هآرتس – تهديدات حماس تهز الفرضية الاسرائيلية بانها لا تريد المواجهة
هآرتس – بقلم عاموس هرئيل – 24/12/2021
” الخط الهجومي لقادة حماس يضاف الى التوتر المتزايد في السجون الاسرائيلية. في حين أن اسرائيل تركز على المحادثات النووية فانهم في الولايات المتحدة يراقبون ما يحدث في روسيا. هل ربما تكون الاجابة على المسألة الايرانية موجودة في الصين؟ “.
هل فرضية اسرائيل حول رغبة قيادة حماس في استمرار الهدوء في القطاع ما زالت قائمة؟ عدد من تصريحات كبار قادة المنظمة الفلسطينية مؤخرا يدل على أن الامر ربما يحتاج الى اعادة فحص للظروف السائدة على حدود القطاع. في مساء يوم الثلاثاء اعلنت حماس بأنها مستعدة لتثبيت “معادلة” جديدة امام اسرائيل بسبب الاحداث الاخيرة في السجون في البلاد.
الاجواء السائدة في مرافق السجون تتصاعد على خلفية الخطوات التي قامت بها مصلحة السجون في اعقاب الفوضى التي تم الكشف عنها في قضية هرب السجناء من سجن جلبوع. في سجن الدامون حدثت حادثة استثنائية عندما قالت سجينات فلسطينيات بأن السجانين قاموا باجراء تفتيشات عنيفة في غرفهن في محاولة للعثور على هواتف محمولة. في وسائل الاعلام الفلسطينية نشر ايضا بأن السجينات فرض عليهن رفع الحجاب، وهذا التقرير اثار الاضطرابات في المناطق. هذه الامور وصلت الى الذروة عندما قام ناشط من حماس بطعن سجان في سجن نفحة واصابه باصابة طفيفة. مصادر في مصلحة السجون قالت إنه سبقت عملية الطعن تحذيرات استخبارية كثيرة حول حالات متوقعة لسجناء للمس بالسجانين. ربما أن عملية الطعن نبعت من عدم الحرص على تطبيق اجراءات الامان (ارتداء وسائل الحماية والدخول الى الاقسام فقط بشكل زوجي).
المصطلحات واللهجة التي تستخدمها حماس تذكر بالايام التي سبقت التصعيد الاخير في المناطق على خلفية عملية حارس الاسوار في شهر ايار الماضي. في حينه اختارت قيادة حماس في القطاع أن تلقي بنفسها داخل التوتر الذي ازداد في الحرم وفي منطقة باب العامود في البلدة القديمة. وقامت بنثر التهديدات وفي نهاية المطاف قررت اطلاق الصواريخ من غزة نحو القدس. النتيجة كانت رد اسرائيلي شديد، وفي اعقابه جولة القتال الاكثر خطورة في القطاع منذ عملية الجرف الصامد في صيف 2014. في هذه المرة قالت حماس بأنها لن تتردد في العمل مثلما فعلت في شهر ايار وأن ظروف السجناء هي اعتبار مهم جدا بالنسبة لها لا يقل عن الوضع في القدس.
وقد سمعت تهديدات اخرى مؤخرا حول زيارة وفد المخابرات المصري في القطاع. مصر تحاول تحقيق ثلاثة امور، مشاريع لاعادة اعمار القطاع ومفاوضات عملية حول صفقة الاسرى والمفقودين وهدوء طويل المدى. والفجوة بين مواقف الطرفين حول الصفقة تصعب على تحقيق الهدفين الاخيرين. في هذه الاثناء يبدو أنه يوجد لحكومة بينيت – لبيد هامش مناورة ضيق من اجل التوصل لصفقة. لا يوجد في اوساط الجمهور الاسرائيلي ضغط حقيقي لاعادة المواطنين وجثث الجنديين التي تحتجزها حماس في غزة. ولا يوجد دعم حقيقي لدفع الثمن الباهظ الذي تطلبه حماس وهو اطلاق سراح مئات السجناء، ومن بينهم اشخاص قاموا بقتل اسرائيليين.
حماس تهدد بسبب تراكم مواضيع مشتعلة من ناحيتها مثل تجميد المفاوضات حول الصفقة؛ ادعاءات السجناء المسجونين في اسرائيل؛ التنفيذ البطيء لعملية اعادة الاعمار؛ بدء فصل الشتاء في غزة الذي يتوقع أن يجلب معه الفياضانات الشديدة وتشويش تزويد الكهرباء؛ ايضا الخوف من تفشي جديد لوباء الكورونا بسبب وصول السلالة الجديدة للمنطقة. قادة حماس قالوا للوسطاء المصريين بأنهم كانوا يريدون زيادة عدد العمال المسموح لهم العمل في اسرائيل. الحكومة صادقت بشكل استثنائي على 10 آلاف عامل من القطاع للعمل داخل حدود الخط الاخضر. وفي حماس يريدون ثلاثة اضعاف هذا العدد على الاقل.
التهديدات الاخيرة يتم تفسيرها في اسرائيل كدليل على ضائقة محددة لحماس، لكن اضافة اليها ايضا الشعور بالقوة لدى قيادة حماس. من ناحيتها هي انتصرت في عملية “حارس الاسوار” وهي لا تخاف المخاطرة باندلاعات جديدة. حماس اتبعت تكتيك مشابه في السابق عندما فعليا كانت تأمل الاكتفاء بالتصعيد المحسوب الذي سيجبر اسرائيل على تقديم بادرات حسن نية اقتصادية ومدنية. ولكن سيطرتها على ما يجري بعيدة عن أن تكون كاملة. واذا اطلقت حماس العنان، على سبيل المثال، لاحد الفصائل المارقة باطلاق صاروخ أو صاروخين على غلاف غزة فانه تصعب معرفة اذا كان الامر سينتهي بذلك.
في الخلفية يشتعل مجددا ايضا التوتر بين حماس والسلطة الفلسطينية، التي تظهر ضعف بارز في الضفة الغربية. في حين أن حماس والجهاد تزيدان العمليات ضد الاسرائيليين. هذه العمليات تضعف سيطرة السلطة الفلسطينية على الارض وتقلل من التعاطف معها، المتهمة بالفساد والتعاون مع اسرائيل. مؤخرا نشر في وسائل الاعلام الفلسطينية بأن اسرائيل نقلت تهديدات لحماس بواسطة مصر تفيد بأنه اذا لم توقف تدخل قيادة المنظمة في تركيا وفي لبنان في توجيه عمليات في الضفة الغربية فان اسرائيل ستقوم باغتيال القائد الكبير في حماس، صالح العاروري، الذي يتنقل بين هاتين الدولتين. يبدو أن هذه التهديدات زادت من عصبية حماس وساهمت في تشدد نغمة حماس تجاه اسرائيل.
بالنسبة للمواجهة الفلسطينية الداخلية هي تنزلق الى جنوب لبنان، في اعقاب الانفجار الغامض في الاسبوع الماضي في مخزن سلاح تابع لحماس يوجد تحت مسجد في مخيم للاجئين في مدينة صور، اندلع تبادل لاطلاق النار في جنازة عضو حماس الذي قتل في الحادثة. في هذه الحادثة قتل ثلاثة فلسطينيين واصيب عدد من الاشخاص من فتح ومن حماس. أحد المصابين هو شخصية رفيعة في حماس وهو زاهر جبارين، المسؤول عن ملف سجناء حماس.
مطر من الدولارات
المحادثات النووية في فيينا بين ايران والدول العظمى تقترب مما تسميه مصادر سياسية في القدس، التي تحب اللغة الانجليزية بدرجة لا تقل عن نظرائهم في الحكومة السابقة، بـ “وقت المال”. هذا المصطلح له علاقة بالمعنى الاصلي وهو وقت الحسم. ولكن ايضا بسبب أنه على الطاولة يوجد الكثير جدا من الاموال. اسرائيل تحذر الولايات المتحدة من أن رفع العقوبات مقابل تنازلات ايرانية سينزل امطار من الدولارات على رؤوس حرس الثورة الايراني، التي بدورها ستصل الى التنظيمات الارهابية والعصابات في ارجاء المنطقة، من بينها حزب الله المحتاج جدا الى المساعدة الاقتصادية.
جايك ساليبان، مستشار الامن القومي للرئيس جو بايدن، قام في هذا الاسبوع بزيارة خاطفة في البلاد. في مقابلة مع يونتان ليس في صحيفة “هآرتس” أول أمس قال ساليبان بأن الولايات المتحدة حددت خط نهاية لاجمال المفاوضات مع طهران، التي ستبدأ خلال اسبوعين. مصادر امريكية رفيعة تحدثت مؤخرا عن بضعة اشهر. ساليبان التقى هنا مع رئيس الحكومة نفتالي بينيت ومع المستوى السياسي والامني. قادة اسرائيل وجهوا انتقاد كالعادة لسلوك الدول العظمى خلال المفاوضات.
في اسرائيل يتفاجأون في كل مرة من جديد من نجاح ايران، مع اوراق يعتقد بينيت ووزير الدفاع بني غانتس أنها بعيدة جدا عن أن تكون تحذيرية، في الحفاظ على خط متصلب في المفاوضات. رغم الازمة الداخلية غير المسبوقة تقريبا، فقط في الاسبوع الماضي نشرت في الصحف الامريكية مقالات عن صعوبات كبيرة في توفير المياه وعن هجرة مكثفة من الدولة، إلا أنه يظهر في اسرائيل بأن ايران هي التي تملي منحى المفاوضات.
مع ذلك، في اسرائيل يعترفون بأن درجة التأثير المحتملة على مواقف الولايات المتحدة والدول العظمى في المفاوضات محدودة. والاكثر من ذلك هو أن جدول ادارة بايدن تغير بحيث اصبح لا يعمل لصالح اسرائيل. وقد اضيف الآن لسلسلة المواضيع الدولية التي توجد على جدول اعمال الرئيس، ازمة المناخ والكورونا والمنافسة مع الصين، موضوع ملح آخر وهو المواجهة المتصاعدة بين روسيا واوكرانيا. في واشنطن لا يستبعدون احتمالية أن يشعل الرئيس الروسي، فلادمير بوتين، حرب مع اوكرانيا. الجهود لكبح خطوات بوتين تحتل الآن مكان رئيسي في جدول اعمال الادارة الامريكية.
في هذه الاثناء يتواصل السيل الزائد للتصريحات الهجومية من قبل شخصيات رفيعة حول احتمالية (غير منطقية كليا، مثلما كتب هنا في السابق) مهاجمة قريبة للمنشآت النووية. آخر من وقع في هذا الشرك في هذا الاسبوع هو رئيس قسم التخطيط في هيئة الاركان، الجنرال تومر بار، الذي في العنوان الرئيسي في “يديعوت احرونوت” صرح بأنه “لا يوجد وضع سنعمل فيه في ايران ولن ننفذ فيه المهمة”. بار، الذي سيتولى في السنة القادمة منصب قائد سلاح الجو، بالتأكيد سيستخدم هذا المنصب للقيام بعمل لا يقل جودة عن اسلافه المتميزين. ولكن الطيارين ايضا بحاجة الى التوجيه الاعلامي المناسب. هذه العناوين لا تساهم أبدا في الجهود السياسية لاسرائيل وتعتبر حتى من ناحية ايران تبجح فارغ. وحتى بينيت، الذي تفاجأ من العنوان أول أمس، يعتقد ذلك.
ما هو الهدف
في اسرائيل يأملون أن تمترس ايران سيقود لاحقا الى استعداد الولايات المتحدة لفرض عقوبات شديدة. الدكتور اودي ليفي، الذي شغل في السابق منصب رفيع في الموساد وكان رئيس الطاقم الاسرائيلي الذي تولى المكافحة المالية لايران والتنظيمات الارهابية، غير متفائل. ففي مقال نشره في هذا الاسبوع في موقع معهد القدس للاستراتيجية والامن، كتب ليفي بأنه رغم الوضع الاقتصادي الصعب في ايران إلا أن العقوبات الدولية لم تنجح في أن تفرض عليها أي تنازل فيما يتعلق بالمشروع النووي.
حسب قوله، حتى الآن لم يتم تحديد هدف العقوبات – اسقاط النظام أو استخدام الضغط الذي تكون في نهايته تنازلات ايرانية في المفاوضات. ليفي يقدر بأن هناك انخفاض في القدرة على تطبيق العقوبات وأن هذه العقوبات تفقد نجاعتها. ازاء التوتر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا تحولت الصين الى حبل النجاة لايران في محاربتها للعقوبات. زعماء ايران، كتب ليفي، تعلموا ملاءمة انفسهم مع نظام العقوبات عن طريق بناء “اقتصاد داخل اقتصاد”. في حين أن الدولة والمجتمع في ايران يعانيان من العقوبات فان حرس الثورة يزدهر ويخصص لاحتياجاته جزء كبير من القدرات المتضائلة للاقتصاد المحلي.
ليفي قال للصحيفة بأنه حسب تقديره فانه لا توجد احتمالية كبيرة لأن تستجيب الولايات المتحدة لاقتراح اسرائيل فرض المزيد من العقوبات. وهو يوصي الادارة الامريكية بتركيز نشاطها على العقوبات الاقتصادية الشخصية، ضد شخصيات رفيعة في النظام وفي حرس الثورة. ولكن حسب قوله فان عقب اخيل المعركة الامريكية بقي الازمة مع روسيا والصين التي لا تسمح الآن باجراء تنسيق في السياسات الدولية ضد طهران. بالضبط هنا هو يجد مصدر لحل محتمل: ليفي يقول بأنه ربما أن الامريكيين والصينيين سيصلون في نهاية الامر الى حل وسط في الصراع الاقتصادي الذي يديرونه ضد بعضهما، وأنه في هذه الظروف ستكون بجين مستعدة للتضحية بعلاقاتها مع ايران.



