هآرتس: ايران نالت شرعية وستتحدى مجال المناورة الأمريكي لتحقق إنجازات استراتيجية
هآرتس 12/4/2026، تسفي برئيل: ايران نالت شرعية وستتحدى مجال المناورة الأمريكي لتحقق إنجازات استراتيجية
تجاوزت المحادثات التي بدأت يوم أمس السبت بين الوفدين الايراني والامريكي عقبة اجراءات هامة على الاقل. فهي ليست مباشرة فقط، بل تجرى ايضا بدلا من اتباع الصيغة المالوفة لـ “محادثات التقارب” التي تتطلب من الوسيط الانتقال بين غرف منفصلة، أيضا هي تعقد رغم الشرط المسبق الذي وضعه رئيس الوفد الايراني محمد باقر قاليباف، الذي طالب بوقف اطلاق النار في لبنان والافراج عن اموال ايران المجمدة قبل البدء في المحادثات. وما زال من غير الواضح اذا كانت ايران راضية عن توجيهات دونالد ترامب لاسرائيل حول تقليص نطاق هجماتها في لبنان، أو اذا كان هناك التزام امريكي حازم اكثر بوقف اطلاق النار. ولكن يبدو في الوقت الراهن ان ايران تهتم اكثر بالمحادثات التي ستبدأ في هذا الاسبوع بين اسرائيل ولبنان من اهتمامها باستمرار اطلاق النار. وفيما يتعلق بمسالة الاموال التي تبلغ اكثر من 100 مليار دولار لم يصدر أي اعلان امريكي رسمي حتى الان بشان استعداد الولايات المتحدة للافراج عنها. ولكن يبدو ان مستقبلها اصبح شرطا اساسيا مسبقا كجزء من المفاوضات.
في جولات المحادثات التي جرت قبل بدء الحرب اعلن الطرفان عن احراز “تقدم حقيقي” والاتفاق على عدة مباديء يمكن على اساسها صياغة الاتفاق. مع ذلك، عند بداية الحرب طرأت عدة تغييرات جوهرية، وضعت الولايات المتحدة وايران عند نقطة انطلاق جديدة معقدة اكثر. ورغم الاضرار الكبيرة التي لحقت بالبنى التحتية العسكرية الايرانية وقتل كبار قادة النظام وقيادته العسكرية وتدمير البنى التحتية المدنية، الا ان النظام صمد، بل واظهر مرونة، ولم تندلع انتفاضة شعبية اخرى، وشكلت ايران تهديدا استراتيجيا قوي عندما قامت باغلاق مضيق هرمز وعرقلت حركة الملاحة في الخليج العربي ونفذت تهديدها بالاضرار بدول الخليج. النتيجة حتى الان هي ان النظام في ايران، ببنيته وسلطاته وسيطرته بقي على حاله. وبفضل وجود المفاوضات معه فقد اكتسب شرعية امريكية، وبالتالي، شرعية عالمية.
ترى ايران ان هذه هي اهم ميزة توجد لها في المفاوضات. والسؤال هو كيف تتم ترجمة هذه الميزة الى انجازات عملية. اهم هذه الانجازات رفع العقوبات الامريكية والدولية، الى جانب التطلع الى الاعتراف بسيادة ايران على مضيق هرمز وتخصيب اليورانيوم على اراضيها ومواصلة تطوير برنامج الصواريخ. في المسالتين الاخيرتين لم تغير ايران، على الاقل علنا، موقفها المبدئي في جميع جولات المفاوضات السابقة، ومشكوك فيه أن تغيره الان. وقد تعود ايران وتقترح “حلول بديلة” لهذه الالغام المتفجرة، مثل تخفيف تركيز الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة الى النسبة التي تم تحديدها في الاتفاق النووي الاصلي، أو تجميد تخصيب اليورانيوم لفترة معينة. هناك خيار آخر يتمثل في استعداد ايران للمشاركة في اتحاد اقليمي لتخصيب اليورانيوم، ضمن اطار رقابة اكثر دقة وصرامة، ولكنها كانت تشترط في السابق، حتى في ظل هذا الترتيب، ان يتم التخصيب على اراضيها، على اعتبار ان ذلك “حق سيادي” اعطي لها بصفتها دولة موقعة على اتفاقية عدم انتشار السلاح النووي.
وقد رفضت ايران مناقشة برنامجها الصاروخي بحجة ان منظومات الصواريخ مخصصة للدفاع عن نفسها، وانها لم تدرج في الاتفاق النووي الذي وقع عليه في 2015، وانه لا يحق لأي دولة التدخل في برامجها الدفاعية التقليدية. مع ذلك طرحت في السابق افكار حول هذه المسالة ايضا للحد من مدى وعدد الصواريخ، لكنها لم تترجم الى نقاشات عملية. في هذا السياق يجب الاشارة الى ان ترامب لم يتطرق في تصريحاته الاخيرة الى مسالة الصواريخ على الاطلاق، أو الى قطع العلاقات بين ايران وحلفائها رغم ذكر هذه المسائل في خطته التي تتكون من 15 بند (التي رفضتها ايران). يواصل ترامب تركيز طلباته على قضية واحدة وهي أن “ايران لن تمتلك السلاح النووي ابدا”. ولا يضيف الا نادرا بأن “ايران لن تتمكن من تخصيب اليورانيوم”.
في المرحلة الاولى يتوقع ان يبحث الطرفين ما اذا كان هناك قاسم مشترك ومجال للمناورة يسمح بصياغة مباديء لاجراء المفاوضات. وفي حالة الاتفاق على هذه المباديء سيتم تحديد جدول زمني لاستكمالها. وقد يشير تكوين الوفد الايراني الكبير الذي يضم 71 عضو، الى ان ايران مستعدة لـ “ابرام اتفاق” بدون الحاجة الى “مشاورات” داخلية تسببت في السابق في تاخيرات ونزاعات وتغييرات في المواقف. رسميا، أي قرار مبدئي يتخذه الوفد، فضلا عن مسودة اتفاق، يحتاج الى موافقة المرشد الاعلى مجتبى خامنئي. مع ذلك اعطي قاليباف صلاحية كاملة للتوصل الى اتفاق “يحفظ كرامة ايران ومصالحها”، أي اتفاق لا يقتصر على تحقيق الامن العسكري والاقتصادي لايران والحفاظ على مكان النظام، بل يراعي ايضا التوجه الايديولوجي، فلا يضع خامنئي الابن في بؤرة انتقادات مراكز القوة قبل أن يرسخ نفوذه. وبناء على هذا التفسير سيتعين على قاليباف التعامل مع الكثير من الشخصيات النافذة ومواجهتها، التي يسعى بالفعل الى تحييد معارضتها بدعوتها للمشاركة في الوفد.
على سبيل المثال، عارض قاليباف طلب قائد الحرس الثوري احمد وحيدي، ضم الامين العام للمجلس الاعلى للامن القومي محمد باقر ذو القادر، الذي حل محل علي لاريجاني، الذي اغتالته اسرائيل، للوفد. ولكنه وافق في نفس الوقت على ضم عضوين من المجلس. لقد ضمت قائمة المدعوين النائب البارز محمد نبويان، نائب رئيس لجنة الامن القومي، وهو عالم دين اسلامي متشدد، يعتبر من اشد منتقدي الاتفاق النووي ومعارضي المفاوضات مع الولايات المتحدة. وضمت القائمة ايضا عبد الناصر الحماتي، محافظ بنك اسرائيل الذي ينتمي للحركة الاصلاحية التي انتقدت الحرس الثوري علنا وطالبت باصلاحات اقتصادية تقلص من سيطرة الحرس على اقتصاد الدولة. عندما ترشح حماتي للرئاسة في 2021 تعهد بتعيين خمس نساء في حكومته وتشكيل لجنة تحقيق في قتل المتظاهرين في 2019. الى جانب تاييده للاتفاق النووي يرى حماتي ان المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها ايران تنبع من سياسة عزلتها عن العالم، لا سيما عن الغرب.
تجدر الاشارة ايضا الى ان قاليباف لم يقم بدعوة سعيد جاليلي، احد المقربين من مجتبى خامنئي والذي شغل منصب الامين العام لمجلس الامن القومي في عهد الرئيس احمدي نجاد، في حين كان جاليلي يترأس طاقم التفاوض بشان الاتفاق النووي فقد عرقل النقاشات بشكل متعمد وممنهج.
هكذا، بالتوازي مع التكوين المهني للوفد، الذي يضم مسؤولين كبار في مجال الاقتصاد والطاقة النووية والسياسة، شكل قاليباف، المقرب جدا من خامنئي الابن، ما يشبه تحالف سياسي. لن يقتصر دور هذا التحالف على تقديم الاستشارة وصياغة مباديء المفاوضات، بل سيتجاوزه الى تسويق أي اتفاق على اعتبار انه انجاز، والتغلب على المعارضة في الداخل، لا سيما التي تتوقع من قائد الحرس الثوري وممثلي التيار الراديكالي في البرلمان. هذه التركيبة تشير ايضا الى ان افتراض ان سياسة ايران تدار حصريا من قبل الحرس الثوري أو آيات الله اصحاب النزعة المتطرفة، لا يعكس بدقة تعقيد السياسة الايرانية.
مع ذلك لن تقتصر العوامل المؤثرة على مسار الوفد التفاوض ومصيره على الصراعات الداخلية على السلطة فقط. فقد ألف قاليباف، الحاصل على الدكتوراة في الجغرافيا السياسية، عدة دراسات حول الموقف الاستراتيجي لايران وقوتها بفضل موقعها الجغرافي. ففي الدراسة التي نشرها في 2008 تحدث عن ضرورة تبني استراتيجية تنافسية تراعي مصالح الدول والجهات الفاعلة الاخرى في المنطقة، بدلا من استراتيجية صراع تسعى الى احباط طموحات هذه الجهات وسحقها من خلال مواجهتها باستمرار. ويؤكد قاليباف بان السيطرة على مضيق هرمز وموقع ايران بين بحر قزوين والمحيط الهندي وقربها من دول الخليج، كل ذلك ركائز اساسية يجب ان تبني عليها ايران استراتيجيتها التي تهدف الى تحويل الدولة الى قوة اقليمية. ويرى الان ان ايران ستتمكن من تنفيذ هذه الاستراتيجية بالتحديد في ظل امريكي مثل ترامب “سيد الصفقات”.



