم في قائمة مستقلة. هذا الامر سيمكن راعم من الحفاظ بوضوح على هويتها السياسية كحزب وطني معتدل، الامر الذي سيزيد من احتمالية تكرار التحالف الائتلافي بينها وبين حكومة التغيير في 2020. اذا تنافست راعم في اطار القائمة المشتركة، الى جانب بلد، فان هذا الامر من شانه ان يضفي عليها صبغة متشددة اكثر، ويثني الاحزاب الصهيونية عن التعاون معها.
هل يمكن تسوية الامر والتوصل الى حل وسط بشان السياسة العربية الانية؟ هل هناك طريقة لاعادة تشكيل القائمة المشتركة وفي نفس الوقت تحويل امكانية ان تتعاون حكومة الاصلاح مع ممثلي الجمهور العربي الى امر واقعي؟. الحقيقة هي انه من ناحية نظرية فان الحل لهذه المشكلة يبدو واضح: يجب تاسيس القائمة المشتركة الجديدة على قاعدة فكرية – سياسية جديدة، بحيث تعكس توجه ايديولوجي وطني جديد، الذي يقترح منصور عباس الدفع به قدما في السياسة العربية.
في اوساط الجمهور العربي – الفلسطيني، وفي اوساط جزء من اليسار، سيكون هناك من لن يوافقوا على موقف عباس كتعبير عن توجه وطني اصيل. جدعون ليفي يعتقد ان عباس يقول اشياء يحب الاسرائيليون سماعها (“هآرتس”، 25/12). فهو يظهر حسب ليفي كأحد “العرب الجيدين”، الذين سيهتمون فقط بـ “الجريمة، المجاري وتقديم الولاء لدولة التمييز اليهودية”.
ان انتقاد من هذا النوع بعيد عن ان يكون مقنع. منصور عباس، بدرجة لا تقل عن زعماء الجمهور العربي الاخرين الذين هم شركاؤه السابقين في القائمة المشتركة، يمثل موقف وطني شجاع، وليس مستخذ. عمليا، هو يطرح بديل وطني – سياسي مرن ومركب لخط وطني متشدد وجامد، الذي يوجه منذ سنوات الخطاب السياسي للقائمة المشتركة والمتحدثين باسم الاقلية الوطنية الفلسطينية في اسرائيل.
هذا الخط، المصاغ في وثائق رؤية العرب الفلسطينيين في اسرائيل في الاعوام 2006 و2007، يميل الى التاكيد بصورة حصرية على المكون الكولونيالي للصهيونية مع تجاهل بعدها الوطني. وهكذا فانه يغلق مسبقا المجال امام أي امكانية للحوار مع الاغلبية الساحقة من اليهود الاسرائيليين الذين يؤيدون الديمقراطية والمساواة من بينهم، الذين يعتبرون الصهيونية العنصر الرئيسي في هويتهم الجماعية.
الخطاب القومي – المدني المستمد من وثائق الرؤية يطرح تباين ثنائي حاد بين “الدولة اليهودية” و”دولة جميع مواطنيها”، وطالما ان الغاء الهوية اليهودية لدولة اسرائيل هو مهمة طوباوية فانه يترتب على ذلك في الواقع ان النضال من اجل المساواة المدنية الكاملة في اسرائيل هو نضال غير واقعي. هكذا فانه بدلا من محاولة طرح نضال فلسطيني – يهودي مشترك من اجل الديمقراطية والمساواة في اطار معايير سياسية واقعية – موافقة مبدئية على “الدولة اليهودية” كحقيقة – فان معظم الاحزاب العربية اختارت حتى الان موقف لا يمكن ترجمته الى فعل واقعي ومجدي في الساحة السياسية.
منصور عباس في المقابل، مستعد لاعطاء فرصة – ربما الفرصة الاخيرة – للنضال من اجل طابع المساواة والديمقراطية في الدولة اليهودية. وخلافا لاقوال ليفي فان منصور عباس لا ينوي التسليم بـ “دولة التمييز اليهودية”، لكنه يؤمن بامكانية اصلاح تدريجي داخلي – قومي للدولة اليهودية بروحية المساواة وتقبل الآخر.
لا يوجد خلاف حول أن المفهوم الوطني الفلسطيني المدني الذي يقوم على وثائق الرؤية قد ساهم بشكل كبير في تعزيز الهوية والثقة بالنفس والتفاخر الوطني الجماعي لأقلية قومية مضطهدة. ولكن هذا المفهوم من ناحية سياسية لم يحقق الا انجازات محدودة، هذا اذا لم تكن معدومة. بل على العكس، نظرا للتوافق المبدئي بينه وبين المفهوم اليميني العنصري الذي ينفي امكانية قيام دولة يهودية مساواتية فانه لا بد من الاعتراف بان السياسة العربية الفلسطينية في اسرائيل في السنوات الاخيرة عززت، بشكل غير مباشر، موقف اليمين القومي على اشكاله.
في اللحظة التي يتضح فيها ان استراتيجية سياسية معينة لا تحقق النتائج المطلوبة فانه من الطبيعي ان يتم فحص تبني استراتيجية سياسية مختلفة. بصورة ملموسة كان من الافضل التفكير الان في الخطوات التالية. الاولى، اعادة تشكيل القائمة المشتركة بحيث يترأسها منصور عباس. الثانية، الاعلان بان القائمة المشتركة الجديدة ترفض بشدة قانون القومية وتقف علنا خلف مباديء وثيقة الاستقلال. في هذا السيناريو فان القائمة المشتركة الجديدة يمكنها احداث ثورة حقيقية في السياسة الاسرائيلية، من خلال انها ستجد نفسها في موقف ريادي للنضال من اجل تغيير صورة اسرائيل بالاتجاه المدني – الديمقراطي.
للاسف الشديد، يصعب تخيل تطبيق هذا السيناريو قبل الانتخابات القادمة. ولكن لا شك ان تغيير الاتجاه من هذا النوع في السياسة العربية – الفلسطينية في اسرائيل يجب طرحه للنقاش الجدي والعميق في اوساط الجمهور العربي.



