هآرتس: امريكا وإسرائيل وصعوبة تحقيق اهداف الحرب، والمنافسة على رواية النصر
هآرتس 15/3/2026، تسفي برئيل: امريكا وإسرائيل وصعوبة تحقيق اهداف الحرب، والمنافسة على رواية النصر
حرب الخليج الثالثة تتحول من حملة لها ثلاثة اهداف رئيسية الى حرب استنزاف غير متكافئة ثلاثية الأطراف، حيث يدور صراع محتدم حول الرواية وتعريف النصر. فبينما تحتاج ايران الى “عدم الخسارة” لتحقيق النصر، تحتاج الولايات المتحدة الى “نصر شامل” لتجنب الخسارة. في هذا الوضع، حيث تكافح الحرب لتحقيق الأهداف الاصلية، من المرجح ان يكون استمرارها فوضوي، مع تواجد عسكري امريكي لفترة طويلة في الخليج مصحوب بمواجهات تكتيكية متواصلة بدون حسم.
يبدو الان بالفعل ان المقياس الوحيد لأي نجاح يكمن في الإحصاءات العسكرية التي تظهر عدد طلعات الطائرات القتالية الامريكية والإسرائيلية، وعدد القنابل التي القيت ووزنها، وعدد الأهداف التي تم تدميرها وعدد القتلى في كل طرف. هذه ارقام قد تتيح لدونالد ترامب اعلان النصر اذا أراد النهوض والانسحاب من الساحة التي تتوسع بشكل يفوق التوقعات – من حيث المساحة الجغرافية التي تشملها وعدد ايامها وتكلفتها – ولكن لا يوجد حاليا أي انجاز استراتيجي في الأفق، سواء اسقاط النظام أو اكتشاف والتخلص من الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة أو تجدد الاحتجاجات المدنية. تهديد الصواريخ البالستية تضرر بشدة، لكن يكفي الرذاذ اليومي لمواصلة ازعاج وتهديد المواطنين الإسرائيليين والحاق الاضرار بالمواقع الاستراتيجية في دول الخليج.
يجدر التذكير بان قضية الصواريخ لم تكن مدرجة في جولات المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة وايران قبل الحرب. على الأقل حسب بعض تصريحات ترامب المتناقضة كانت هذه القضية تعتبر قضية ثانوية، اذا وجدت أصلا، واضيفت كهدف رئيسي عند اندلاع الحرب.
ما زال من غير الواضح ما هي حالة المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي وقدرته على أداء مهماته. حتى الان نشرت بيانات باسمه ولكن لم يظهر علنا أو في مقطع فيديو. لذلك فان المقصود من تعيينه السريع اظهار قوة هيكلية النظام واستقراره الذي ترمز اليه ولاية الفقيه. خامنئي ليس خبير عسكري، والحرس الثوري يقود حاليا الحملة بالتعاون مع الجيش، أما قوة الباسيج فمهمتها منع الاحتجاجات والاضطرابات المدنية، التي في الأصل يصعب اندلاعها في الشوارع خوفا من التفجيرات وبسبب تهديدات بنادق قوة الباسيج.
في مواجهة السعي الأمريكي والإسرائيلي الى الوصول الى نقطة ارخميدس، التي ستغير مسار الحرب، حققت ايران انجاز استراتيجي مهم باغلاق مضيق هرمز، حتى قبل الإعلان الرسمي عن اغلاقه، حيث تمكنت من وقف حركة الملاحة في الخليج كليا عندما هددت بالمس بناقلات النفط التي لم تنجح في الوصول الى موانيء النفط وتفريغ الخزانات التي بدأت في الامتلاء بالتدريج، ولم يتم الوفاء بوعد ترامب، مرافقة عسكرية لناقلات النفط، حتى الان. من غير الواضح اذا كان تعزيز القوات الامريكية بـ 2500 جندي في الخليج سيؤدي بأصحاب السفن الى دخول هذا الخليج الخطير المزروعة بالالغام الإيرانية، في حين ان طائرة مسيرة واحدة أو قارب سريع مسلح يكفي لاختراق الحزام الدفاعي الأمريكي المنوي اقامته.
يبدو ان الهجوم الذي شنه سلاح الجو الأمريكي في نهاية الأسبوع في جزيرة خرج، الذي امتنع فيه ترامب “لاسباب تتعلق بالنزاهة”، حسب قوله، عن الحاق الضرر بمنشآت النفط الضخمة، اقرب الى عمل انتقامي ردا على اغلاق مضيق هرمز منه الى خطة عمل منظمة لاجبار ايران على فتح المضيق. صحيح ان مهاجمة المصافي والمنشآت النفطية التي يمر عبرها حوالي 90 في المئة من انتاج النفط الإيراني قد تشكل ضربة شديدة لاقتصاد ايران، الا انه يوجد جانب آخر. فهذه المنشآت والعائدات منها ستكون ضرورية لأي نظام جديد يقام في ايران. وبدونها ستواجه أي حكومة بديلة صعوبة كبيرة، حتى لو وقعت على اتفاق سلام أبدي مع الولايات المتحدة أو البدء في إعادة تاهيل ايران او تلبية احتياجات السكان والحفاظ على نظام مستقر.
بالمناسبة، ما زالت ايران تمتلك مخزون ضخم من النفط يقدر بعشرات ملايين البراميل المخزنة في منشآت عائمة في جزر أخرى في الخليج الفارسي وخليج عُمان خارج مضيق هرمز. وحتى مع تعليق نشاطات منشآت النفط في خرج، الا انه لا يوجد ما يضمن توقف ايران عن الحاق الضرر بالملاحة في الخليج. ومن المرجح ان توسع هجماتها على منشآت النفط في دول الخليج.
المقارنة بين الحرب ضد ايران وحرب الخليج الثاني مغرية، التي تم فيها اسقاط نظام صدام حسين في غضون بضعة أسابيع وتولى نظام بديل امريكي حكم العراق. الفرق الجوهري بين الحربين يكمن، اللتان اندلعتا لاسباب متشابهة، في ان القوات البرية الامريكية والتحالف الدولي الداعم لها، كانا يعملان في العراق في 2003، ولكن لا يوجد الان تحالف دولي فعلي، ولا توجد على الأقل حتى الان أي نية لنشر القوات البرية، وبدونها كان من المشكوك فيه جدا إمكانية اسقاط النظام. لقد كتبت موسوعات عن نتائج تلك الحرب، لكن من اهم صفاتها ان ساحتها كانت مقتصرة على العراق. اما الحرب في ايران فهي قصة مختلفة كليا. لبنان هي ساحة أخرى، جبهة ثانوية للولايات المتحدة ولكنها جبهة مركزية لإسرائيل. بالنسبة لإيران لم تعد قضية لبنان تتعلق فقط بالحافظ على عمق نفوذها في لبنان، بل أيضا بقدرتها على تقويض الحكومة اللبنانية، التي غيرت نهجها وجردت حزب الله من شرعيته العسكرية وتسعى الى نزع سلاحه.
لا تقل أهمية الجبهة الداخلية في لبنان بالنسبة لطهران عن المواجهة العسكرية. لان الهدف الان يكمن في افشال المفاوضات السياسية بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي، حرمان الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أي مكسب إقليمي، لا سيما بعد اسقاط نظام الأسد وتحول احمد الشرع الى حليف لترامب وشريك فاعل في جهود كبح جماح حزب الله. من ناحية ايران، المواجهة العنيفة بين الجيش اللبناني وحزب الله، التي قد تتطور الى حرب أهلية، ومواجهة مشابهة في العراق بين المليشيات والحكومة العراقية، ستكون بمثابة نتائج مرغوبة. وبالتالي، الغرض من الوكلاء الإيرانيين الذين شكلوا “حلقة النار” التي اقامتها طهران آخذ في التغير. فبعد ان كانت فرق عمل في الخطوط الامامية ومصممة لردع أي عمل عسكري ضد ايران وامتصاص النار، قد تصبح الان راس الحربة في تحقيق نصرها العسكري، بل وقبل ذلك في تحديد شروط انهاء الحرب.



