هآرتس: الجيش الإسرائيلي يوسع مناطق سيطرته في القطاع
هآرتس 16/1/2026، يردين ميخائيلي: الجيش الإسرائيلي يوسع مناطق سيطرته في القطاع
بعد ثلاثة اشهر على اعلان وقف اطلاق النار بين إسرائيل وحماس، كشفت صور أقمار صناعية عن تطورات مهمة على طول قطاع غزة، منها تعزيز الجيش الإسرائيلي لسيطرته على طول خط حدود السيطرة في القطاع. هذا الخط المعروف بـ “الخط الأصفر” يمتد في بعض الأحيان مئات الأمتار داخل الأراضي التي من المفروض رسميا ان تكون تحت سيطرة حماس. أيضا يمكن رصد مناطق دمار تتسع رقعتها حتى في ظل وقف اطلاق النار، بما في ذلك منطقة جباليا وحي الشجاعية، داخل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، بل وحتى خارجها. وفي الأراضي التي تسيطر عليها حماس تظهر تجمعات خيام جديدة أقيمت لايواء عشرات آلاف النازحين الغزيين.
كل هذه التطورات تحدث في ظل وضع انتقالي في القطاع، بعد تطبيق جزئي فقط لخطة ترامب، وفي ظل استمرار اطلاق النار والتفجيرات والاشتباكات بشكل دائم.
وقف اطلاق النار الرسمي في تشرين الأول واطلاق سراح الرهائن كان من المفروض ان يكون مرحلة انتقالية نحو التنفيذ الكامل لخطة ترامب، التي وعدت، ضمن أمور أخرى، بتنظيم انسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم قطاع غزة وإعادة تاهيله وتقديم الإغاثة للنازحين ونزع سلاح حماس. وقد تحققت بعض هذه الخطوات بالفعل، حيث تمت إعادة الرهائن الاحياء وجثث القتلى باستثناء جثة واحدة الى إسرائيل. لقد انسحب الجيش الإسرائيلي جزئيا واصبح القطاع الان مقسم على طول خط السيطرة – الخط الأصفر – لكن الأطراف لم تنتقل بعد الى المرحلة الثانية في الاتفاق، وما زال الوضع الانتقالي مستمر. اول أمس اعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن الانتقال الى المرحلة الثانية في خطة ترامب، لكن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قال ان هذا مجرد خطوة إعلانية.
الجيش الإسرائيلي يسيطر على 54 في المئة تقريبا من أراضي القطاع. وصور الأقمار الصناعية المحدثة لشركة “بلانت لابس” يظهر تحليلها بانه بعد دخول الاتفاق الى حيز التنفيذ، أعاد الجيش الإسرائيلي تنظيم قواته وانتشارها، ضمن أمور أخرى، على طول الخط الأصفر الذي وصفه رئيس الأركان ايال زمير مؤخرا بانه “خط الحدود الجديد لإسرائيل”. وكجزء من هذه الخطوة انشا الجيش الإسرائيلي مواقع متقدمة جديدة في الأراضي الخاضعة لسيطرته، ووفقا لمنظمة فورنزيك آركيتكتشر البريطانية فقد انشا الجيش الإسرائيلي منذ وقف اطلاق النار وحتى منتصف كانون الأول 13 موقع متقدم جديد في قطاع غزة، منها موقعان كبيران في جباليا، التي هي مرتفعة جدا ويمكن رؤية منها مسافة بعيدة. وقد شمل انشاءها تدمير مباني واخلاء مناطق واستخدام فرق هندسية ثقيلة من اجل إقامة سواتر ترابية مرتفعة تتيح مراقبة كل شمال القطاع. وقد نشر فلسطينيون أفلام فيديو في الشبكة تظهر هذه المواقع.
أيضا يتبين من صور الأقمار الصناعية بانه منذ وقف اطلاق النار يواصل الجيش الاسرائيلي تدمير مئات المباني الأخرى في جباليا، حول المستشفى الاندونيسي. معظم الدمار في الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما يظهر في المنشورات الرسمية للجيش الإسرائيلي، لكن يبدو انه دمرت منازل كثيرة أخرى في الجانب الغربي من الخط. أفلام فيديو من الأرض تظهر الارتفاع الكبير للمواقع الجديدة في جباليا. احد الأفلام نشرته “كان 11”.
منطقة الخط الأصفر هي بؤرة ثابتة للاحداث واطلاق النار والقتل، حسب بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي وشهادات فلسطينية. وقد قتل 449 فلسطيني في مواقع متفرقة في قطاع غزة منذ اعلان وقف اطلاق النار، وأصيب 1246 شخص آخر حسب بيان وزارة الصحة الفلسطينية، التي لم تميز بين المدنيين والمسلحين. وحسب اليونيسيف فان 100 قتيل هم من الأطفال والشباب. وفي احدى الحوادث قتل طفلان أبناء 10 و12، كانا يبحثان عن الحطب، حسب افادة عائلتيهما، بغارة جوية. وقد صرح الجيش الإسرائيلي لاحقا بانه هاجم شخصين اشتبه فيهما بعبور الخط الأصفر، وانه عمل على “إزالة التهديد”. منذ وقف اطلاق النار قتل ثلاثة جنود في جنوب القطاع بنار مضادة للدبابات وقناصة من حركة حماس.
الخط نفسه غير محدد بشكل متواصل على الأرض، اذ وضع الجيش الإسرائيلي مكعبات صفراء صغيرة تفصل بينها أحيانا مئات الأمتار لتحديد مساره. وقد افاد فلسطينيون بان الجيش الإسرائيلي يحرك هذه المكعبات أحيانا غربا، الى داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس. ويظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وجود فجوة في مناطق مختلفة على طول الخط الأصفر بين مكان المكعبات الصفراء على الأرض ومكان الخط الأصفر مثلما هو محدد في منشورات الجيش الإسرائيلي الرسمية، بما في ذلك خريطة باللغة العربية قدمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لسكان قطاع غزة.
هكذا على سبيل المثال في حي الشجاعية في شرق مدينة غزة، يمكن تشخيص المكعبات الصفراء في صور الأقمار الصناعية، حيث انها تقع على بعد حوالي 300 متر غرب الخط الأصفر الرسمي الظاهر على خريطة الجيش الإسرائيلي. وقد رصدت وسائل اعلام دولية مواقع أخرى لا يتطابق فيها الاعلان الرسمي مع الواقع على الأرض. ومثلما كشفت “هآرتس” قبل شهر فانه منذ وقف اطلاق النار واصل الجيش الإسرائيلي هدم مئات المباني في الشجاعية، غرب الخط الأصفر الرسمي، وصولا الى خط المكعبات الصفراء.
من الجيش الإسرائيلي جاء ردا على ذلك: “وفقا لخطة وقف اطلاق النار يتم تنفيذ عمليات الجيش الإسرائيلي لمواجهة تهديدات التنظيمات الإرهابية في غزة بقيادة حماس، التي خرقت وقف اطلاق النار مرارا وتكرارا، ويعمل الجيش الإسرائيلي على تحديد الخط الأصفر بصريا، بما يتوافق مع الظروف الميدانية وتقييم الوضع العملياتي المحدث، وينفذ العمليات المطلوبة في المنطقة مع بذل الجهود لتقليل الضرر الذي يلحق بالمدنيين بقدر الإمكان ووفقا للقانون الدولي”. ولم يرد الجيش على أسئلة مثل لماذا لا يتم تحديث موقع المكعبات في المنطقة على الخريطة الرسمية؟ ولماذا لا يتم تحديد الخط بشكل مستمر على الأرض بطريقة تقلل الضرر الذي يلحق بالمدنيين؟ ولماذا يتسع نطاق تدمير المباني، حتى خارج الخط الأصفر، في المنطقة التي تسيطر عليها حماس؟.
الدمار الذي استمر في الأشهر الأخيرة يضاف الى محو مدن كاملة في القطاع اثناء الحرب. وحسب احدث تقرير صادر عن مركز الفضاء للأمم المتحدة، الذي رصد حجم الدمار في قطاع غزة حتى منتصف تشرين الأول، فقد دمر أو تضرر اكثر من 80 في المئة من مباني القطاع نتيجة الحرب. وقد نتجت عن هذا الدمار واسع النطاق ازمة نزوح جماعية يعاني منها سكان غزة بشدة. وحسب الأمم المتحدة يكافح مئات آلاف الأشخاص من اجل البقاء في خيام تضررت بسبب الامطار والرياح ومياه البحر، أو في مباني معرضة للانهيار، ويبلغ اجمالي عدد المحتاجين للمساعدة 1.3 مليون شخص. في هذا الأسبوع فقط دمرت أو تضررت آلاف الخيام والملاجيء المؤقتة التي كانت تأوي عشرات الاف الأشخاص بسبب الامطار والرياح الشديدة.
مؤخرا نشر في “هآرتس” بان أطباء في قطاع غزة رصدوا ارتفاع في معدل الإصابة بالامراض ودخول المستشفيات، ويعزى ذلك جزئيا الى تاثير الإقامة الطويلة في الخيام المبللة. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بوفاة سبعة اشخاص بسبب البرد منذ بداية فصل الشتاء، إضافة الى قتل 25 شخص آخر من سكان غزة بسبب انهيار المباني. على هذه الخلفية تظهر صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها “هآرتس” اربع تجمعات خيام كبيرة على الأقل في المنطقة التي تخضع لسيطرة حماس في الأسابيع الأخيرة، اثنان في وسط القطاع في منطقة ممر نتساريم الذي يقسم القطاع، واثنان في شمال مدينة غزة. وحسب اللجنة المصرية، وهي هيئة معنية بتقديم المساعدات في القطاع، فان المجمع القريب من ممر نتساريم مخصص لايواء 15 ألف عائلة. وفي اطار جهود مساعدة النازحين قامت وكالات الأمم المتحدة أيضا بتسوية ارض في حي حمد في خانيونس واقامت هناك مجمع خيام بهدف نقل بعض النازحين بعيدا عن الظروف الصعبة على الشاطيء. ورغم هذه الإجراءات الا انه ستكون حاجة الى جهود جبارة من اجل مساعدة اعداد كبيرة من النازحين الذين يعيشون في الخيام منذ سنتين.
في اطار الانتقال الى المرحلة الثانية سيتم انشاء منطقة سكنية لسكان غزة غير المنتمين لحماس في المناطق الخاضعه لسيطرة إسرائيل. وكشفت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها “هآرتس” قبل أسبوع عن اعمال حفر واجلاء وتسوية قرب رفح في منطقة يقول الجيش بانها مخصصة لهذا الغرض. وقد تم توثيق اعمال الحفر التي بدات قبل شهر تقريبا على مسافة تزيد على كيلومتر مربع واحد (ألف دونم). وأفادت مصادر عسكرية ان هذه المنطقة ستأوي في المرحلة الأولى 20 الف غزي.
مع ذلك، ما زال من غير المعروف حتى الان اذا كانت الأطراف ستنتقل بالفعل الى المرحلة الثانية، ومتى سيكون ذلك.
مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook



