هآرتس: ترامب يبدو متحمسا أقل للمعركة، لكنه كفيل بفتحها مع ذلك
هآرتس 27/2/2026، عاموس هرئيل: ترامب يبدو متحمسا أقل للمعركة، لكنه كفيل بفتحها مع ذلك
خلال ولايته الحالية كرئيس للولايات المتحدة يظهر دونالد ترامب علنا بشكل يومي – في خطابات ومؤتمرات صحفية ومقابلات مع وسائل الاعلام. وبناء على لغة جسده، فضلا عن طريقة حديثه عن الازمة مع ايران في الفترة الأخيرة، يبدو ان ترامب غير متحمس للهجوم. قد يضطر الى اتخاذ اجراء عسكري، وربما في القريب. من المؤكد ان المستوى الأمني في إسرائيل يستعد لهذا الامر ويضع نفسه في حالة تاهب قصوى. مع ذلك فانه يبدو ان الرئيس يصرخ باعلى صوته: لا تسقطوا في هذا الشرك.
ان الدخول الى حرب كبيرة، وربما طويلة، في الشرق الأوسط يتعارض مع غرائز ترامب وكل ما بشر به لسنوات. فقد اعتبر الولايات المتحدة متورطة في حروب طويلة ومكلفة في دول كثيرة، في فيتنام في الستينيات وفي أفغانستان والعراق في بداية هذا القرن. دائما فضل ترامب الحلول الحادة والسريعة، التي تسمح له بإعلان النصر والحصول على الثناء والتقدير. الشيء الوحيد الذي يقل عن معدل تاييد الأمريكيين للرئيس الحالي – حتى بعد الأداء المعقول والمنضبط له بدرجة معينة حسب رأيه في خطابه السنوي عن وضع الأمة امام الكونغرس – هو نسبة الأمريكيين الذين يؤيدون الحرب ضد ايران. فمعظمهم لا يعرفون حقيقة الامر، وهم يهتمون اكثر بتكلفة المعيشة والفوضى الداخلية.
ربما ذلك يفسر عدم رغبة ترامب الواضحة في الحديث عن الحرب، وتاجيله المتكرر لها. فقد ترك ترامب مرارا وتكرارا، مؤخرا، فرصة صغيرة للايرانيين من اجل التراجع والموافقة على حل وسط بشان اتفاق نووي جديد، وبالتالي، تجنيب النظام خطر يهدد بقاءه. وقد اعترف مبعوثه ستيف ويتكوف في هذا الأسبوع بان الرئيس “يرغب في معرفة” سبب عدم قبول القيادة في ايران لاقتراحاته.
الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي امتنع حتى الان عن استخدام سلطته، ليس فقط لاسباب أيديولوجية، بل أيضا من نظرة استراتيجية. فهو يعتبر ان استسلام ايران وخضوعها لن يؤدي الا الى مزيد من الضغط والمطالبة بتنازلات إضافية. مع ذلك يرى بعض الخبراء بانه يوجد هناك مجال لاتفاق محتمل. وقد أعربت تصريحات كثيرة لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى عن استعدادهم لمنح الإيرانيين الحق، مبدئيا، في تخصيب اليورانيوم بمستوى متدني، تحت رقابة دولية خارج البلاد، وربما حتى على الأراضي الإيرانية. ان موافقة ايران على هذا الترتيب الذي نوقش امس في جولة محادثات أخرى في جنيف، قد تمهد الطريق لاتفاق نووي جديد يخفف من شدة العقوبات ويدعم جهود النظام للبقاء في السلطة. وبدون هذا الاتفاق سيجد ترامب صعوبة في عرض إنجازاته. وقد يجد نفسه ملزم بعملية عسكرية، رغم افتقاره للدعم الداخلي وانتقاد معظم الدول العربية التي تخشى من اندلاع حرب إقليمية جديدة.
حسب التقارير من جنيف امس يبدو ان الإيرانيين فهموا ان عليهم طرح في هذه المرة مواقف واضحة اكثر. وتتمثل العقبة الرئيسية في مسالة اخراج احتياطي اليورانيوم المخصب. وخلافا للطلبات الإسرائيلية من الولايات المتحدة – على الأقل في هذه المرحلة – فان النقاش يركز على الملف النووي، وليس قضايا ثانوية بالنسبة لترامب مثل برنامج الصواريخ البالستية ومساعدة ايران للتنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط. وهذا بالطبع يعتبر حكمة بعد فوات الأوان، لكن ربما كان على ترامب الاستعداد للتحرك قبل نحو شهر ونصف، على الفور بعد التقارير الأولى عن المذابح الجماعية التي ارتكبها النظام ضد المتظاهرين. وقد الغى الرئيس الهجوم المقرر في 14 كانون الثاني لسببين: إعطاء المزيد من الوقت للمفاوضات، والحاجة الى حشد المزيد من القوات العسكرية في الخليج الفارسي ومنطقة الشرق الأوسط. ومنذ ذلك الحين احتمل حشد القوات، لكن الزخم فقد كليا. في هذا الأسبوع جرت محاولة لاعادة احياء الاحتجاجات في ارجاء ايران بعد مرور أربعين يوم على مذبحة المتظاهرين، ولكن حسب المعلومات المحدودة والمنشورة في ظل التعتيم الذي يفرضه النظام فما زالت المظاهرات محصورة بدرجة كبيرة في الجامعات، ولا تجذب معها الجمهور. ولا يصعب فهم سبب ذلك. فقد أعاد النظام بالقمع الوحشي في الشهر الماضي الخوف الى الشارع. ويأمل المتظاهرون ان يخرج هجوم جوي امريكي واسع النطاق الجمهور من جديد ويعرض النظام للخطر. ولكن ذلك يبقى احتمال نظري ويعتمد بالطبع على قرار ترامب.
لقد حشد الامريكيون بالفعل حاملات طائرات ومدمرات وطائرات قتالية ومسيرات على نطاق يشبه بدرجة كبيرة حرب الخليج. ولكن يجب التمييز هنا بين عنصرين من عناصر قوتهم العسكرية. فعدد السلاح يتيح لهم خيارات واسعة للرد بسيناريوهات مختلفة. اما نقطة الضعف فتكمن في حجم الاحتياطي في المنطقة، دفاع وهجوم، وهذا الاحتياطي هو الذي يضمن للولايات المتحدة هامش المناورة المطلوب لحرب طويلة الأمد. في الوقت الحالي لا يوجد ما يضمن قدرة الأمريكيين على تحقيق النصر الحاسم بواسطة حملة قصيرة. هذه كانت الخلفية التي استندت اليها التقارير التي نشرت في هذا الأسبوع حول تحذير رئيس هيئة الأركان الامريكية، الجنرال دان كين. رئيس الأركان الأمريكي، وهو طيار مقاتل سابق، يظهر قلقه من حجم الترسانة الهجومية المطلوبة لحرب طويلة مع ايران. أيضا مخزون صواريخ الاعتراض الامريكية التي من المفروض ان تساهم في الدفاع عن إسرائيل والقواعد العسكرية الامريكية في الشرق الأوسط، محدودة النطاق. ويطلب من كين دائما تبني رؤية اكثر شمولية في مواجهة ما يعتبره البنتاغون التهديد الاستراتيجي الأول، وهو الصراع على النفوذ مع الصين.
من الملفت للنظر هو ان إسرائيل نادرا ما تتطرق الى التحدث عن الازمة الإيرانية. فقد وجه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تهديد عام ومكرر لطهران، وحذر مما سيحدث اذا تجرأت على الهجوم. إضافة الى ذلك يفرض نتنياهو التزام مفاجيء بالصمت على الوزراء. أيضا قادة الجيش يحذرون جدا في اصدار التصريحات. لا فائدة من الكلام المثير لتخوفات الجمهور فقط، لكن ما زال هناك غياب لعنصر الحوار بين قيادة الجبهة الداخلية والمواطنين. حتى الآن لم يتم تحديد أي سيناريو لنا يجب ان ناخذ تحقيقه في الحسبان.
المحور الجديد
بعد المذبحة في غلاف غزة في 7 أكتوبر، ظهر ان ايران تعزز مكانتها الاستراتيجية بشكل كبير. تتفق الاستخبارات الإسرائيلية والمخابرات الامريكية على عدم وجود تنسيق مسبق بين حماس وايران وحزب الله حول توقيت الهجوم. ولكنها تقر، بعد فوات الأوان، بان بعض مؤشرات زيادة انشغال أعضاء المحور الإيراني باحتمالية شن هجوم يهدف الى الحاق الهزيمة بإسرائيل، غابت عن الأنظار.
لقد تم احباط هجوم حماس في نهاية المطاف، لكن الضربة التي تعرضت لها إسرائيل اقنعت ايران بان ما وصف هنا بـ “خطة التدمير” لإسرائيل كان سيناريو واقعي قابل للتنفيذ على المدى البعيد. ولكن بعد سنتين تقريبا لم تجر الأمور مثلما توقع النظام. فقد اعقب المذبحة غزو إسرائيلي عنيف بشكل خاص لقطاع غزة، والذي أدى الى قتل وتدمير بنطاق غير مسبوق، وهزيمة عسكرية لحزب الله وسقوط نظام الأسد في سوريا وضربة شديدة للنظام الإيراني في حرب الـ 12 يوم في شهر حزيران الماضي، والان خطر يهدد بقاء النظام، الامر الذي قد يؤدي الى هجوم عسكري واسع من قبل الولايات المتحدة. في السنة الماضية اكتفى الامريكيون بهجوم محدد استمر لبضع ساعات على المنشآت النووية.
اذا كان قرار يحيى السنوار ومحمد ضيف بشان تنفيذ هجوم مفاجيء بمثابة رفرفة جناح فراشة، فان العاصفة قد ضربت في نهاية المطاف على بعد اكثر من ألف كم شرقا في طهران. وما زالت سلسلة الاحداث التي كان جزء كبير منها غير متوقع تضعضع المنطقة، وهي سترسخ في نهاية المطاف ميزان قوة مختلف في الشرق الأوسط.
هذه بطبيعة الحال هي الذريعة الدفاعية المركزية لمؤيدي نتنياهو. فهم يقومون أولا بتبرئته من أي مسؤولية أو لوم عن المذبحة بحجة ان الجيش والشباك نسوا ايقاظه في الساعات التي سبقت اقتحام الجدار. وكأن رئيس الحكومة لم يكن مسؤول عن تجاهل التحذيرات الأخرى لفترة طويلة، وتجاهل خطر الازمة الداخلية المحيطة بالانقلاب، وتدفق الأموال القطرية، ومحاولة بناء حماس غير المبررة كذخر استراتيجي لإسرائيل، الامر الذي من شانه ان يضعف سلطة السلطة الفلسطينية.
ثانيا، هم يعددون إنجازات الحرب في المنطقة. ما يرفض رئيس الحكومة ومؤيديه فهمه هو انه لا يمكن استغلال الموقف لصالحهم. فمن يرفض الاعتراف بأي مسؤولية عن خطأ حدث في عهده لا يحق له التذمر من عدم الحصول على التقدير الكافي على إنجازات تحققت بعد ذلك في الحرب. ونفس الشيء فان تصميم نتنياهو العنيد على عدم ترجمة الإنجازات العسكرية الى تحركات استراتيجية – افضل مثال على ذلك قطاع غزة – يتسبب في ضياع جزء كبير من النجاحات العسكرية.
في غزة أدى تصميم نتنياهو على مواصلة الحرب بلا نهاية (الى ان ضاق ترامب ذرعا بها بعد الهجوم في قطر في أيلول الماضي) الى ضياع المكاسب التي تحققت. وبعد مرور ستة اشهر اصبح من الواضح تماما بان إسرائيل لا تملك زمام الأمور في القطاع. صحيح ان خطة ترامب الكبيرة انطلقت، ولكن تنفيذها يسير ببطء. ويتوقع ان تبدأ مرحلة التنفيذ في الشهرين القادمين: بناء حي تجريبي شرق الخط الأصفر في منطقة رفح التي تخضع لسيطرة إسرائيل، اعمال إعادة تاهيل هندسية في كل ارجاء القطاع، وصول حكومة التكنوقراط الى غزة، وربما اول انتشار للقوة متعددة الجنسيات، وتستعد حماس لدمج عناصر شرطتها في قوة الشرطة المحلية.
في الوقت الحالي، رغم التصريحات الامريكية، لا يوجد أي نقاش عملي حول نزع سلاح حماس. ولم يوجه لحماس أي انذار نهائي محدد بجدول زمني. هذا لا يمنع الجناح المتشدد في الحكومة – هذا الأسبوع تصريحات وزير المالية سموتريتش – من طمأنه مؤيديه بان إسرائيل ستعود في القريب الى استئناف القتال في قطاع غزة.
في بند الإنجازات الاستراتيجية وبالاشارة الى الازمة الحالية مع ايران، يتم الترويج بقوة لمزاعم أخرى، وتتمثل خلفية ذلك في الزيارة الهامة التي قام بها رئيس وزراء الهند مودي في إسرائيل في هذا الأسبوع. ويعمل مودي، الذي جاء الى إسرائيل كضيف لنتنياهو، على تعزيز العلاقات بين الهند وإسرائيل، وقد وقع عدة اتفاقات تعاون واسعة النطاق، في مجال الامن والعلوم والتكنولوجيا. ويقدم مؤيدو نتنياهو هذا التقدم على انه تأسيس لمحور جديد سيشكل ثقل موازي لنفوذ الدول الإسلامية، وستمثل إسرائيل والهند واليونان ودول أخرى تحالف منافس في مواجهة التهديد الإيراني من جهة، والمحور السني (تركيا والباكستان، إضافة الى السعودية) من جهة أخرى.
الى جانب ضرورة تصوير نتنياهو كشخص منتصر دائما في كل صراع على السلطة، فانه توجد قضية أخرى. فقد حققت حماس نجاح كبير في 7 أكتوبر عندما قامت بعرقلة مسار التطبيع الذي اطلقت إدارة جو بايدن بين إسرائيل والسعودية، قبل التوقيع المخطط له على الاتفاق بين الدولتين. ومنذ ذلك الحين، في ظل تدمير قطاع غزة، لم تظهر الرياض أي عجلة. ويفضل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الانتظار خمس سنوات أخرى، ويبدو قبل أي شيء آخر، انه لا يهتم بتوقيع أي اتفاق طالما ان نتنياهو في الحكم. ويهدف التقارب مع الهند الى توفير البديل عن السعودية. ولا يمكن انكار ان رئيس الحكومة نتنياهو أحيانا يعجز عن تحقيق رؤيته.
اثارة ضجة
لقد تم تكليف لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست في هذا الأسبوع بمسالة مهمة جدا وهي وثيقة روح الجيش الإسرائيلي. استجابة لدعوة ضباط الاحتياط والمنظمات الحريدية – الوطنية، فقد اعتبر أعضاء الائتلاف الحاكم مؤخرا تشويه الوثيقة كهدف، مواصلين بذلك الصراع الثقافي الذي يجري منذ فترة طويلة حول الجيش. اذا كانت الخلافات في السابق تدور حول أوامر فتح النار، فقد افرغت الحرب الأخيرة في قطاع غزة هذا النقاش من المضمون. يصعب الادعاء بان هذه الأوامر تقيد المقاتلين، في حين ان الجيش لم يفرض عمليا أي قيود يمكن ذكرها على اطلاق النار اثناء الحرب.
من جهة أخرى، يمكن استغلال تداعيات المذبحة والحرب من اجل التخلص من وثيقة تقض مضاجع اليمين المسيحاني منذ سنوات. الادعاء الجديد هو ان الجنود قتلوا لان الجيش التزم بروحية وثيقة الجيش الإسرائيلي ولم يسلك خط هجوم مباشر في قطاع غزة، الامر الذي عرض المقاتلين للخطر. كل ذلك حدث ظاهريا لان الجيش الإسرائيلي لم يدرب الجنود على أهمية قيمة النصر.
لا يوجد لرئيس الأركان ايال زمير أي نية لاعادة مناقشة الوثيقة التي يستخدمها الجيش منذ 25 سنة، على الأقل حسب تصريحات بسموت فانه على قناعة بان لجنته، وليس كبار قادة الجيش أو الفلاسفة الذي يعتبر هذا نطاق اختصاصهم، هي التي ستعيد صياغة الوثيقة التي تشكل ميثاق الشرف لجنود الجيش الإسرائيلي. زمير يواجه مشكلات كثيرة في كل القضايا. مع ذلك، يبدو ان هناك حاجة الى بيان صريح من قبل رئيس الأركان من اجل تجنب أي املاءات سياسية خطيرة وغير ضرورية.



