ترجمات عبرية

هآرتس: حرب الغلة المتناقصة

هآرتس – شلومو بن عامي – 22/8/2025 حرب الغلة المتناقصة

مؤرخان مشهوران من جامعة هارفرد، جراهام اليسون ونيل بيرجوسون كنبا في 2016 مقالا مشتركا ومتكلفا والذي فيه دعيا الى تشكيل “مجلس مؤرخين” في البيت الابيض. لقد قدما كمثال للحاجة الى ذلك الجهل الذي ساند في حاشية جورج بوش عشة غزو العراق في 2003. الرئيس لم يستجب للتحذيرات بأن اعماله ستقود الى ان السيطرة على بغداد ستنتقل الى سيطرة شيعية برعاية ايران.

اصلا بوش، والذي لم يدعي انه مثقف للغاية، ولكن عندما يلتقي الجهل التاريخي مع غطرسة شخص يعرف كل شيء مثل باراك اوباما – الذي ادعى انه لم يكن بحاجة الى كتابات جورج كينان، الخبير اللامع وبعيد النظر في شؤون روسيا والذي رسم الاسترانيجية الامريكية في الحرب الباردة – فإن النتيجة هي العمى فيما يتصل بالعلاقة الوثيقة بين روسيا واوكراينا. كلا هذين المؤرخين المذكورين صكا مفهوم “”التاريخ التطبيقي” – وهي محاولة لابراز التحديات والخيارات التي تقف امام الزعماء في هذا الوقت، عن طريق تحليل سوابق ومقارنات تاريخية. وقد استلهما افكارهما من اعظم المؤرخين التطبيقيين المعاصرين، هنري كيسنجر.

كيسنجر عمل ضمن نطاق اهمية التشبيهات التاريخية والرؤى (او الاشارات التحذيرية) التي يمكن استخراجها من الماضي لتلبية احتياجات الحاضر، دون ان يغفر ان التشبيهات قد تصبح سلاحا ذو حدين – فهنالك تشابه بين القطة والنمر، ولكن من غير المستحسن الخلط بينهما. لقد تعلم من معاهدات السلام التي ابرمت بعد الحروب النابليونية انه من اجل استقرار النظام الدولي، يجب ان يكون شرعيا في نظر الاطراف الرئيسية في الساحة.

هو لم يكن صديقا كبيرا لحركات التحرر الوطني مثل م.ت.ف ، وحتى اقل من ذلك مع الجهاد الوطني لحماس، ولكن من خلال الواقعية الباردة التي ميزته فهم ان قوات ثورية ترى في الواقع الراهن كمعادي لحقوقهم الى درجة، انهم سيعملون على كسره بكل الوسائل المتاحة لهم. هكذا تصرفت مصر بعد هزيمتها في 1967. لهذا خضع كيسنجر للقوات الثورية في شمال فيتنام والفيتكونج، منذ اللحظة التي فهم فيها ان الحرب تحولت الى دوامة قاتلة ذات “عوائد متناقصة.

ولكن السنين تعطي للاقوال معناها الحقيقي. في نهاية المطاف، الرأسمالية الامريكية غيرت وجه فيتنام، وهي اليوم مجتمع مهم في نسيج التحالفات للولايات المتحدة في جنوب شرق اسيا. ومن هو العدو؟ هي نفس الصيف التي ساعدت فيتنام الشمالية لتهزم “الامبرالية الامريكية”. اي، ليس هنالك اعداء للابد، والتاريخ مليء بالثورات الدبلوماسية من هذا النوع. تيضا مصر واسرائيل وضعهمها كيسنجر على مسار سلام بين متساوين، بدون منتصرين ومهزومين. العاب صفرية المجموع لا تقود الى سلام، هكذا اعتقد. هو لم يؤمن بالسلام الخالد لعمنوئيل كانت، ولكنه فهم ان الحرب يمكنها ان تخلق احتمالات غير متوقعه لاتفاق سياسي او لنظام عالمي جديد.

ايضا في 1973 عرف كيسنجر كيف يوقف الحرب قبل ان تدخل في دوامة العائد السياسي المتناقص. لقد قدر بأنه لو سمح للجيش الاسرائيلي بأن يجوع حتى الموت الجيش الثالث المصري والتقدم نحو القاهرة بعد الكيلو متر وتحد، فإن النصر العسكري “المطلق” لم يكن ليقود الى اتفاق سلام مع مصر. هذا الامر استخلصه من عبر الماضي. كل الانتصارات “المطلقة” لاسرائيل من 1948 مرورا ب1956 وحتى ام الانتصارات 1967، ليس فغقط لم تؤدي الى سلام بل هي فقط غذت شهاوات الانتقام لدى اعدائنا.

كتاب وولفينج شيفل بوش، “ثقافة الهزيمة:حول الصدمة الوطنية، والحداد والتعافي”. هو صياغة تفتح العيون وتجسد كيف انه على طول التاريخ، الامم المهزومة تستنسخ قصتها، وتتبنى موقف الضحية صاحبة التفوق الاخلاقي على المنتصر، واحيانا ايضا تتبنى طرقه. ولكن هنالك امر واحد لا تفعله: هي هن لا يسلمن بالهزيمة. هذه كلها قضايا موضوعة اليوم امام اسرائيل، وتاموجودة في خلاطة حرب فقدت هدفها واصبحت عملية تدمير ذاتي وفقدان اخلاقي للطريق.

اعتمادا على المقارنة بين ساحة الحرب في غزة والحروب غير متكافئة اخرى في الماضي، كان يمكن ان نقدر منذ البداية ان “النصر المطلق” هو هذيان خطير، وان الحرب التي تستمر بدون هدف سياسي نهايتها ان تخضع لقانون العائد المتناقص الذي حذر منه كيسنجر. في ظل غياب استراتيجية خروج كيسنجرية، فإن حكومة اسرائيل تتصرف كمقامن قهري في كازينو، حيث يتم ضخ المزيد والمزيد من الرقائق في اللعبة – المزيد من الجنود المنهكين، والمزيد من الرهائن اللذين يموتون والمزيد من الضحايا المدنيين الفلسطينيين، مما يحول اسرائيل الى تجسيد للشر في نظر العالم.

 هذا هو نفس النوع من المقامرة الذي ميز الامريكيين في فيتنام وفي افغانستان وثبت انه عديم الجدوة؛ مقامرة جاءت بدلا من ادراك ان ضخ المزيد من القوات لن يؤدي الى انعطاف في المعركة، نظرا لأن طابق ساحت القتال لا تسمح ب”عملية برية” كلاسيكية والتي اعتادت تعليها الجيوش النظامية، والاكثر اهمية – نظرا لان قوات العدو لا يوجد لديها ما تخسره، فإنها تتحرك مدفوعة بكراهية متقدة للقوات الغازية. كلما تطورت المعركة فإنهم يراكون المزيد من الدعم الدولي ويزيدون القلق والتعب في بيت الغازي.

الولايات المتحدة خسرت في الحرب في فيتنام بعد ان خسرت فيها في الجامعات وفي الرأي العالم الغربي. في افغانستان هي خسرت امام تعدو جهادي لم ينجح اي تعزيز للقوان في مواجهة لا مبالاته تجاه الخسائر والموت. امريكا ايضا لم تصمد امام تأثير الدمار الذي احدثته على الرأي العام في الداخل. ليس فقط الشتاء الروسي كسر روح جنود الفيرمخت الالمان في عملية بربروسا بل ايضا القدرة اللانهائية لستالين في ان يرسل الى المعركة المزيد والمزيد من الفرق الجديدة والنشطة من داخل اعماق الجغرافيا الروسية. 

من الواضح ان هذه ساحات حرب مختلفة جهوريا ومع ذلك ما يجب ان يفكر به الجنود الاسرائيليين المنهكين في غزة واللذين بعد سنتين من الحرب اتضح لهم ان حجم قوات حماس بقي مثلما كان في بداية الحرب، نظرا لانها قادرة على ملء صفوفها الناقصة عن طريق تجنيد قصري او مقابل دفع وحماية من الجوع؟

ومثلما انه في فيتنام سمع صوت المندرينيم بقوة، هؤلاك الخبراء الذين حللوا المعركة بمشرط بارد وعقلاني بدرجة مرعبة،  بعيدا عن اي اعتبارات اخلاقية، كذلك الامر في حرب غزة. لكن في مثل هذه الحروب تحدد الاعتبارات الاخلاقية نتائج الحرب، تماما كما تحددها الفرق المدرعة والقصف الفيتنامي. في فيتنام دعا الخبراء الى السحق وتدمير البنية التحتية والقصف بلا رحمة. احدهم هو تومس شيلنتج الحائز لاحقا على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي ايد القصف المميت، ولكن يحسب له انه قال ايضا انه يجب ايقافه اذا اتضح بعد ثلاثة اسابيع انه لا يؤدي سوا الى زيادة ديناميكية “العائدات المتناقصة”.

في اسرائيل الاقراحات كانت التجويع، و”احتلال اراضي” لأن هذا “هو الاكثر ايلاما لحماس”. ولكن حروبا كهذه لا ينتصرون فيها في ساحة الحرب بل في الرأي العام. اذا كنا في الماضي قد اعتدنا على التفاخر بأنهم “سوف يدرسون في الاكاديميات العسكرية حروب اسرائيل”، فإنه بعد حرب السابع من اكتوبر فإن ما سيعلموه هو كيف حدث ان العدو الاضعف من بين شركاء دائرة النيران التي احاطت باسرائيل منذ ذلك اليوم الفظيع، هو الذي بعد سنتين من المعارك الدموية مازال يقف عل ارجله وحتى يضع شروطا لانهاء الحرب – والذي لا ينحرف عنها منذ اليوم الاول للحرب.

حتى لو هزمت حماس، فإن الضربة التي اوقعها بالمحتل البغيض – تثبيته في الحرب الاطول في تاريخه، والخسائر في المعركة، الاف الجرحى، والعدد الاكبر من الجنود المنتحرين، واطلاق سراح الاسرى المهمين الجماعي، والهزة الاقتصادية بسبب تكاليف الحرب الباهظة، والعزلة الدولية، وتثبيت وصمة دولة مخالفة للقانون، والشرخ الداخلي العميق وبعث القضية الفلسطينية – هو بمثابة انتصار في الوعي ولدى الرأي العام والذي سيظل محفورا لسنوات طويلة في الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

الفلسطينيون ربما فشلوا في بناء مؤسسات دولة، ولكن تم التأكد من قوتهم في تحويل الجنة التي يتفاخر الاسرائيليون باقامتها في دولتهم الى جهنم. اذا كانت اسرائيل تصر على ابقاء الاحتلال على حاله فإنها ستضطر الى العيش الى الابد على سيفها، وان تعمق اكثر فأكثر، الاختراق المخابراتي الى حياة الشعب المحتل، حتى لا تقوم مجموعة ما او غيرها من بينه باعداد طبقة محدثة للسابع من اكتوبر في غلاف غزة او في غلاف كفر سابا.

اسرائيل فشلت فشلا ذريعا في تحديد معادلة القوة وفي فيهم جوهر النصر والهزيمة في الحرب في غزة. هذا غير مرتبط بالدلالات، هذا عيب في استخلاص العبر الاساسية من اوضاع مشابهة في الماضي، والتي فيها الجانب الضعيف بقي على قيد الحياة بفضل اندماج دافع ايدلوجي – جهادي، وقومية متطرفة وقوة تجند روح المقاومة للاحتلال في ساحة معركة غير متكآفئة. 

اسرائيل لم تنجح في ادراك الطابق الحقيقي لساحة المعركة في حروب هذه الفترة. حيث انها تخترق الحدود الجغرافية والتي تجري في داخلها العمليات العسكرية. وهي تمتد حتى الميادين الرئيسية في عواصم العالم، وهي تنتشر في الثقب الاسود للشبكات الاجتماعية لدرجة ان صمود من قام بالهجوم الارهابي الاكثر حقارة وهو حماس ارتفعت الى مكانت المقاومة البطولية في غزة – ستالين غراد الخاصة به.

الدول السيادية ملزمة دائما بالقيام بحسابات التكلفة – والربح والذين اطراف لا يشكلون دولة مثل حماس هم اقل التزاما بها. حتى نظام راديكالي مثل الجمهورية الاسلامية الايرانية ملزم بدرجة من الانضباط ولكونه دولة ذات اعتبارات اقتصادية وتطلعات للمصالحة مع المجتمع الدولي كمفتاح لبقاء الثورة الاسلامية.

يمكن ردع دولة مثل ايران ولكن بعد سنتين من الحرب فإن اسرائيل مازالت تبحث يائسة عن الاداة ل”الانتصار المطلق” على حماس. معضلة حزب الله لم تكن تختلف كثيرا عن معضلة ايران. لقد هزم ليس فقط بسبب قطع رؤوس زعماءه وفقدان جزء كبير من  ترسانته، بل نظرا لانه لم يكن بامكانه تعريض دولة لبنان لعقاب متواصل من هجمات سلاح الجو الاسرائيلي.

اتضح اذن ان المسؤولية المرافقة للسيادة وللدولة يمكنها ان تكون عاملا كابحا وضابطا. لا يوجد لحماس ضغوطات كهذه. لو ان ايران كانت تعاني من ستين الف من العسائر في المدنيين والجنود، مثلما حدث مع حماس – مع الاخذ بالاعتبار الفرق بالحجم، المعادل الموازي في حالة ايران كان مئات الالاف من القتلى – فإن النظام الايراني كان سينهار. ولكن حماس مازالت تقاتل. ليس فقط ان رؤساءها تمت تصفيتهم جميعا وكل جهازها العسكري والمدني تحطم بل انها فعليا ضحت بصورة متعمدة بمدنييها وتركتهم للموت والدمار – في حين ان مقاتليها ظلوا محميين جيدا في انفاقهم مع وفرة من الطعام – مع معرفة بأن هذا الامر يخدم مصلحتها في الرأي العام العالمي.

الحقيقة هي ان “العائد المتناقص” هي تعبير نقي يصف بالاساس النظرة العسكرية الواضحة للمعركة. ولكن في الاستحواذ الاعمى لزيادة العائد في الحرب مع عدو متملص، غير منظور، فإن اسرائيل تقوم بفظائع ستكون وصمة على جبين الدولة الهيودية لسنوات عديدة قائمة. هل يعقل ان شعب ضحايا الكارثة يرتكب ضد الشعب المجاور اكثر الجرائم فظاعة، وهي الابادة الجماعية؟

عندما نرى كيف تواصل حماس بالوقوف على رجليها بعد ان قضى الجيش الاسرائيلي على كل قيادتها في هجمات تسببت بدمار بابعاد توراتية وبموت “عرضي” لعشرات الالاف من الاطفال والمدنيين الابرياء، علينا ان نتساءل ماذا كان هدف هذه الوصمة الاخلاقية؟ وعندما يكون كل هذا مرفقا بندائات للتدمير والتطهير العرقي من افواه وزراء في الحكومة، وبصورة تثبت ان عامل النية موجود، فما الغرابة في ان تهمة الابادة الجماعية تجد تأكيدا لها؟

حتى اذا تملصت اسرائيل من الادانة في محكمة العدل الدولية في لاهاي على اساس بند قاانوني ما او غيره، فإن هذا لن يلغي الموصمة التي التصقت بالدولة اليهودية، ولقب “الابادة الجماعية” الذي الصق بها. صحيح، انه مع كل اهوالها، فإن غزة ليست اوشفيتس، مصنع لقتل الالاف يوميا. ولكن اليوم تعريف جريمة الابادة الجماعية لا يركز على عدد القتلى ولا على الطريقة التي ماتوا فيها. النية المعلنة للمس بمجموعة وطنية او عرقية هي التي تقرر. 

في سربنتسيا قتل فقط 8 الاف مسلم بوسني وهذا الحدث اعتبر كابادة جماعية من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا سابقا. حروب اليهود ضد الفلسطينيين، مثل حروب البلقان هي من النوع الذي يغذي جنون الابادة الجماعبة – اصطدام مباشر لروايات قومية مصرة والذي لم يتم الحثور على سبيل المصالحة بينها، معركة مريرة حول وثائق ملكية عمرها مئات السنين وحملى لمجموعات عرقية ودينية متعادية لتلك المناظر الطبيعية لجغرافيا فقيرة، والذي فيها – اذا استعرنا المقولة المنسوبة لتشرتشيل عن شعوب البلقان – “هم يخلقون تاريخا اكثر مما يستطيعون استيعابه”.

يصعب مناقشة كيف ان قلوب الاسرائيليين اصبحت قاسية في المأساة التي يرتكبها جيشهم باسمهم. وهذا خلافا، على سبيل المثال، للرد العام في الولايات المتحدة وفي فرنسا على الفظائع التي ارتكبتها جيوشهم في فيتنام، وفي العراق وفي الجزائر. فرنسا انسحبت من الجزائر، هكذا شرح في حينه جان بول سارتر، “ليس بسبب عنفهم، بل بسبب عنفنا”. لحسن حظنا، فإن المجتمع المنهك والمستنزف الذي يقود احتجاجا مستمرا للحد من ضغيان الحكومة وانقاذ اسراه الذين يتم التضحية بهم للجوع والموت، قد يكون لديه “ظروف مخففة”.

ايضا هنا يلعب دورا حاسما الطابع المستمر للنزاع والذي حسب الرؤية الاسرائيلية هزم كل محاولة  لحل سياسي وتركنا مع الخيار الوجودي “اما هم او نحن”، حيث مذبحة السابع من اكتوبر هي دليل يثير القشعريرة على ذلك. وحتى ان الاسرائيليين اعتادوا على “ردة الفعل” المشروطة من منتقديهم والذين الصقوا بسهولة صفة الابادة الجماعية لكل حرب من حروبهم مع الفلسطينيين. ففي حرب لبنان الاولى اتهم جون لوكاري اسرائيل بارتكاب ابادة جماعية، وشبه خوزي سراماجو الحائز على جائزة نوبا للاداب، جنين خلال عملية الدرع الواقي بمعسكر اوشفيتس. وحسب صحيفة “الغارديان” فإن المعركة في جنين كانت اخطر من الضربة التي وجهها اسامة بن لادن لابراج التوائم بالاف القتلى التي وقعت فيها. وبالنظر الى انعكاس الادوار بالنسبة للكارثة – الادعاء الاسرائيلي يكرر جرائم المانيا النازية – كتب تومس كينلي في “صندوق شندلر”: “الكارثة هي مشكلة الاغيار وليست مشكلة اليهود”، وثمة ايضا مقولة “الالمان (ولغاية هذا النقاش الاوروبيين) لن يغفروا في يوم من الايام لنا عن اوشفيتش”، هذه المقولة التي تنسب الى عدد كبير من الاشخاص.

نحن مسموح لنا ايضا بالاحتماج على ان مئات الالاف من المواطنين القتلى في العراق وافغانستان واليمن او يحظوا بأن يتهم قاتليهم بالابادة الجماعية. ولكن ميزة وفرادة المأساة الفلسطينية في وعي الغرب هي معطى ثابت، جزء لا ينفصل عن “ساحة المعركة” والتي يحارب فيه الاسرائيليون والفلسطينيون منذ سنوات طويلة. في اي نزاع اخر الغضب الاخلاقي لا يدوي بدرجة مشابهة مثلما في الحالة الاسرائيلية – الفلسطينية، وذلك بسبب الحجم الفظيع للمأساة الفلسطينية، وايضا بسبب ان اليهود هم من ارتكبوها. سبب اخر لذلك كما قالت جويس كرم، رئيسة مكتب صحيفة الحياة في واشنطن خلال عملية “الجرف الصامد” هو ان “قتل مسلمين بايدي مسلمين يبدو مقبولا اكثر من قتل العرب بايدي اسرائيل”.

مهما كان الامر، هذا هو الوقت المناسب لتقليل الخسائر في الساحة الاستراتيجية وكذلك ايضا في ابعاد الدكمار الاخلاقي. عصر ما بعد الكولونيالية هو دليل دامغ على انه ليس بالامكان السيطرة على شعوب محتلة للابد. التحرر جاء عندما فهمت الدول العظمى الاستعمارية انها مقيدة بدوامة “العوائد المتناقصة”. اسرائيل هي اليوم القوة “البيضاء” الاخيرة التي تسيطر على شعب محتل، وتقمعه وتسرق اراضيه. الامبراطوريات كانت بالعشرات طوال التاريخ ولكن سيطرة مطلقة بواسطة تكنولوجيات اختراقية من المراقبة والتتبع، مثلما تطبقها اسرائيل في الضفة الغربية، يمكننا فقط العثور عليها في الاحتلال الصيني للتبت، او في السيطرة المطلقة للصينيين على الاقلية الايغورية. وحتى هناك، وحسب اعترافات الريس الصيني شي جن بينغ نفسه، فإن الكابوس الذي لا يترك القيادة الصينيه هو الخوف من ان يتفكك المظام مثلما حدث مع الاتحاد السوفيتي.

صحيح ان غزة والضفة الغربية ليست مستعمرة فيما وراء البحار، ولكن الوطن التاريخي الذي يقع في تواتصل مع الدولة الام هو بالضبط السبب في صعود الفاشية الدينية الاسرائيلية، وايدولوجية التفوق اليهودي التي ترافقها. بشكل عام لطالما كانت الامبراطوريات البرية – المانيا وروسيا والصين – ارضا خصبة للاستبداد والتفوق العرقي. ام الامبراطوريات البحرية – بريطانيا وفرنسا – فهي في جوهرها “ليبرالية” ومن خلالها انبثقت معظم الامم الحرة.

في اسرائيل يسود اليوم نظام لكولونيالية مستبدة. هذا النظام لفيه الفائز في الانتخابات يأخذ كل الصندوق. الحرب الخالدة هنا هي “عائد متزايد” من ناحية حكومة نتنياهو – وبذريعة كهذه هو ايضا من شأنه ان يمنع الانتخابات القادمة. ونظرا لان الديكتاتورية وتعميق الاحتلال – حيث حرب غزة هي سيتارة من الدخان والتي في ظلها اصبحت الضفة الغربية هي شرق منفلق العقال للتهجير والطرد – مرتبطتان احدهما بالاخر، فليس هنالك اي احتمال لانهاء الاحتلال بدون اخراج الحكومة الديكتاتورية من معادلة حياتنا.

غالبا الحروب تقود ايضا الى نتائج غير مقصودة وهذه ليست بالضرورة جميعها سلبية. عندما بدأت اسرائيل هجومها المضاد في غزة، فإنها لم تقدر بأن المنطقة ستتغير بهذه الصورة. الجيش الاسرائيلي كسر حلقة النار الاقليمية بقيادة ايران بوساطة نوع فريد من الحرب والذي هو حقا من المتميزين في هذا النوع: دمج مابين المخابرات وسلاح الجو بالتنوع المثير للانطباع لقدراتهما. بنا وبالولايات المتحدة يرتبط امر فيما اذا كانت القوى التي تدعو الى تسريع السباق نحو الاسلحة النووية او تلك التي تسعى الى المصالحة التكتيكية مع الغرب، سوف تنتصر في ضووء مفترق الطرق التي دفعنا ايران اليه في الحرب ضدها.

الاسرائيليون ايضا لم يخطر ببالهم ان حماس، العدو الايدولوجي لحل الدولتين ستكون هي من في نهاية المطاف ستخرج هذا الحل من هاوية النسيان وتضعه على رأس اجندة المجتمع الدولي. لقد اوضحت حرب غزة انه في غياب حل سياسي فإن الفلسطينيين سيواصلون الاحتفاظ بقدرة استراتيجية مجربة لكسر حلم السلام الاقليمي للاسرائيليين. 

نتيجة غير مقصورة اخرى لذه الحرب هي ان تحطيم القدرات العسكرية لحزب الله خلق الظروف للبنان لكي تعيد لنفسها سيادتها وتجرد حزب الله من سلاحه وتصبح دولة لديها حكومة واحدة وجيش واحد. ان احدا لم يتوقع سقوط نظام البعث في سوريا. اجل، لقد فتحت فتحة لسلام اسرائيلي في المشرق. هذه كلها فرص ولكنها معقدة وليست مؤكدة، والتب فقط حكومة جديدة، ستتحرر من الافتراض الذي لا اساس له بأن الحرب والسياسة هي دائما لعبة صفرية المجموع، ويمكنها ان تضعها في اختبار حقيقي.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى