ترجمات عبرية

هآرتس: حزام الامن العربي عارض الهجوم والنظام في  ايران اشترى وقتا

هآرتس 16/1/2026، تسفي برئيلحزام الامن العربي عارض الهجوم والنظام في  ايران اشترى وقتا

العنوان الرئيسي في صحيفة “الوطن” السعودية أمس لم يكن يتعلق بايران أو بالهجوم الذي توقف أو بالمظاهرات، بل تم تخصيصه لمساعدة بمبلغ نصف مليار دولار، الذي تنوي السعودية ارساله لليمن. قراء الصحيفة الذين بحثوا عن معلومات حول ما يحدث في ايران كان يمكنهم إيجاد فقط نبأ قصير على هامش الاخبار، الذي ورد فيه ان ترامب وعد بمساعدة المتظاهرين. هكذا أيضا في صحيفة “عكاظ” السعودية واسعة الانتشار، التي استهلت بالمساعدة السخية التي وعد بها ملك السعودية لليمن. عنوان الخبر حول ايران اكتفى بالابلاغ بان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال للامين العام للأمم المتحدة بان “جهات إرهابية هي التي مست بالمتظاهرين، وقطعت رؤوسهم واحرقت مباني حكومية”. قراءة مشابهة في الصحف المؤيدة للحكومة في مصر، مثل “المصري اليوم” و”الشروق” و”الاهرام”، كانت تحتاج من القاريء التزود بعدسة تكبير من اجل العثور على الاخبار القصيرة التي تناولت بأسلوب جاف ما كان يحدث في ايران أو قرار ترامب.

مصادر سعودية قالت لوسائل اعلام عربية بان التوجيهات الحكومية كانت قاطعة. وبحسبها فان وسائل الاعلام في الدولة ستتخذ “موقف حيادي” تجاه الاحداث، والنشر عنها يجب أن يكون قصير، موضوعي وليس فيه تحليلات. ولكن تقليص النشر في الدول العربية عن مظاهرات تهدد النظام ليس موقف “محايد”، بل سياسة، هدفها الأول هو منع “انزلاق التماهي” الى حدودها، كان يكفيها “ربيع عربي” واحد.

لكن الى جانب الموقف الرسمي والإعلامي الملتزم بهذا التوجيه، والذي تجلى أيضا في تصريحات السعودية وقطر بأنهما لن تسمحا باستخدام اراضيهما كمنصات لاطلاق هجمات ضد ايران، فقد كثف قادة دول المنطقة، لا سيما دول الخليج ومصر وتركيا، الجهود الدبلوماسية بشكل غير مسبوق. وأفادت مصادر تركية بان وزير الخارجية هاكان فيدان اجرى مؤخرا سلسلة محادثات مع نظيره الإيراني، بالتزامن مع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وقطر والامارات، بهدف صياغة موقف واحد ضد الهجوم.

وحسب مصادر عربية وتركية تحدثت مع صحيفة “هآرتس” فان وزراء خارجية هذه الدول، الذين اجروا أيضا “محادثات ضغط” مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض والإيرانيين عرضوا على نظرائهم الأمريكيين سيناريوهات كارثية قد تتطور في كل المنطقة اذا تعرضت ايران للهجوم وسقط النظام الإيراني لاحقا. وحسب احد المصادر فقد حذرت الرياض واشنطن من ان “ايران قد تنزلق الى حرب داخلية شاملة، وهو وضع سيمهد لبيئة خصبة لنشاطات التنظيمات الإرهابية، وستتفكك ايران بين كيانات تمتلك أسلحة استراتيجية وبين مواطنين ومنظمات ستسيطر على كل أنواع السلاح، وقد تكون النتيجة تشبه ما حدث في سوريا في عهد الأسد أو في ليبيا، وسترتفع أسعار النفط بشكل يضرب بالاقتصاد العالمي وستكون الولايات المتحدة هي الضحية الرئيسية”.

السعودية واتحاد الامارات، التي شاركت أيضا في الحملة المذعورة لمنع الهجوم على ايران، أوضحتا للإدارة الامريكية بانهما لا تخشيان فقط هجوم إيراني ضدهما، بل تخشيان أيضا من تعطيل التجارة في الخليج العربي الذي قد يصبح حقل الغام ومنطقة هجوم اذا شعر النظام في ايران بانه يقاتل على بقائه.

تركيا تتشارك في الحدود مع يران بمسافة 530 كم تقريبا، وقد توترت العلاقات بينهما منذ سقوط نظام الأسد وتولي احمد الشرع للحكم في سوريا. ويشعر الاتراك بالقلق إزاء موجات اللاجئين التي قد تغرق بلادهم في حالة اندلاع حرب في ايران، وإزاء تصاعد إرهاب الاكراد على أراضيهم، لانه قد تتحد القوات الكردية الإيرانية مع القوات الكردية في العراق وسوريا. وقد قدر معلق تركي في محادثة مع صحيفة “هآرتس” بانه “في مثل هذه الحالة ستكون معركة تركيا ضد الاكراد في سوريا بمثابة لعبة أطفال مقارنة مع ما قد يحدث على حدودها الشرقية. ايران ليست فنزويلا أو غرين لاند أو غزة، التي يعتقد ترامب انه قادر على السيطرة عليها. نحن نتحدث عن 90 مليون نسمة تقريبا، سينقسمون بين القوات المسلحة ومنظمات وحركات معادية، وعناصر عرقية متنافسة لن تتردد في الهتاف “الموت لامريكا” و”الموت لترامب” بعد تحريرهم من نظام آيات الله.

امام هذا التجند العربي والتركي لمنع الهجوم في ايران كان على الوسطاء ان يقدموا ما يرضي ترامب والتراجع عن موقف. وبالفعل، بعد الأيام العشرة الأولى للمظاهرات يبدو ان الجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران بدأت تؤتي اكلها. وقد اكد ترامب نفسه بان الإيرانيين تواصلوا معه من اجل استئناف المفاوضات، وان “لقاء معهم تم التخطيط له بالفعل”. وكان من المفروض ان يكون هذا اللقاء بين ستيف ويتكوف وعراقجي بهدف استئناف المحادثات من حيث توقفت في شهر حزيران عندما بدأت الحرب مع إسرائيل. ولكن في اليوم التالي الغى ترامب خطة استئناف المفاوضات بذريعة العدد الكبير من المتظاهرين الذين قتلوا في مواجهات مع قوات الامن الإيرانية، وانتقل الى الاستعداد العملياتي للهجوم، بما في ذلك تحريك القوات واجلاء الموظفين الأمريكيين المدنيين ووضع القواعد الامريكية في الشرق الأوسط في حالة تاهب قصوى.

ولكن في الوقت الذي ينتظر فيه العالم رد الرئيس، الذي اظهر غطرسته المعروفة، لم يتوقف الوسطاء العرب وتركيا عن محاولة إيجاد “مخرج” لنزع فتيل ما وصف بأنه “سيناريو مؤكد لحرب إقليمية”. هنا يكمن سر احد الاختفاءات المثيرة للاهتمام. هل كان ترامب أو احد مستشاريه هو الذي اقترح مطالبة ايران بوقف اطلاق النار على المتظاهرين وتنفيذ الاعدامات كشرط لوقف الهجوم، أو ان احدى دول الوساطة هي التي طلبت معرفة ما اذا كان ترامب سيوقف الهجوم في حالة امتثال ايران؟ أو اذا شاركت دول أخرى مثل روسيا والصين في هذا الجهد المشترك؟.

الصعوبة التي واجهت الوسطاء كانت ذات شقين. فبعد ان دعا ترامب المتظاهرين الى السيطرة على مؤسسات الدولة وطمأنتهم بأن “المساعدة قادمة”، بدا وكانه ينأى بنفسه عن سياسته السابقة التي صرح فيها بانه لا يطمح الى اسقاط النظام، وانتقل الى استراتيجية جديدة تعتبر اسقاط النظام هدف مفضل ومحتمل، وان الولايات المتحدة مستعدة للمشاركة فيه بشكل مباشر. ومن اجل منع الهجوم كان من الضروري إعادة ترامب الى “نمط” تفكيره السابق، واقناعه بالعواقب الوخيمة والإقليمية التي قد تنجم عن أي هجوم، ومحاورة التركيز على السبب نفسه، حجم القتل، الذي دفعه الى اصدار أوامر للاستعداد للهجوم (اذا كان ينوي تنفيذه بالفعل). الصعوبة الثانية كانت اقناع القيادة في ايران بوقف عمليات القتل الجماعي واعدام النشطاء المعتقلين الذين حكم عليهم بالاعدام بسرعة.

حسب مصادر عربية فان سلطنة عمان، التي تربطها علاقات وثيقة وخبرة واسعة في الوساطة مع السعودية، التحرك امام ايران. وتلعب السعودية للمرة الثانية دور محوري في دعم ايران سياسيا. ففي الأشهر الأخيرة رفعت مستوى التعاون الدبلوماسي مع طهران وشجعت ايران على استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي. وتسعى السعودية أيضا الى اقناع ايران بإصدار أوامر لحزب الله للموافقة على نزع سلاحه، بل عرضوا عليها مساعدات اقتصادية واستثمارات ضخمة في حالة التوصل الى اتفاق لرفع العقوبات عنها.

في يوم الأربعاء ظهر ان جهود الاقناع اثمرت. فايران بدات في بناء رواية جديدة، ووزير الخارجية عراقجي ابلغ في مقابلة مع “فوكس نيوز” بانه “بعد ثلاثة أيام من النشاطات الإرهابية، “الان يسود الهدوء. نحن في سيطرة كاملة… لا توجد أي نية لاعدام أي شخص ولن تكون هناك اعدامات”. سواء كانت سيطرة كاملة أم لا، فان التخلي عن الاعدامات التي سمح بها المرشد الأعلى لا يعتبر تراجع أو استسلام، بل هو يستند الى “عدم الحاجة”، اذ انه بعد تحقيق “السيطرة الكاملة” وبعد ان “ساد الهدوء” فانه لا حاجة حتى الى الردع. وكأنه خطة محكمة، سارع ترامب الى التوضيح بانه “حصل على معلومات موثوقة” تفيد بتوقف عمليات القتل، وأنه لا توجد أي خطط للاعدامات. حالة التاهب انخفضت وتم فتح سماء ايران، ويحتمل ان نسمع من ترامب نفسه خلال أيام (او ساعات) عن الدول التي ينبغي لإيران ان تشكرها على موافقته على وقف الهجوم.

مع ذلك، هذا هو ترامب، لا مناص من ملاحظة التحذير المعتادة بان كل شيء لديه غير متوقع، هناك إمكانية دائمة لاعطائه الاذن بشن حرب عسكرية. ولكن اذا كان قراره بوقف الهجوم ليس “مناورة” أو “تمويه”، بل نتيجة تحليل واقعي لما سمعه في الفترة الأخيرة من قادة مقربين منه ويقدر آراءهم، فان الرئيس الأمريكي بذلك يعيد عبء اتخاذ القرار الى ايران والمتظاهرين والنظام ويضع نفسه في موقف المراقب في الوقت الحالي. في الأيام القريبة القادمة سيتضح اذا كان قراره قد حرر حركة الاحتجاج من خطر الاغتيالات، وبالتالي حقق المساهمة التي وعد بها المتظاهرين، واذا كان النظام الايراني سيفي بالتزاماته ليس فقط تجاه ترامب، بل أيضا تجاه دول الوساطة العربية التي أصبحت، بدافع حماية نفسها، بمثابة الدرع الأمني لإيران.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى