هآرتس: الاكراد يُعتبرون المفتاح لاسقاط النظام، لكن توجد لهم مصالح
هآرتس 6/3/2026، تسفي برئيل: الاكراد يُعتبرون المفتاح لاسقاط النظام، لكن توجد لهم مصالح
عند المعبر الحدودي بين العراق وايران يسطع بصيص امل يشعل الخيال ويبشر باكتشاف الوصفة السحرية لاسقاط النظام في ايران. في يوم الاحد تحدث ترامب مع قائدي الفصيلين الكرديين في العراق، بافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، ومسعود برزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقدم لهما عرض من المستحيل رفضه. وحسب مصدر في حزب طالباني فان الرئيس الأمريكي أوضح بانه “يجب على الاكراد اختيار طرف في هذه الحرب، اما الولايات المتحدة وإسرائيل أو ايران”. فجاة اصبح الاكراد هم العامل الحاسم، العامل الذي يتوقف عليه اسقاط النظام في ايران ومستقبل كل الدولة مرتبط به.
ترامب يستحق الثناء على الأقل لمعرفة ان الاكراد في العراق ليسوا كتلة واحدة، وانه من الضروري الحوار مع زعماء منطقة الاكراد، وانه لا يمكن الاكتفاء بالحوار مع احدهما فقط. ان المنافسة التاريعية التي اشعلت الحرب بينهما في التسعينيات ما زالت تغذي الصراع الكردي الداخلي في العراق، الى درجة انه لا يمكنهم الاتفاق على تعيين رئيس جديد للعراق، الذي من المفروض حسب الدستور ان يكون كردي.
خلال سنوات نسج بافل طالباني علاقات مع المخابرات الإيرانية وقادة الحرس الثوري. وحسب مصادر كردية فقد ساعدوه في الاستيلاء على السلطة بعد وفاة والده جلال طالباني، الذي كانت تربطه أيضا علاقة وثيقة بايران. من جهة أخرى، يتمتع مسعود برزاني، نجل الزعيم المتوفى مصطفى برزاني، بعلاقة وثيقة مع الـ سي.آي.ايه ومع واشنطن بشكل عام. ولكن في نفس الوقت هو يتردد في ارسال قوات البشمارغا الى حرب لا تخصه، رغم ان الامر لا يتعلق بتجنيد مقاتلين اكراد عراقيين، بل يتعلق بتقديم دعم لوجستي للمنظمات الكردية الإيرانية السرية. ولكن في ظل عدم وضوع اهداف ترامب وتغيره السريع وتجاهله أحيانا الإشارة الى ان اسقاط النظام هو احد الأهداف، فانه يتوقع ان يفضل برزاني التريث والانتظار قبل اتخاذ أي اجراء قد يعمل على تعقيد علاقته وعلاقة الإقليم الكردي مع العراق وتركيا وايران. إضافة الى ذلك قادة الاكراد وقعوا في العراق قبل سنة اتفاق مع ايران يتعهدون بحسبه بحماية الحدود بين الإقليم الكردي وايران من أي غزو أو تسلل لعناصر اجنبية. وفي الأسبوع الماضي اعلنوا أيضا بان حكومة الإقليم الكردي “لن تسمح باستخدام أراضيها كقاعدة لشن هجوم على أي دولة اجنبية”.
تفاصيل محادثة ترامب مع قادة الاكراد سرية. وما نشر يستند الى مصادر مقربة منه. ولكن عندما سئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفت، اذا كانت الـ سي.آي.ايه ستزود الاكراد بالسلاح لمحاربة النظام في ايران قالت: “أي تقرير يفيد بان الرئيس وافق على مثل هذه الخطة هو كاذب ولا يستحق النشر”. يبدو ان الخطة تشير الى تجنيد المنظمات الكردية الإيرانية، بعضها موجود في العراق، من اجل القيام بعمل عسكري ضد الحرس الثوري الذي يسيطر على المناطق الكردية في غرب ايران. وهذا يهدف الى تخفيف ضغط الحرس الثوري في المدن الكبيرة، لا سيما في طهران، وبالتالي، تسهيل عودة حركة الاحتجاج الإيرانية للعمل على اسقاط النظام. ترامب لم يحصل على رد واضح من قادة الاكراد، وتتضارب التقارير حول بدء نشاطات الاكراد داخل ايران. فبعض هذه التقارير يتحدث عن هجمات بدأت بالفعل ضد قوات النظام. وبعض آخر منها يؤكد انه لا يوجد أي نشاطات عسكرية حقيقية في الأفق حتى الآن. في كل الحالات ما زال سيناريو تدفق آلاف المقاتلين الاكراد الى ساحات القتال للموت من اجل اسقاط النظام وإعطاء “إخوانهم” الإيرانيين دولة حرة وديمقراطية، ما زال مجرد فكرة مطروحة.
الصراع الداخلي لا يقتصر على قادة الاكراد في العراق فقط، بل هو يمتد ليشمل الاكراد في ايران، الذين يبلغ عددهم 10 – 12 مليون نسمة، والذين يعانون من انقسام سياسي بين 12 منظمة وحزب، وبين الولاءات العائلية والولاءات السياسية. ورغم ان الجميع يطمحون الى اسقاط النظام الإيراني، الا انهم لا يتفقون بالضرورة مع الولايات المتحدة أو مع حركة الاحتجاج بشان مستقبل ايران. بعضهم يعملون على إقامة حكم ذاتي كردي على شاكلة النموذج في العراق، الذي كان قائم حتى فترة قريبة في سوريا أيضا. بينما يطمح آخرون الى الانضمام لدولة ايران والتمتع بحقوق مدنية متساوية. اما من يرغبون في النضال من اجل الحكم الذاتي او حتى إعادة تأسيس دولة الاكراد فهم منقسمون بين الذين يحلمون بدولة على شاكلة النموذج الشيوعي الماركسي وبين الذين يطمحون الى النموذج الغربي.
في 22 شباط أعلنت خمس مجموعات معارضة كردية عن تأسيس “ائتلاف القوى السياسية في كردستان ايران”، الذي وضع اسقاط النظام على راس سلم أولوياته. هذه المجموعات لها أسماء متفائلة مثل حزب الحرية الكردي، حزب الحياة الحرة الكردستاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، منظمة نضال كردستان ايران وحزب كومالي للعمال. وفي اول بيان للائتلاف دعا فيه القوات الإيرانية الى القاء سلاحها والانضمام الى “الطرف الصحيح من الأمة”.
ظاهريا، يبدو ان هذا الائتلاف مثالي لمنظمة معارضة تتحد لتدمير النظام. ولكن بعد بضعة أيام على اعلان تشكيله تلقى الائتلاف وابل من الانتقادات الشديدة من رضا بهلوي، الذي نصب نفسه زعيم لإيران. وفي الفترة الأخيرة قدمت جماعات انفصالية، بعضها له تاريخ من التعاون مع الخميني وصدام حسين، طلبات لا أساس لها من الصحة، المثيرة للاشمئزاز ضد الوحدة الجغرافية والوطنية لإيران. الوحدة الجغرافية لإيران هي خط احمر، غرد بهلوي ووجه كلامه الى طموح بعض الأحزاب الكردية العلني لاقامة حكم ذاتي كردي في ايران، بل وهدد بانها ستدفع ثمن نشاطاتها. الاكراد لم يصمتوا على هذا الهجوم، حيث جاء في رد التحالف الكردي، ضمن أمور أخرى، بان تصريحات بهلوي “هستيرية ومليئة بالكراهية… لماذا يعتقد (بهلوي) بان الشعب المضطهد من ديكتاتورية الجمهورية الإسلامية مستعد للخضوع له أو لامثاله الذين يعتبرون انفسهم البديل لمستقبل ايران بعد ان نفذت سلالته المذابح ضد المدنيين وداست على ديمقراطية الشعب الإيراني.
في هذه الاثناء ما يظهر بانه تنظيم كردي متماسك، وفي جزء منه هو مسلح ومستعد للقتال – على الأقل حسب تقارير من مدينة أربيل عاصمة الإقليم الكردي، التي تفيد بان كثير من المقاتلين جهزوا انفسهم بالفعل بالملابس الشتوية وبدأوا يحركون قواتهم باتجاه الحدود – يثير عدد من التساؤلات الجدية.
منطقة عملياتهم ستكون في اصعب المناطق عبورا، في جبال ارتفاعها تقريبا 3 آلاف متر، التي لا تسمح بالمرور فيها الا عبر بضعة معابر معروفة، التي يمكن للقوات الإيرانية مهاجمتها بسهولة. وقد هاجم الجيش الإسرائيلي بالفعل قواعد الحرس الثوري في المنطقة الحدودية الغربية لإيران على ما يبدو لاضعاف تنظيم الحرس الثوري واحباط بقدر الإمكان قدرته على الوقوف ضد أي تحرك للاكراد. ولكن في هذه المناطق التي تلائم نشاطات الفصائل والفرق، يصعب توقع أن تتمكن قوات كردية بحجم كتيبة أو اكثر من العمل بشكل منظم.
اذا سعت إسرائيل أو الولايات المتحدة الى تقليد نموذج سوريا، حيث استولت القوات البرية المسلحة لهيئة تحرير الشام بقيادة احمد الشرع على مناطق بالقوة، في حين ان هجمات من الجو شلت نشاطات جيش الأسد، فمن المرجح ان يكون الوضع في المنطقة الكردية معقد اكثر. سيواصل سلاح الجو توفير الغطاء الجوي، لكن يتوقع ان لا تواجه العمليات البرية الكردية مقاومة إيرانية شرسة فحسب، بل من غير الواضح الى أي درجة سيوافق السكان المحليون، خاصة اكبر اقلية اذرية في البلاد، الذين يعيشون في أذربيجان الغربية القريبة من منطقة الاكراد على التعاون مع المقاتلين الاكراد. قد يبدأون القتال ضدهم ويشعلون حرب أهلية، وهناك ما هو اكثر من ذلك.
القوة الكردية الإيرانية الأهم توجد في يد منظمة بي.جي.إي.كي التي تاسست في 2004 على يد أعضاء حزب العمال الكردستاني الـ بي.كي.كي، التي تشن تركيا ضدها حرب شاملة منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وتستعد تركيا التي تراقب الحرب في ايران من بعيد وتسعى بجهد للحفاظ على “الحياد” لاحتمالية تعاون القوات الكردية المصنفة إرهابية وفقا لتصنيفها، مع الولايات المتحدة وإسرائيل للمساعدة في اسقاط النظام في ايران. وترى تركيا بان هذا التعاون قد ينشيء حكم ذاتي للاكراد على شاكلة النموذج السوري، ويثير التطلعات القومية للاكراد في أراضيها، ويعيد احياء الحرب الدموية التي هدأت في السنة الماضي ودخلت الى عملية مصالحة هشة. ولن تستطيع تركيا عندها الوقوف مكتوفة الايدي. وحسب تقديرات مصادر تركية فانه يتوقع ان ترسل قواتها الى المناطق الكردية في ايران من اجل انشاء منطقة منزوعة السلاح تمنع انشاء الحكم الذاتي الكردي الذي تعتبره تهديد لامنها القومي.
بالنسبة لإيران لا يوجد انجاز اعظم من وضع تحارب فيه تركيا الاكراد الذين يعملون تحت رعاية الولايات المتحدة وإسرائيل لاسقاط النظام. هل سيكون ترامب راغب أو قادر على ثني اردوغان، صديقه “القوي ولكن الرائع” بعد فشله حتى الان في تجنيده في الحرب ضد ايران؟. ان المهمة التي يفرضها ترامب الان على الاكراد قد تكلفه ثمنا لم يكن يتوقعه. سؤال آخر يطرح نفسه وهو هل سيصاب الاكراد انفسهم بفقدان الذاكرة فجاة وينسون خيانة ترامب لهم مرة أخرى في 2019 عندما اعلن عن قراره الانسحاب من سوريا (القرار الذي تراجع عنه بسبب الانتقاد الداخلي)، ومرة أخرى قبل شهر ونصف عندما اجبر الاكراد في سوريا على التوقيع على اتفاق استسلام مع نظام الشرع. هذا هو المثال الاحدث على خيانة امريكا للاكراد.



