هآرتس/ ذي ماركر: إسرائيل قد يفوتها القطار في مشروع طريق الهند
هآرتس/ ذي ماركر 12/1/2026، دانييل شميل: إسرائيل قد يفوتها القطار في مشروع طريق الهند
في أيلول 2023 اجتمع قادة المنتدى الاقتصادي “جي 20” في نيودلهي عاصمة الهند، واعلن الرئيس الأمريكي في حينه جو بايدن عن إنشاء ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا (آي.ام.إي.سي)، وكان من المخطط ان يكون هذا الممر الاقتصادي طريق للتجارة والطاقة يربط الموانيء عبر خطوط سكك الحديد وخطوط الانابيب، الامر الذي يتيح نقل البضائع والمواد الخام والوقود من مومباي في الهند عبر دولة الامارات والسعودية والأردن وصولا الى ميناء حيفا، ومن هناك الى موانيء جنوب أوروبا.
لقد سارع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الى التهنئة وقال: “هذا حلم اصبح حقيقة. إسرائيل ستقدم كل امكانياتها لانجاز هذا المشروع”. ولكن بعد شهر تعرضت إسرائيل لهجوم حماس واندلعت الحرب وتدهورت العلاقات بين إسرائيل والأردن والسعودية وتبدد الحلم.
بينما تم تجميد الجزء المخطط له عبر إسرائيل، تقدمت أجزاء أخرى، والان هناك مخاوف من انه اذا لم تنجز إسرائيل حصتها في المشروع فستبقى خارجه – خطوط السكك الحديدية والبنى التحتية ستنتقل من الأردن الى ميناء طرطوس في سوريا، أو الى السعودية باستخدام ميناء جدة على شاطيء البحر الأحمر كنقطة عبور. تركيا تسعى ايضا الى الترويج لمسارات بديلة عبر أراضيها.
البروفيسور شاؤول حوريف، رئيس معهد السياسات والاستراتيجيات البحرية في المركز الوطني للاقتصاد الأزرق (التابع لشركة هاي سنتر فنتشرز) والذي اعد تقرير حول هذا الموضوع، حذر من انه “اذا لم تكن إسرائيل جزء من الممر فستكون عواقب الفشل وخيمة على الامن القومي، وقد يؤدي ذلك الى استبعاد إسرائيل عن شبكات الطاقة الخضراء والهيدروجين العالمية، وسيضعف مكانتها في نظر أوروبا والولايات المتحدة ويتسبب في انتكاسة اقتصادية ستمتد لاجيال كثيرة”.
الكثير من الوزارات الحكومة تقوم باعداد خطط لمشروع الممر الاقتصادي الدولي (آي.ام.إي.سي). وكان نتنياهو قد صرح في السابق بان حكومته ستتولى قيادة الاستعدادات، الا ان مكتب رئيس الحكومة اعلن الان بان وزارة النقل هي التي تقود هذه العملية. وعلى أي حال يجري حاليا اعداد مشروع لقرار حكومي ينظم توزيع المهمات بين الوزارات، وهذا ربما سيسرع وتيرة الاستعدادات لانشاء الممر.
مشروع “الحزام والطريق” الهندي
في العام 2013 أعلنت الصين عن مبادرة “الحزام والطريق” التي تشمل استثمارات صينية في السكك الحديدية والموانيء، واتفاقات تعاون اقتصادي – لا سيما في آسيا وافريقيا – لتسهيل حركة البضائع بكفاءة من الصين. وقد اصبح المشروع أداة تاثير جيوسياسي. ويمكن اعتبار مبادرة “الحزام والطريق” الهندية “آي.ام.إي.سي” بمثابة محاولة من الهند لانشاء مبادرة مشابهة، بدعم الولايات المتحدة ودول أخرى.
ويعتبر خط السكة الحديدية المكون الرئيسي للممر الاقتصادي. اذ سيقلص زمن نقل البضائع بين الهند وأوروبا بنسبة 40 في المئة مقارنة مع المرور في قناة السويس. وسيشمل مسار نقل البضائع عبر الممر مقطعين بحريين ومقطع بري.
سيكون بالإمكان على سبيل المثال، تحميل حاوية على متن سفينة في ميناء بومباي وثم الإبحار بها الى ميناء خليفة في دولة الامارات، ومن هناك تحميلها في قطار يمر عبر دولة الامارات والسعودية والأردن وصولا الى ميناء حيفا. ومن هناك يمكن تحميلها على متن سفينة أخرى والابحار بها الى ميناء أوروبا مثل مرسيليا. هذا المسار سيقلص مدة النقل الى حوالي 24 يوم مقارنة مع 40 يوم عبر قناة السويس أو حوالي 90 يوم حول افريقيا – كما اضطر الكثير من السفن لفعله بسبب تهديد الحوثيين خلال الحرب.
الى جانب السكك الحديدية تتضمن الخطة انشاء بنية تحتية لنقل الوقود – النفط والغاز، وفي المستقبل الهيدروجين السائل الذي تخطط السعودية لانتاجه. كما ناقشت الدول الموقعة على اتفاق التعاون الدولي نقل الكهرباء فيما بينها وربط البنية التحتية للاتصالات ونقل البيانات.
التكلفة الاقتصادية ليست الأساس
حسب تقرير حوريف تبلغ التكلفة الاقتصادية لانشاء ممر نقل له وظائف أساسية في المقطع الذي يمر عبر إسرائيل حوالي 5 مليارات دولار، ويتوقع ان تكون التكلفة الفعليا اعلى من ذلك. يعتمد خط سكة الحديد بين حيفا ومعبر نهر الأردن “الشيخ حسين”، على خط سكة حديد الغور، لكنه يحتاج الى مدها 15 كم حتى ربطها مع الأردن. إضافة الى ذلك قد يكون من الضروري مضاعفة عدد المسارات واجراء اعمال بنية تحتية إضافية. وسيتطلب الامر استثمارات ضخمة في الأردن نظرا لتقادم شبكة سكة الحديد فيه.
تكلفة اجمالي البنى التحتية للمواصلات التي سيحتاجها المشروع قدرت من قبل الدول الموقعة على الاتفاق بنحو 600 مليار دولار، وجزء كبير منها يشكل جزء من اطار مبادرة النقل المتكاملة لـ آي.ام.إي.سي. ولكن الاستثمارات المالية ليست سوى جزء صغير من الصعوبات التي تواجه تنفيذ هذه المبادرة.
وقد قال حوريف بان تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، ولو جزئيا، سيكون ضروريا، وأن موافقة الأردن ضرورية أيضا، مع معرفة ان العلاقات بين الأردن وإسرائيل قد تدهورت في السنتين الأخيرتين. ويقدر الدكتور اوفير فنتر، الباحث البارز في معهد دراسات الامن القومي في جامعة تل ابيب، بان الأردن يهتم بهذا الممر. وقد قال: “يبدو ان العلاقات بين الأردن والهند تحتل مكانة اكثر أهمية في نظر عمان مما كانت عليه في السابق. فالهند هي المستورد الرئيسي لصناعة الفوسفات والبوتاس من الأردن، أيضا الهنود شركاء في صناعة النسيج في المملكة”.
ملك الأردن عبد الله تطرق الى مبادرة آي.ام.إي.سي للمرة الأولى في كانون الأول، خلال اجتماع مع رئيس وزراء الهند ماريندرا مودي، ووصفها بانها “فرصة مهمة”. ولكن فنتر يعتقد انه قبل ان يتمكن الأردن من التعاون مع إسرائيل فانه يحتاج الى هدوء امني بشان القضية الفلسطينية واحراز تقدم في التطبيع مع السعودية.
هناك أيضا تحديات امنية وبيروقراطية. حوريف يشير الى ضرورة ضمان امن طرق النقل في الممر. فوقف قطار محمل لاجراء تفتيش امني مطول قد يضعف ميزة السرعة التي يتمتع بها الممر مقارنة مع البدائل الأخرى. ونتيجة لذلك سيتعين تبسيط اللوائح الجمركية للسماح بمرور الحاويات المغلقة بين الدول.
المكسب الإسرائيلي
في الحكومة المواقف مختلفة حول المشروع. حسب احد المصادر “أنت تدفع الثمن بالتلوث والازدحامات المرورية، وقد يكون العائد الوحيد هو ضرائب الموانيء فقط”. في المقابل، قالت مصادر أخرى بان الممر سيعزز العلاقات مع الدول الموجودة على طول مساره. “الممر سيفتح أسواق في الشرق الأوسط امام إسرائيل. وقد يشهد أيضا حركة قطارات للركاب، مثل الحجاج الى مكة المكرمة على سبيل المثال”، قال احدهم.
العلاقات التجارية مع الهند ودولة الامارات تعمقت في السنوات الأخيرة رغم الحرب والحصار الحوثي. وتعتبر الهند سابع اكبر شريك تجاري لإسرائيل في العالم. في ذروة التبادل التجاري في 2022 تجاوز حجم التبادل التجاري معها الـ 6 مليارات دولار. وبعد سنتين من التراجع شهد العام 2025 انتعاش. ففي الأشهر الـ 11 الأولى من سنة 2025 ارتفع حجم التبادل التجاري بنحو 8 في المئة ووصل الى 3.87 مليار دولار. ويتوقع ان يزداد حجم التبادل التجاري عند توقيع اتفاق تجاري بين إسرائيل والهند في السنوات القادمة.
دولة الامارات هي اكبر شريكة تجارية لاسرائيل في الشرق الأوسط. وقد نما حجم التجارة معها بشكل مطرد ووصل الى 2.9 مليار دولار في الأشهر الـ 11 الأولى في 2025. أما التجارة مع الأردن فهي اصغر بكثير: 476 مليون دولار في 2024 (وهو رقم لا يشمل مبيعات الطاقة للاردن).
وتتجلى الحاجة الى ممر تجاري أيضا في حركة الشاحنات بين دولة الامارات وإسرائيل عبر السعودية والأردن. حاليا تعبر عشرات الشاحنات بين الدولتين كل أسبوع عبر “الجسر البري” الذي انشيء بموافقة ضمنية من السعودية كحل بديل للبحر الأحمر المغلق امام حركة الملاحة الى إسرائيل. وتبدل الشاحنات بوليصة الشحن عند عبورها بين السعودية والأردن. فلا توجد شاحنات تعبر السعودية معلنة بانها متجهة الى إسرائيل. ويكمن قيد هذه الطريقة في صعوبة تفتيش الشاحنات. فبينما يسمح الأردن بعبور 500 شاحنة كل يوم في معابره الحدودية، يقلل التفتيش الصارم في إسرائيل هذا العدد الى 200 شاحنة في اليوم.
شارون حتسور، نائبة مدير عام سياسة التخطيط والاستراتيجية في وزارة الطاقة والبنى التحتية، قالت انه في مشروع آي.ام.إي.سي يوجد منطق اقتصادي: “نحن بحاجة الى بنك فرص، لاعداد قائمة مشاريع يمكن اطلاقها بسرعة بمجرد التوقيع على الاتفاقيات ذات الصلة”.
المشروع في مراحل عمل متقدمة
في وزارة المواصلات ينظرون الى آي.ام.إي.سي كتوسيع لمشروع “سكة حديد السلام”، الذي روجت له الوزارة منذ العام 2017، والذي يركز على ربط إسرائيل بالأردن والسعودية ودولة الامارات عبر سكة حديد. وقدمت وزيرة المواصلات ميري ريغف رحلاتها الخارجية كدليل على ان هذه الرحلات تهدف الى الترويج لهذه المبادرة.
حسب رد الوزارة: “المشروع في مراحل متقدمة من العمل، تشمل حوار مستمر مع الشركاء الإقليميين والدوليين ونقاشات مهنية بين الوزارات. وقد تم تشكيل لجنة توجيه خاصة بالمشروع تضم ممثلين عن وزارة النقل وسكة حديد إسرائيل وشركة موانيء إسرائيل وسلطة المطارات ووزارات حكومية أخرى”. يبدو ان مفتاح تطوير الممر الاقتصادي يكمن في الساحة السياسية. فقد تبين مؤخرا ان إدارة ترامب تدعم المشروع الذي سعى سلفه بايدن الى تحقيقه وتم وضع آلية توجيهية للدول الموقعة على الاتفاقية الأولية.
مجموعة أداني استحوذت على ميناء حيفا بهدف جعله محطة رئيسية على الطريق بين الهند وأوروبا، ولكن هناك مصالح أخرى قد تبعد حيفا عن هذا المسار. قبل شهرين تقريبا وقعت شركة مواني دبي العالمية الإماراتية على اتفاق لتشغيل ميناء طرطوس في سوريا. واذا لم تتحرك إسرائيل فقد تجد نفسها خارج الممر الاقتصادي الذي يتوقع انشاءه في السنوات القريبة القادمة، سواء بوجودها أو بدونها.



