ترجمات عبرية

هآرتس: رغم الإنجازات في سماء طهران، النظام في ايران لا يبدي مؤشرات استسلام

هآرتس 6/3/2026، عاموس هرئيل: رغم الإنجازات في سماء طهران، النظام في ايران لا يبدي مؤشرات استسلام

مع اقتراب نهاية الأسبوع الأول للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد ايران، ما زال حلها بعيد المنال. كان ميزان القوة بين الطرفين واضح من البداية لصالح الطرف المهاجم. فالاضرار والخسائر والضربات الاستراتيجية التي تكبدتها ايران في هذا الأسبوع تفوق بكثير ما تمكنت من الحاقه باعدائها، لكن بينما يغمر الرئيس دونالد ترامب ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مواطنيهما برسائل حماسية حول نصر وشيك، فمن الأفضل وصف الأمور كما هي، على الأقل في هذه المرحلة: لقد كانت المرحلة الافتتاحية للحرب تشكل نجاح عملياتي كبير. وما زالت سيطرة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية على ما يحدث في جميع انحاء ايران واضحة وتتجلى في اطلاق قنابل دقيقة على مواقع حيوية. ولكن حتى مساء امس لم يظهر النظام في ايران أي إشارات على الاستسلام. يبدو ان ايران تصمم حاليا على مواصلة القتل وتفعيل كل وكلاءها في جميع انحاء الشرق الأوسط وتوسيع نطاق حملتها لتشمل دول الخليج واطراف أوروبا (أذربيجان وقبرص).

لا شك ان الأمريكيين ما زالوا يخبئون تحركات مفاجئة. ولكن مع مرور الوقت اذا لم يتم التوصل الى قرار، فيجب على ترامب النظر الى مسار بديل وهو التوصل الى حل وسط بشان اتفاق نووي جديد، الذي سيفرض قيود اكثر صرامة على المشروع الإيراني. ولكنه لن يضمن انهيار النظام (بل على العكس، رفع العقوبات الدولية عن النظام سيضخ المزيد من الأموال في خزينته ويعزز فرصة بقائه). هذا هو المسار الذي تخلى عنه الرئيس في الأسبوع الماضي عندما قرر شن الهجوم بعد ان تبين بان المرشد الأعلى علي خامنئي لم يكن مستعد لاظهار أي مرونة حول المباديء الأساسية الإيرانية المتعلقة بالمشروع النووي. والان بعد رحيل علي خامنئي وتولي نجله مجتبى السلطة، سيرغب الامريكيون في إعادة النظر في إمكانية التفاوض مع أي طرف. الإيرانيون يعرفون ان القوة الكبيرة للولايات المتحدة لا يمكن نشرها الى الابد في الشرق الأوسط ولن ترسل بسهولة لاعادة انتشارها في حالة فشل المفاوضات، وبالتالي، لا يمكن استخدامها الا لفترة محدودة.

تشن إدارة ترامب الحروب بطريقة لا مثيل لها. الرئيس نفسه يتحدث الى وسائل الاعلام كل يوم، في حين في إسرائيل خلافا لذلك، لا احد في الحكومة يكلف نفسه عناء التحدث للمدنيين الذين يتعرضون للهجوم باستثناء المتحدثين باسم قيادة الجبهة الداخلية. يبدو ان ترامب يستمتع حاليا بالاضواء وفرصة تصوير نفسه، على الأقل في نظر نفسه، كقائد عظيم. بيت هيست، وزير الدفاع (وزير الحرب كما يسميه ترامب) ليس مثل الجنرالات الذين أحاط ترامب نفسه بهم في ولايته الأولى، والذين اختلف معهم بسرعة. الوزير الحالي، الرائد المتقاعد في الحرس الوطني، اثار اعجاب ترامب عندما شاهده الأخير وهو معلق عسكري في شبكة “فوكس نيوز”،  أوضح وزير الدفاع في خطابه في يوم الثلاثاء بان الولايات المتحدة لا تسعى الى منافسة عادلة، بل تحقيق نصر ساحق والحاق هزيمة كاملة بخصومه.

ترامب تحدث في مقابلة أجريت معه في بداية الأسبوع عن أربعة – خمسة أسابيع لتحقيق اهداف الحرب. في غضون ذلك صرح مسؤول امني إسرائيلي رفيع في مؤتمر صحفي في يوم الثلاثاء بان الجيش الإسرائيلي سيحتاج الى أسبوعين من القتال على الأقل. لم يعجب تصريح المسؤول الإسرائيلي المقربين من ترامب وانهالوا عليه باللوم. أما ما يتم تجاهله تماما فهو اهداف الحرب: هل تشمل هذه الأهداف أيضا اسقاط النظام في ايران، لم يذكر موضوع تغيير النظام في بيانات البيت الأبيض في هذا الأسبوع.

داني سترونوفيتش، عضو معهد دراسات الامن القومي واحد المعلقين البارزين والأكثر دقة في تحليل ايران، كتب ان الانتصار في الحرب يعني اسقاط النظام، لكن لا يوجد ما يضمن استعداد البيت الأبيض لاستثمار الوقت والموارد المطلوبة لذلك.

في إسرائيل يسعى المسؤولون بجهد لاسقاط النظام كهدف مرغوب فيه في الحرب، لكن يبدو ان المستوى السياسي متفائل اكثر من المستوى الأمني بشان فرصة تحقيق ذلك. خلافا للسابق لا يوجد حاليا أي توتر حقيقي بين الحكومة وهيئة الأركان العامة بشان كيفية استخدام القوة. لم يعد يوجد ما يسمى بـ “الصقور” و”الحمائم” مثلما كانت الحال في الخلاف حول مهاجمة ايران قبل 15 سنة. فمنذ 7 أكتوبر ايد الجيش استخدام القوة بنطاق واسع في أي فرصة تقريبا. فهل سيصل الجيش الإسرائيلي على خلفية هذه المعلومات الجديدة الى مرحلة يبلغ فيها الحكومة ومجلس الوزراء بان استخدام القوة لم يعد ناجع وانه يجب إيجاد مخرج آخر.

لقد شمت جهود تعافي ايران أيضا تسخير حزب الله الذي قام بالتنسيق معها لشن وابل متزامن من النيران على إسرائيل في محاولة “ارباك” أنظمة الاعتراض وجعل مهمتها صعبة. لقد تزامن دخول حزب الله الى الحرب مع التقييمات الاستخبارية الإسرائيلية المبكرة. حتى الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام الحذر والبارع الذي يتراس حزب الله حاليا، لم يكن بامكانه المرور مر الكرام على اغتيال خامنئي، الزعيم الشيعي الأعلى في العالم.

لقد ردت إسرائيل على اطلاق النار من لبنان بسلسلة خطوات. فسلاح الجو الإسرائيلي نفذ غارات في بيوت والبقاع وكل ارجاء لبنان، والآن الجيش الإسرائيلي ينشر المزيد من المواقع في المنطقة الأمنية الضيقة التي فرضها على الحدود الشمالية ويهدد باحتلال مناطق أخرى. امس طلبت إسرائيل من سكان الضاحية الجنوبية وسكان جنوب لبنان في جنوب الليطاني اخلاء بيوتهم استعدادا للقصف المزمع. هذه ستكون هجمات واسعة النطاق. واضح ان حزب الله يعمل على تفعيل وحدات وتشكيلات كانت في حالة جمود قسري منذ وقف اطلاق النار مع الجيش الإسرائيلي في لبنان في تشرين الثاني 2024. وتتنافس الحكومة اللبنانية والجيش وسياسيون بارزون في اصدار بيانات تدين حزب الله. الأوضاع تتغير في كل ارجاء الشرق الأوسط.

معضلة إسرائيل

في غضون ذلك تطلق المليشيات الشيعية في العراق المسيرات، وتتوقع إسرائيل رد محتمل من الحوثيين في اليمن الذين امتنعوا حتى الان عن التدخل. هذه حرب إقليمية حتى لو لم تكن كل الأطراف منخرطة فيها بنفس القدر. ويبدو ان رد ايران هو قرار متعمد لاشعال فتيل الصراع في كل المنطقة. فقد اطلقت آلاف الصواريخ والقذائف والمسيرات في نفس الوقت على إسرائيل وعلى بعض دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، ومثلما ذكر على قبرص وأذربيجان أيضا بنفس التهمة. ويتمثل القلق الرئيسي في دول الخليج في نفاد صواريخ الاعتراض قبل استنفاد الترسانة الهجومية الإيرانية.

ربما اعتقد الإيرانيون، وقد جدوا انفسهم في مازق، ان هذا سيخلق ضغط عربي ودولي على ترامب لوقف الهجوم. ولكن في الوقت الحالي يبدو ان العكس هو الصحيح. فالدول العربية تعزز التعاون مع الأمريكيين وتأمل الحصول على امدادات جديدة من صواريخ الاعتراض بسبب حجم القصف الذي تعرضت له. أيضا القصف في الدول الأوروبية واستحالة فصل التحركات الامريكية والإسرائيلية في هذه المرة يخفف من حدة انتقادات الغرب الموجهة للهجوم ضد نظام خامنئي.

لم يكن رد فعل ايران في هذا الأسبوع وحده الذي كشف عن التصميم، بل يبدو ان ايران تفاجيء الاستخبارات الإسرائيلية مرة تلو الأخرى بالسرعة التي تعيد فيها بناء الأنظمة المتضررة وتجديد الكفاح العسكري ضدها. ويظهر هذا أيضا في سرعة إعادة تشغيل خطوط الإنتاج ومنصات الاطلاق ومستودعات الصواريخ، منذ انتهاء الحرب السابقة في حزيران الماضي وأيضا في الاستعداد لشن هجوم مضاد بالتنسيق مع حزب الله، مع معرفتهم المسبقة للتكلفة الباهظة.

لكن هنا تكمن معضلة إسرائيل. لانه لم يعد بالإمكان انكار رغبة النظام في تدمير إسرائيل والميل الى اعتبار ذلك هدف عملي. اذا كانت إعادة الترميم الجزئية سريعة جدا، بعد ثمانية اشهر على انتهاء الحرب السابقة، فهل يمكن الاستمرار في سياسة الجولات الدورية أو ان من الأفضل محاولة اقناع ترامب بالسعي الى حل حقيقي. مع مرور الوقت اقتصاد إسرائيل سيجد صعوبة في الصمود امام حملة عسكرية بعيدة المدى، بمعدل جولة أو جولتين في السنة.

الاستطلاعات التي أجريت في إسرائيل وفي أمريكا تشير الى تاييد كبير للحرب في إسرائيل، وتحفظات كبيرة منها في الولايات المتحدة (رغم وجود بوادر مبكرة لتحول إيجابي بين الجمهوريين بسبب نجاح ترامب في تسويق خطواته الأولية كانجاز). مع ذلك، النطاق المحدود لاطلاق الصواريخ حتى الان، المرتبط بجهود ايران للتخطيط لنطاق استخدام سلاحها المتبقي، يقلل حاليا الأثر القاسي للحرب على الراي العام في إسرائيل. رغم الضربة الافتتاحية المدوية تبدو هذه الحرب غريبة بعض الشيء، حيث تفتقر الى الزخم ويقل فيها التهديد للجبهة الداخلية اكثر مما كنا نخشى. وما زال حجم الضرر الذي لحق بالايرانيين غير واضح.

مع ذلك، معظم الإسرائيليين يتقبلون الحرب وكل ما يترتب عليها كامر واقع: شلل كامل آخر للاقتصاد بعد ثمانية اشهر، التهديد المتكرر لارواح المدنيين، عدم اليقين حول انتهاء كل ذلك، فتح حساب مع الإيرانيين، بل ومع كل الشيعة، في ضوء القرار الاستثنائي، اغتيال المرشد الأعلى. أمس، بالذات عندما ازداد القلق حول تصاعد اطلاق النار من لبنان، أعلنت وزارة المالية تخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد، وإعطاء بذلك الإباء حرية الذهاب الى العمل، في حين ان الأولاد في البيوت بسبب اغلاق المدارس ورياض الأطفال.

يبدو ان كل ذلك لا يزعج نتنياهو. فقد ظهر رئيس الحكومة متغطرس بشكل خاص في هذا الأسبوع، حيث يطلب من مؤيديه (وبحق) نسب الفضل له بقرار الحرب ضد ايران، لكنهم يصممون على محاسبته على كل ذرة مسؤولية عن الإخفاقات التي سمحت بحدوث المذبحة في 7 أكتوبر. وقد تجلت غطرسته في منتصف الأسبوع عندما حرص مكتبه على نشر نبأ يفيد بان نتنياهو نفسه اطلق قنابل عن بعد من مسيرة تحلق في سماء ايران، فالطيارون ومن يشغلون المسيرات ليسوا الا ارقام بالنسبة له.

في الوقت الحالي توجد لنتنياهو أسباب كثيرة للشعور بالرضا. فقد توقفت محاكمته الجنائية، والمستشارة القانونية للحكومة تتعرض للهجوم من جديد، وتم طي صفحة الجدل حول مشروع قانون الاعفاء من التجنيد، وهو وحده الذي سيقرر موعد الانتخابات الذي يناسبه.

تخطيط مسبق

بدات المحادثات بين إسرائيل والولايات المتحدة حول توجيه ضربة انتقامية لإيران فور انتهاء الحرب السابقة في نهاية حزيران 2025. وبينما تفاخر ترامب بتدمير المشروع النووي الإيراني، ونتنياهو اعلن النصر، كان الجنرالات في الدولتين اكثر جدية. في نهاية السنة الماضية بدات تتراكم معلومات حول استئناف عمل خطوط انتاج الصواريخ البالستية، الى جانب التخوف من استئناف العمل في المشروع النووي (رغم ان مخزون اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، بوزن 400 كغم، ما زال موجود على الأرجح). وقد ساهم تولي الادميرال براد كوبر لقيادة المنطقة الوسطى الامريكية (السنتكوم) في تسريع الاستعداد المشترك.

إسرائيل استعدت لمهاجمة مواقع الصواريخ في منتصف السنة الحالية، بدون معرفتها اذا كانت الولايات المتحدة ستؤيد هذا القرار أو الانضمام اليه. المتظاهرون في ايران هم الذين حسموا الامر. فموجة الاحتجاج في كانون الثاني والقمع  الوحشي الذي استخدمه النظام، الذي أدى الى مذابح ضد الآلاف من المدنيين حرفت انتباه ترامب وشجعته على التعهد بتقديم المساعدة للمتظاهرين. وزيارة نتنياهو في واشنطن في بداية شباط ساهمت في اقناع ترامب بان الحرب حتمية وان ايران ستشن هجمات ضد اهداف إسرائيلية في كل الحالات.

عدد من وسائل الاعلام الامريكية أفادت في هذا الأسبوع بان موعد الهجوم، صباح يوم السبت 28 شباط، تم تحديده في منتصف الأسبوع السابق. وكان نتنياهو هو الذي شجع ترامب على التحرك عندما قدم له معلومات خصلت عليها الاستخبارات حول نية خامنئي البقاء مكشوف في مقر اقامته فوق الأرض في ذلك الوقت. وقد سرعت الفرصة العملياتية التي سنحت لترامب القاء القنابل. إضافة الى ذلك توقف غضب الرئيس من المفاوضين الإيرانيين، حيث تولد لديه الانطباع بانهم يضيعون وقته عمدا. وقد تم عقد الجلسة الأخيرة للمحادثات في جنيف في يوم الخميس الماضي في ظل الاستعدادات السرية التي كانت إسرائيل وامريكا تقومان بها لاغتيال خامنئي وشخصيات بارزة أخرى.

ترامب فضل ان تتولى إسرائيل اغتيال خامنئي بنفسها بسبب القيود القانونية، لكنه سارع في ضوء نجاح العملية الى نسب الفضل لنفسه. وصرح للمراسلين بانه هو الذي اجبر نتنياهو على تنفيذ هذه الخطوة. ونظرا لتكرار مزاعم المبالغة والتضليل والكذب من قبل الطرفين، يصعب تحديد من هو على صواب من بينهما. ولكن ما لا جدال حوله هو التنسيق العملياتي والاستخباري غير المسبوق بين الجيشين في الحملة المشتركة ضد ايران. مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى قال لي في هذا الأسبوع بان الهجوم يسير جنبا الى جنب، ويناقش كل يوم في عشرات اللقاءات والمحادثات بين قادة الطرفين.

هاكم ما قاله اثنان من قدامى البنتاغون ووزارة الخارجية، اللذان شغلا مناصب رفيعة فيهما في إدارات سابقة. البروفيسور اليوت كوهين كتب في مجلة “اتلانتيك” بان الهجوم في هذه المرة شمل ضربات متطابقة من حيث الحجم والعدد من قبل القوتين الجويتين. وأضاف بان إسرائيل في هذه المرة هي شريكة رئيسية وليس ثانوية. وبحسبه فانه لم يكن أي جيش أوروبي يمكنه التعامل مع مهمات معقدة كهذه. دانا سترول، الباحثة في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، كتبت بانه “تصعب المبالغة في وصف مدى ريادية هذه الشراكة. عادة ما يعمل الجيش الأمريكي ضمن تحالفات واسعة ويتولى معظم القتال. ولكن في هذه الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل هما شركاء متساوون، والتعاون الان شامل اكثر بكثير مما كان عليه في حزيران الماضي”.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى