هآرتس: ترحيل عرب عين العوجا

هآرتس 12/1/2026، متان غولان: ترحيل عرب عين العوجا
أصوات آلات لحم المعادن استمرت في راس عين العوجا حتى حلول الظلام. وبدأت عائلات كثيرة في حزم امتعتها استعدادا لمغادرة بيوتها بسبب تفاقم المضايقات التي يتعرضون لها من البؤر الاستيطانية الكبيرة. بعد ظهر يوم السبت باع يوسف قطيع اغنامه وقام جيرانه بتفكيك الحظيرة، وقام آخرون بتفكيك المنزل. في نفس الوقت تم استدعاء نشطاء من اليسار الى الموقع لتوفير بعض الحماية للسكان اثناء استكمال عملية الرحيل.
لقد انفجر احد الأشخاص في الموقع بالبكاء قرب الشاحنة المحملة بمحتويات بيته. جاره حسني قال: “هذه نكبة أخرى. كل واحد يذهب الى منطقة مختلفة، البعض الى العوجا، البعض الى اريحا، البعض الى الطيبة والبعض الى جنوب جبل الخليل. نحن عشنا هنا أربعين سنة بعد اجبارنا على مغادرة مسافر يطا في 1967، لكن أينما سنذهب سيلاحقوننا، حسب ما قاله لنا المستوطنون”.
قطيع الأغنام الذي يعود للعائلة تم تحميله في شاحنة من طابقين – الأمهات في الطابق الأول والحملان في الطابق الثاني. حسني قال وهو يشير نحو الغرب: “لقد كنا ناخذ الأغنام بعيدا الى الجبال”. ومنذ بداية الحرب منعهم المستوطنون من الخروج الى المراعي واضطروا الى شراء الاعلاف باموالهم الخاصة، فضلا عن الخوف من جيرانهم في البؤرة الاستيطانية القريبة. ويقول سكان راس عين العوجا بانه لا يمكنهم الاستمرار في العيش بهذا الشكل من ناحية اقتصادية. وقال احدهم: “لا يوجد لنا مستقبل”.
المستوطنون الذين مروا قرب بيته في هذا الأسبوع قالوا له: “لقد هزمناكم”. وحسب قوله فان السكان عرفوا ان الاخلاء سياتي. “انها نفس مجموعة المستوطنين الذين يعملون وفق خطة محكمة. الحكومة تدعمهم وكذلك الجيش والشرطة. في كل مرة يستهدفون تجمع سكاني مختلف ويجبرونه على المغادرة، بعد ذلك يستولون على الأرض التي كان يعيش فيها”، قال وأضاف. “في نهاية المطاف لا يهمهم الاعلام أو الضغط الدولي. فهم ينجحون. بعد ان قطعوا عنا سبل العيش ومنعونا من كسب رزقنا، لم يبق امامنا خيار. هل هذه هي الديمقراطية التي يتفاخرون بها؟”.
التجمع مقسم الى عدة اقسام، على بعد مئات الأمتار من التجمع الشمالي الغربي اقام المستوطنون بؤرة استيطانية جديدة في ربيع 2024، مزود بقطيع من الابل والاغنام. قبل أسبوع ونصف اقام المستوطنون امتداد للبؤرة قرب بيوت السكان. مع ذلك، لم تقرر كل العائلات في القرية المغادرة، اذ اظهر بعضهم الرغبة في البقاء. وشاهدوا جيرانهم وهم يحزمون امتعتهم. اول امس في المساء عادت قطعان المستوطنين للتجول في المناطق المحيطة بالتجمع.
نشطاء اليسار وفروا في هذا الأسبوع، للمرة الأولى، نوبات حراسة للحماية في كل ارجاء القرية طوال ساعات اليوم، سواء من اجل ابعاد قطعان المستوطنين عن المناطق المحيطة بالبيوت أو من اجل اتاحة الفرصة للرجال الذي عملوا 12 ساعة في تفكيك المباني من اجل الاستراحة استعدادا لليوم التالي. وبعد ان تم وقف قطيع احد المستوطنين في القرية استدعي النشطاء لابعاده. وقد سال الأولاد احد النشطاء الذي اصبح بمثابة احد أفراد العائلة في القرية ما اذا كان قد احضر في سيارته كرات قدم في هذه المرة. وقال لهم انه لم يفعل ذلك في هذه المرة.
“هذا امر مفجع حقا”، قال امير بنسكي وعيونه تلمع، وهو من منظمة “النظر مباشرة في عين الاحتلال”. “هذه ليست اول عملية ترحيل اشاهدها، لكنها الافظع على الاطلاق. هؤلاء أناس عشنا معهم هنا ثلاث سنوات. نحن نعرف العائلات والآباء. هذا امر جنوني بكل معنى الكلمة”.
بنسكي قال انه في حين ان الدولة يمكنها اخلاء القرية بصورة رسمية ودفع الثمن، الا انها تختبيء وراء فتيان أبناء 13، الذين ينفذون المهمة نيابة عنها. “يحتاج الرجال الذين هم في اوج قوتهم الى نشطاء أبناء 60 او شباب أبناء 20 لحمايتهم من الرعاة الذين ترسلهم المجالس الإقليمية والهيئات في الصهيونية الدينية”، قال. “هذه ابشع عملية تطهير عرقي يمكن تنفيذها”.
على احبال الغسيل وعلى الجدران المعدنية في كل بيت تتدلى الملابس النظيفة، استعدادا للرحيل ومواجهة المجهول. لقد وقفت امرأة ترتدي ثوب متسخ على مدخل منزلها الصفيحي، بينما كان أولادها يقفزون فوق الاريكة البالية. وقد قالت: “زوجي يذهب الى العمل وانا ابقى مع الصغار. في البداية اقمنا سياج حول البيت، ولكننا اضفنا البوابات بسبب المستوطنين. هم يتسكعون هنا طوال الوقت ويدخلون أحيانا. كنا نامل ان يرحلوا هم وليس نحن. هذه منطقة جيدة ويصعب ترك ارض كهذه”.
المجمع الغربي للتجمع تم اخلاءه في يوم الخميس. لم يبق فيه سوى عدد قليل من الكلاب المذعورة، ولم يبق سوى القليل من الأنقاض. في الحقل المحروث حيث كان الأولاد يلعبون كرة القدم لم يبق سوى كرة صفراء واحدة. احد المستوطنين وصل مع قطيعه وتجول بين انقاض الحي المهجور.
مع غروب شمس امس عبرت قطعان المستوطنين القرية. ورسم فتى ملثم من شبيبة التلال علامة “في” باصابعه قرب انقاض البيوت، وبجانبه كان رجال البؤرة الاستيطانية يتجولون بابتسامة متوترة تعلو وجوههم. وأشار سائق سيارة دورية تابعة للجيش الإسرائيلي للمراسليم باشارة ثلاثة أصابع. وفي البيت المقابل كانت فتاة صغيرة ترتدي بدلة رياضية بلون وردي، تتفحص الأغراض المرمية على الأرض وهي تستعد لمغادرة المكان الذي كان ذات يوم بيتها.



