هآرتس: تصعيد في الحرب على الرواية
هآرتس 10/4/2026، عاموس هرئيل: تصعيد في الحرب على الرواية
بعد مرور يومين على دخول وقف اطلاق النار في الخليج الى حيز التنفيذ، بالكاد بدأت صورة الحرب تتضح. ما زالت التفاهمات التي سمحت بوقف القتال محل تفسيرات متضاربة. ويتوقع ان تبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران اليوم في اسلام أباد. ويهدد استمرار القتال في لبنان، الجبهة الثانوية في الحملة، بقاء الاتفاق برمته.
لقد حصل مواطنو إسرائيل وايران ودول الخليج على فترة راحة من القصف، ويرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اشعل فتيل الحرب، إشارات واضحة حول نية انهاءها. يبدو ان ترامب قد سئم من كل الوضع، وهو مستعد بقدر استطاعته لتقليص تدخله في المنطقة طالما انه يستطيع الاستمرار في تصوير معركة الأربعين يوم على انها انتصار باهر، بغض النظر عما حدث بالفعل.
ان الطريقة التي سوقت فيها الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي الحرب للمواطنين، في بدايتها وخلالها وفي نهايتها، هي طريقة مضللة الى حد ما. أولا، تبين ان الحملة العسكرية لم تكن في الواقع بين إسرائيل والولايات المتحدة على قدم المساواة، بل قادها الأمريكيين، في حين كانت إسرائيل بمثابة مقاول ثانوي متحمس. ثانيا، كان هناك تباين كبير، يكاد يكون من المستحيل تجاوزه، بين نهج حكومة الدولتين والأجهزة الأمنية فيهما.
عندما تتفاخر إسرائيل بحجم الهجمات فانه يجدر معرفة كيف كانت تبدو الأمور على خرائط الحرب: غارات أمريكية كثيفة على ايران، بينما ركزت إسرائيل على احداث في طهران ومحيطها، وضربت منصات اطلاق الصواريخ في غرب ووسط ايران. أيضا طريقة إحصاء الأهداف مختلفة أيضا. فقد احصت الولايات المتحدة المجمعات العسكرية والصناعة التي تمت مهاجمتها، بينما قام الجيش الإسرائيلي بتحديد الأهداف التي تم القاء القنابل عليها، حتى أن احد المجمعات وصف أحيانا بانه يشمل عشرة اهداف.
ينظر الضباط الامريكيون الى مهماتهم بشكل يختلف عن نظرائهم الإسرائيليين. فقد ركزوا على الجوانب العسكرية وتركوا تخطيط الحملة لرجال الدولة، لا سيما في ظل الشك الكبير الذي اثاروه مسبقا حول وهم ترامب في اسقاط النظام اثناء الحرب. شملت خطة الحرب الأمريكية خمسة مراحل، لم ينفذ منها الا مرحلتين: تقويض النظام بموجة الاغتيالات والهجمات في الساعات المئة الأولى (حيث لعبت إسرائيل دور محوري فيها)، وتحقيق التفوق الجوي واستغلاله، وضمان التفوق البحري (اختراق مضيق هرمز، الذي كان من المقرر تنفيذه في بداية الشهر الثاني، وتاخر بسبب انذار ترامب الذي تم تمديده)، والتصعيد (المرحلة التي تم التخطيط لها بعد الإنذار والتي كان من المفروض ان تشمل قصف كثيف، وأخيرا مرحلة الاستقرار.
توقفت الحرب بالفعل في المرحلة الثانية بعد ان اغلق الحرس الثوري مضيق هرمز بقوة عسكرية صغيرة. لم يحدث ذلك على الفور، لكن طهران اعتبرت ان هذه الطريقة نجحت. فقد اهتزت الأسواق وقطعت امدادات الطاقة وترامب تعرض للضغوط. وقد تبين ان اغلاق المضيق كان الخطوة الانجح للايرانيين في الحرب. ويؤمن الاتحاد الأوروبي بان الازمة الاقتصادية العالمية الوشيكة دفعت ترامب الى اعلان وقف اطلاق النار. ومن الاعتبارات الأخرى الخوف من تاثير الخسائر في صفوف الجنود على الراي العام تجاه الحرب اذا تقرر تنفيذ عملية برية.
ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” في هذا الأسبوع ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الموساد دافيد برنياع زرعا في عقل ترامب أمل بتغيير سريع للنظام اثناء الحرب. وبعد نجاح الاغتيالات في الـ 24 ساعة الأولى سادت حالة نشوة في هيئة الأركان العامة والاستخبارات العسكرية. وفجأة ظهر ان التغيير ممكن. وعندما هدات الأمور بعد بضعة أيام تبين أن هذا أمل مزيف. فالنظام ما زال قائما ويواصل اصدار الأوامر. وذكرت وسائل الاعلام الامريكية بان ترامب قلص أو رفض الخطط العملياتية الإسرائيلية، بما في ذلك تشجيع المليشيات الكردية في العراق على دخول القتال في ايران.
ان انهاء الحرب عند هذه النقطة سيجعل إسرائيل بعيدة جدا عن تحقيق أهدافها المعلنة منذ بداية الحملة في 28 شباط الماضي. في محادثات جانبية جرت في ذلك اليوم عرض نتنياهو ثلاثة اهداف للحرب: القضاء على التهديد النووي وتدمير الصواريخ البالستية واسقاط النظام في ايران. وبعد يومين صرح وقال: “لقد بدأنا هذه الحملة لصد محاولة استئناف التهديد الوجودي. وبدأناها أيضا من اجل خلق الظروف المناسبة للشعب الإيراني الشجاع للتخلص من نير الاستبداد”.
لا يمكن لإسرائيل ان تدعي بانها قامت بتفكيك بشكل منهجي وواشع قدرات ايران في مجال الدفاع والهجوم والصناعات الأمنية. مع ذلك، المشكلات الأساسية التي واجهتها لم يتم حلها. فالتهديد النووي لم يتلاشى. وقد استمرت ايران في اطلاق الصواريخ البالستة على إسرائيل وعلى الدور المجاورة حتى وقف اطلاق النار. وربما الأسوأ من كل ذلك هو استقرار النظام في طهران في الوقت الحالي.
إضافة الى الثمن الباهظ، الذي دفعته الجبهة الداخلية بالارواح والاضرار الاقتصادية، يتضاءل امام مشكلة أخرى مهمة جدا وهي علاقة إسرائيل مع الولايات المتحدة. وتشكل الاستطلاعات المقلقة والتحقيق المفصل الذي نشرته “نيويورك تايمز” حول تاثير نتنياهو على ترامب قبيل الحرب، ضربة قوية لمكانة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي. وانهاء الحرب الان بدون تكبد الولايات المتحدة خسائر كبيرة يمكن ان يخفف من شدة الضرر ولو بشكل جزئي.



