ترجمات عبرية

هآرتس: جثث 80 مصرياً من الكوماندو يعلوها متنزه إسرائيلي

 آدم راز – هآرتس 8/7/2022

صفحتان في صحيفة “على الجرف”، وهي الصحيفة الناطقة باسم “كيبوتس نحشون”، أُلصقتا معاً في العدد رقم 60 الذي وزع على أعضاء الكنيست بعد انتهاء حرب الأيام الستة. وبعد أن نسخ سكان “الكيبوتس” الكراسات، قرر مصدر مجهول إسكات الأفكار التي أثارت الأعضاء فيما يتعلق بأراضي القرى الفلسطينية المجاورة، التي هرب وطرد سكانها، والذين تم تدمير بيوتهم من أساسها. “لقد تقرر” -كتب باختصار على بطاقة أرفقت بأحد الأعداد التي تم العثور عليها- “ألا نخرج أفكارنا على صفحات المجلة”.

سؤال “هل سنحرث جميع الأراضي التي لم يعد لها أصحاب”، لم يكن هو المعضلة الأخلاقية الوحيدة التي أشغلت أعضاء الكيبوتس في صيف 1967. هناك قضية لا تقل اشتعالاً عنها، وهي ماذا سنفعل بالقبر الجماعي الكبير الذي تم حفره في تلك الفترة تحت الأرض التي قام الكيبوتس بفلاحتها في المنطقة الحرام.

القلائل من أعضاء الكيبوتس وافقوا على التحدث عن ذلك. ليس واضحاً عدد الذين يعرفون القصة كاملة. من المحادثات التي أجراها “ملحق هآرتس” ومعهد “عكفوت” مؤخراً، يتبين أنه حتى جهات في المستويات العليا جداً في الحكومة والجيش لم تطلع على القصة كاملة، ضمن أمور أخرى، بسبب الرقابة المتشددة التي فرضت عليها لعشرات السنين. والآخرون، الذين عرفوا عن القضية، رفضوا التطرق لها ورفضوا السماح باقتباسهم.

أصبح من المسموح الآن الحديث عن دفن عشرات جنود الكوماندو المصريين الذين قتلوا في حرب الأيام الستة، في أراضي “كيبوتس نحشون”، أحدهم إلى جانب الآخر. وهم ما زالوا مدفونين هناك، كما يبدو تحت الساحة التي استخدمت منذ بداية القرن العشرين كمنطقة جذب للسياحة إلى “إسرائيل المصغرة”.

أول من حطم الصمت هو عضو “كيبوتس نحشون”، دان مئير، الذي توجه إلى وسائل الإعلام في التسعينيات. لم تسمح الرقابة في حينه بنشر أقواله. “أعرف أن هذه المعلومات تثير القشعريرة”، قال في حينه. “ليس سوياً أنهم ما زالوا مدفونين. وأننا حولنا هذه القطعة إلى منطقة زراعية تماماً. هذه القصة تؤلمه ولا تترك له أي مجال للراحة. لقد مرت تقريباً ثلاثين سنة على الحرب وأنا أشعر بحاجة إلى إزالة هذا العبء. أريد أن يعيدوا المصريين إلى وطنهم”. توفي مئير بعد ذلك، وتبين أنه ليس هو الوحيد الذي فكر بهذه الطريقة.

“كيبوتس نحشون” أقامه أعضاء “هشومير هتسعير” في 1950 على بعد مسافة قصيرة من دير اللطرون الذي أقيم في نهاية القرن التاسع عشر. في محيطه ثلاث قرى مأهولة، وهي: بيت نوبا، ويالو، وعمواس. والأخيرة (عواس) هي الأقرب من الكيبوتس ومن بؤر القتال القصيرة. وقد تم توثيق أحداث تلك الأيام في سجلات الحرب. في البداية، عُثر على قوة صغيرة من الفيلق الأردني في جيب اللطرون، الذي انضمت إليه قوة كوماندو مصرية من الكتيبة 33 من وحدة النخبة التي كانت تشمل نحو 100 جندي.

خططت القوة المصرية لاحتلال قواعد سلاح الجو في اللد وتل نوف والرملة. تمركزت أمامها قوات اللواء القطري 4 التابع للجيش والقليل من قوة “الناحل” وقوة دفاع من المستوطنات اليهودية. في اليوم الأول للحرب في 5 حزيران، أطلق المصريون قذائف الهاون بهذا الاتجاه. في اليوم الثاني، أمر قائد اللواء 4 موشيه يتباك باحتلال الجيب. تم احتلال شرطة اللطرون خلال ساعتين. وبعد بضع ساعات، كان سهل “ايالون” كله في يد الجيش الإسرائيلي. المقدم (احتياط) زئيف بلوخ، هو من مؤسسي “كيبوتس نحشون”. كان يقود المنطقة في الحرب، وبعد ذلك تم تعيينه حاكما عسكريا للخليل. في مذكراته، كتب بأن وحدة الكوماندو المصرية لم تكن محترفة، ولم يتم تزويد المقاتلين بخرائط حديثة. “من المهم إدراك عمق الاضطراب والصدمة والخوف التي كانت تحيق بهم. في ظل غياب قيادة منظمة لم يعرفوا قط أين هم موجودون… في الحقيقة، كان جنود الكوماندو ضائعين في المنطقة”، قال.

في 6 حزيران، اليوم الثاني للحرب، حدثت المواجهة الأولى مع المصريين. اختبأ جنود الكوماندو في حقول الشوك التي تحيط بالكيبوتس. نحو 25 جندياً مصرياً ماتوا في الحريق الذي اندلع في الحقول في إطار تطويق من قبل كتيبة المشاة التي كانت بقيادة المقدم يعقوب ميريا، وأيضاً نتيجة استخدام القنابل الفوسفورية. وحدثت تبادلات أخرى لإطلاق النار خلال اليوم، وأوصلت عدد القتلى في أوساط المصريين في اليوم التالي إلى نحو 80. الراهب جي خوري، من دير اللطرون، كتب في مذكراته عن جثامين جنود الكوماندو التي كانت “منثورة على طول الطريق”. بعض الجنود وقعوا أسرى بيد الجيش الإسرائيلي، وبعضهم اندمجوا في قافلة اللاجئين الضخمة التي خرجت من القرى الفلسطينية الثلاث المجاورة. بعد الظهر في 9 حزيران، في الوقت الذي واصل فيه جنود اللواء 4 الطريق إلى محور بيت حورون، وصلت إلى القسيمة 5 في “كيبوتس نحشون” قوة صغيرة من الجيش الإسرائيلي ترافقها جرافة. كانت القطعة محترقة كلياً بسبب الحريق الذي اندلع في الأيام الثلاثة الماضية. حفرت القوات قبراً في المكان بطول عشرين متراً. لم يتم أخذ أي علامات تشخيص من الجنود المصريين بحيث تمكن لاحقاً من تشخيصهم. أحد الجنود الذي وجد في المكان أحصى نحو 80 جثة. انتشرت شائعة في الكيبوتس تتحدث عن أحد أعضاء الكيبوتس الذي نزع ساعة ثمينة من يد أحد القتلى وبقي يلبسها حتى وفاته. عضو آخر من الكيبوتس قال لكاتب هذه السطور بأنه أخذ تذكاراً من أحد القتلى وهي بندقية كلاشينكوف.

الكراسة التي نشرت بعد سنة على الحرب باسم “الأيام الستة خاصتنا”، وهي محفوظة في متحف “كيبوتس نحشون”، تضم شهادة صادمة عن الدفن المرتجل. رامي يزراعيل، وهو عضو في الكيبوتس، كتب في الكراسة: “يبدو لي أنه بعد يومين على الحرب تم إدخالي للعمل مع آشر لفلاحة الأرض الحرام… عندما مررت قرب الشارع في الطريق إلى القسيمة رقم 5 شعرت بوجود رائحة كريهة من القبر الجماعي الكبير لرجال الكوماندو. ولأنني لم أتمكن من المواصلة بسبب الغثيان، فقد قررت فحص الأمر. اكتشفت أيادي وأرجلاً منفصلة للكوماندو المصريين، التي كما يبدو أصابتها العبوات الناسفة وتهشمت. قمت بدفنها بالمجرفة، لكن هذا لم ينفع، استمرت الرائحة. توجهت إلى القبر الجماعي الكبير، ويا للذعر! لقد برزت من هناك نصف جثة. غطيتها بسرعة”.

 مصدر عسكري كان على علم بهذا السر، اعترف في محادثة مع “ملحق هآرتس” بأنه هو الذي طلب حظر نشر القضية طوال السنين، لأن كشفها حسب قوله “كان يمكن أن يثير ضجة إقليمية”. وهكذا فإن مقالاً في “يديعوت أحرونوت” تعقب دفن الجنود المصريين، تم حفظه حتى في التسعينيات بتعليمات من الرقابة العسكرية. في المادة الخام التي بقيت منه، قال عضو الكيبوتس دان مئير بأنه في اليوم التالي لعملية الدفن شاهد كومة كبيرة من التراب. “لقد أدهشني أن الجيش لم يحدد القبر، وحتى أنه لم يضع لافتة صغيرة”، قال. في المقابل، عضو الكيبوتس ايلي بيلغ، يقول الآن بأن تم تحديد القبر بشكل مؤقت بواسطة قضيب حديد تم غرسه في الأرض وصمد سنة أو سنتين.

يوسف شرايبر المتوفى، وهو أحد أعضاء الكيبوتس، أضاف في المقال المحفوظ، وقال: “ما يؤلم أعضاء الكيبوتس أكثر هو أن “بارك كندا” أقيم على أراضي ثلاث قرى عربية تم تدميرها في الحرب وتم طرد سكانها. موضوع القبر الجماعي يقلقني أقل”. ولكن لم يكن لدى شرايبر أي أسئلة حول الأمر الصحيح الذي يجب فعله. “لا أشك بأنه يجب التوجه إلى الجيش الإسرائيلي ومحاولة إغلاق هذه القضية. أعتقد أنه يجب على كل واحد بذل ما في استطاعته لإعادة المصريين إلى وطنهم”.

ثمة أقوال مشابهة قالها بنيامين ناؤور المتوفى في حينه: “أنا على ثقة بأنه لو تم دفن يهود بهذه الصورة لوصل صراخنا إلى عنان السماء. ومن المحتمل أنه كان يجب على الجيش الإسرائيلي تحديد القبر وتسييجه، لكن هذا لم يحدث. كانت هناك حرب، وفي الحرب تحدث أمور غير سارة أحياناً. لا تنسى أن المصريين جاءوا إلى هنا من أجل قتلنا… لكنني رغم ذلك، لا أستبعد إمكانية وجود عائلات مصرية في الطرف الآخر ما زالت تثق بأنهم سيعيدون لها رفات أبنائها.

في حرب الأيام الستة وفي حرب الاستقلال أيضاً، ثمة سكان وجنود عرب ومقاتلون من دول عربية الذين قتلوا على حدود دولة إسرائيل كان قد تم دفنهم في المكان الذي أنهوا فيه حياتهم. وبعد حرب يوم الغفران وعند إنشاء منظومة منظمة انشغلت بالعثور على مفقودين، بدأوا في تنظيم تبادل الجثامين بين الطرفين.

كان لدفن الموتى خصائص مختلفة في كل موقع من مواقع القتال على مدى السنين. في حرب الاستقلال جرى دفن سكان فلسطينيين أو جنود عرب مرات كثيرة في الأماكن التي ماتوا فيها، أحياناً على يد جنود الهاغاناة أو جنود الجيش أو على يد الفلسطينيين الذين بقوا في المكان. كان الدفن جماعياً وبدون تحديد المكان أو جمع معلومات شخصية. تم في حالات قليلة جمع الجثث عام 1948 من قبل الصليب الأحمر. لا تدل القبور الجماعية بالضرورة على تاريخ ظلامي أو إخفاء، بل على الحرب التي تسببت بالقتلى. الأموات، سواء كانوا جنوداً قتلوا على مدخل “كيبوتس موشاف” أو مدينة، كان يجب دفنهم. عملياً، توجد داخل حدود إسرائيل قبور جماعية كثيرة من حرب الاستقلال، مثل القبر الجماعي في الطنطورة الذي كتب عنه هنا، لكن مؤخراً.

المصير نفسه كان لجثامين المتسللين، وهو مفهوم جمعت تحته الدولة آلاف الفلسطينيين الذين اجتازوا حدود الدولة وأرادوا العودة إلى أراضيهم وبيوتهم في الخمسينيات. وثيقة لقيادة المنطقة الوسطى في كانون الأول 1949، المكرسة لمعالجة جثامين المتسللين، أمرت بالتعامل مع الجثامين بإحدى الطرق التالية: إذا قتل المتسللون في مناطق لا يوجد فيها مواطنون عرب فإن “قائد الدورية أو الكمين هم المسؤولون عن الدفن الفوري للجثة في المكان الذي قتلت فيه. يتم دفن الجثة في الأرض وتغطى بالتراب. أما إذا كان المتسللون الذين اجتازوا حدود الدولة في منطقة المثلث فإن “الحاكم العسكري هو المسؤول عن إبعاد الجثة من مكان القتل وتسليمها إلى أبناء القرى العربية لدفنها”.

شهد عن هذا الواقع المخيف لاحقاً إسحق بونداك، قائد اللواء السادس في اللطرون في نهاية 1948:

“ذات يوم تم استدعائي إلى جبهة الوسط. في مكتب الجنرال تسفي ألون، وبحضور ضابط الاستخبارات بنيامين جبلي، أمرت بتصفية أي متسلل تصطدم به قواتنا، ثم ترك جثته على الأرض من أجل الردع كي يكون عبرة. كان هذا أمراً غير عادي. لا أتذكر أنه جرى أي نقاش قبل إعطاء الأمر، ولم يتم إصدار أي أمر خطي يقرر بأن علينا التصرف بهذا الشكل. عن سؤال لماذا لا يوجد أمر خطي، أكد الجنرال وضابط الاستخبارات بأنهما يتحدثان باسم رئيس الأركان. رويداً رويداً امتلأت الطرق بالجثث المنتفخة، في حرارة الصيف انبعثت رائحة كريهة، وفي الليل كانت فريسة للذئاب والطيور الجارحة. أسراب من الذباب حددت مكان الجثث النتنة التي انتشرت في المحيط ووصلت إلى مقراتنا، وبدأ الجنود يعانون من وجع رأس ودوار وتقيؤ وصعوبة في التنفس. أحد قادة الكتيبة، من الكتيبة 53 سابقاً، الذي شارك في الدفاع عن النقب وتضرر فصيله بشكل كبير، استيقظ وبادر، بدون أن يطلب المصادقة من قادته، فقام بتزويد جنوده بصفائح وقود سكبوها على الجثث وأحرقوها. خلال ساعات احترقت وانتشر الغبار في فضاء الوحدة”.

وجثث شهداء العدو دفنت في المنطقة التي قتلت فيها. في وثيقة عسكرية من شباط 1968 والتي خصصت لمسألة “العثور على قبور شهداء العدو” كتب: “تم تنفيذ نشاطات للعثور على قبور لشهداء العدو في وقت قريب من انتهاء حرب الأيام الستة. بالإجمال، تم العثور على سبعة تجمعات من قتلى العدو (عدد الشهداء غير معروف)، وهذه لا تشمل منطقة اللواء 80”.

إلى جانب السنين التي مرت، تغيرت الأرض في “كيبوتس نحشون”. تم حفر القبر الجماعي في القطعة رقم 5 قرب الحقل الذي أحرق فيه عشرات المقاتلين. بعد الحرب زرعوا القطعة. وفي 1983 زرع في المكان حقل لأشجار اللوز، بعد ذلك تم استبدال هذا الحقل بحقل للقمح، ومحصول يحل محل آخر، وفي التسعينيات تقرر تغيير استخدام الأرض وأقيم في المكان متنزه سياحي. منذ بداية العام 2002 يستخدم القسيمة 5 المتنزه السياحي الشعبي “ميني إسرائيل”.

زئيف بلوخ، أمين صندوق بلوم لتاريخ الصراع، كان موجوداً وقت دفن الجنود. كتب في 1968 باختصار: “بعد أسبوع على الحرب، وجدت جثثاً ملقاة على تلال اللطرون. أخذت مجرفة لدفن بعضها، وقام الرهبان بدفن جزء. قبل بضعة أسابيع، نجح مزود بصور للأقمار الاصطناعية، في العثور “بالحذر المطلوب” على القبر الجماعي، ومكانه -حسب تقديره- على المدخل الشرقي للمتنزه قرب شارع 424. تم دفن الجنود فيما يعتبر الآن هو حدود “ميني إسرائيل”، وغير بعيد عن الشارع الرئيسي، وأشار إلى المكان على الخارطة. أعضاء آخرون في الكيبوتس أكدوا التشخيص.

وأكد مصدر في الجيش الإسرائيلي مطلع على قضية المفقودين في محادثة مع “ملحق هآرتس” بأن رجال الوحدة المصرية ما زالوا مدفونين في المكان. وعلى حد علمه، لم يقدم في أي يوم طلب لإخراج الجثامين من القبور وإعادتها إلى وطنها.

لم يعد بلوخ يعيش في “كيبوتس نحشون”. وحسب قوله، إذا لم تكن هناك إمكانية لإعادة الجثث إلى دولتها فعلى الأقل هناك مكان لإقامة نصب تذكاري لهم. وقال إنه إذا كان هناك مصدر رسمي ما يريد البحث عن القبر بجدية فسيكون هو الشخص الذي يساعد في ذلك. حتى الآن لم يتوجه إليه أحد. ربما قد حان الوقت لذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى