هآرتس: اسرائيل تستورد عدد كبير من العمال الاجانب

هآرتس 25/2/2026، ران شمعوني: اسرائيل تستورد عدد كبير من العمال الاجانب
لم يتحدث مكسيم اوحايون وماهر، عامله الرئيسي في المزرعة، من سنتين ونصف. ماهر لم يتواصل معه، ومكسيم لم يسال عنه ايضا. مكسيم يشرح: “لم اكن مهتم، ولم ارغب في أي تواصل. لم اكن اريد ان تشك بي المؤسسة الامنية. لماذا اتحدث مع شخص من غزة اثناء الحرب؟”. الاثنان عملا معا عشرين سنة، شخص من موشاف عامي عوز وشخص من خانيونس. شريكان غير متكافئين في مزرعة البندورة والفلفل لعائلة اوحايون على حدود غزة. في الاوقات الصعبة عندما اشتد الحصار على غزة ولم يتمكن احد من الوصول الى اسرائيل للعمل، كان اوحايون يرسل اليه المال بدون مقابل. وعندما ولد ابنه البكر كافأه ماهر وسماه على اسمه. يفترض ان فتى اسمه مكسيم يتجول الان في شوارع غزة. على الاقل هذا ما نامله. اوحايون لا يعرف ماذا حدث لهم.
الحرب التي فرقت بين مكسيم وماهر هي التي تربطه الان بـ 12 عامل من تايلاند يقفون حوله في مطار بن غوريون، يرتدون ملابس متشابهة، لونها ازرق فاتح مع ورقة معلقة على العنق عليها الاسم والوجهة. لا احد منهم يعرف اين سيعيش أو ماذا سيعمل. ولكن لا احد يسال. وبسبب حاجز اللغة فانه لا يوجد من يجيب. اوحايون ينادي عليهم بالعبرية بخجل: “يمكنكم الجلوس، ستصل سيارة في القريب”، ويشير بيده على امل ان يعرفوا بان الحافلة في الطريق اليهم. بعضهم انضم الى مزرعته في عامي عوز، واخرون تم ارسالهم الى موشافات اخرى في النقب الغربي. بالنسبة لاوحايون الذي يدير شركة قوة بشرية في موازاة عمله في الزراعة، فان هذه هي المجموعة الثالثة التي يستقبلها اليوم فقط. “انا هنا من الخامسة والنصف صباح”، قال. في نصف السنة الثاني هو يجب عليه تدريبهم على القطف والري والتعبئة، والانتظار لرؤية هل سينجحون في اداء وظيفتهم الى ان تنتهي تأشيرتهم بعد خمس سنوات.
عمال اجانب يملأون الصفوف في فرع الزراعة في اسرائيل منذ بداية هذا القرن. ولكن ليس بهذا الحجم الذي نشاهده الآن. فبعد الحرب حظرت الدولة دخول العمال الفلسطينيين، الامر الذي ادى الى فراغ سارعت اسرائيل الى ملئه من خلال اتفاقات حكومية دولية لجلب العمال. ومنذ 7 اكتوبر تضاعفت حصة العمال الاجانب في الزراعة من 35 الف الى 70 ألف، وسجلت زيادة مشابهة في فرع البناء، الصناعة، التجارة والفنادق. ومنذ اندلاع الحرب وحتى نهاية 2025 دخل الى البلاد 116 ألف عامل اجني الى اسرائيل، حسب بيانات سلطة الهجرة والسكان.
لكن هذا ليس مجرد استجابة طارئة. فقد اصبح جلب العمال الاجانب حل روتيني في اسرائيل وغيرها من الدول، في ظل النقص المستمر في الايدي العاملة المحلية لمثل هذه الاعمال الشاقة. والان لم تعد مزرعة مكسيم على حدود غزة هي مصدر رزق العمال الاجانب الوحيد، فهذا الوضع ينتشر في كل مواقع البناء في ارجاء البلاد، وفي السوبرماركت وفي دور رعاية كبار السن ومواقف مستوردي السيارات. اوحايون قال: “اعتقد اننا سنصبح دبي في غضون بضع سنوات. كل الوظائف ستقتصر على العمال الاجانب فقط. حيثما ذهبت ستجد نفس الوضع، حتى في البقالة الخاصة بنا في الموشاف. هذا حل ناجع وضروري، لكنه يشير الى تغيير عميق. ليس مجرد استبدال العمالة، بل الانتقال من علاقة، حتى لو لم تكن متكافئة، الى آلية. فبدلا من رابطة تبنى عبر الزمن بذاكرة مشتركة والفة متنامية مثل التي تربط مكسيم وماهر والعمال الفلسطينيين الاخرين الذين شغلهم على مر السنين، بدا الان واقع مختلف في مزرعة مكسيم. وباستثناء مكسيم واخوته الذين يعملون معه فان كل الذين هناك هم غرباء ومؤقتون. يأتون، يعملون، ثم يغادرون. ثمن هذا التغيير غير ظاهر دائما، لكنه واضح في لحظات صغيرة: في التفاهم، الشعور بالانتماء، الشراكة النسبية التي ما زالت قائمة بين العمال وصاحب العمل. ويعبر اوحايون عن ذلك بقوله: “ليس الامر مجرد شكل. لقد بالغت الدولة في الامر تماما”. ويقول بسخرية “لا اعرف اذا كانت هناك طريقة اخرى للتعامل مع هذا الامر. ولكننا تجاوزنا الخط الاحمر”.
نقطة مراقبة
يعتبر مطار بن غوريون، حيث يصل اليه الجميع في البداية، نقطة مراقبة مثالية لهذه الظاهرة. يمر عبره 300 – 400 عامل اجنبي في اليوم، معظمهم في مجموعات حسب دولهم الاصلية. امس وصل المئات من تايلاند وسيريلانكا. من السهل التخمين بانه على الاقل داخل المجموعة توجد معرفة مسبقة، ربما اصدقاء طفولة تركوا قريتهم معا من اجل خوض مغامرة العمر. اللحظة التي يلتقون فيها في اسرائيل، بلادهم المؤقتة، هي ايضا لحظة التقاءهم مع الاشخاص الذين سيصبحون في القريب عائلتهم المؤقتة.
كريسانا سايابورن، شاب من تايلاند عمره 33 سنة، ينتظر لمعرفة مصيره. يتبع تعليمات مقاولي توفير العمل، ويمشي في الممر القريب من موقف السيارات في المطار، ويتتبع المحطات من اجل فتح حساب بنكي مؤقت وشراء شريحة هاتف محلية وشراء بطاقة للسفر في المواصلات. هو يعرف انه سيصل الى جنوب البلاد، ولكنه لا يعرف اكثر من ذلك. البطاقة حول عنقه كتب عليها كيبوتس غفولوت. هو ترعرع في منطقة زراعية في شمال شرق تايلاند. وهذه هي المرة الاولى في حياته التي يغادرها. يبدو عليه الحماس والتفاؤل. “ليست لي خطط كبيرة. كل ما اتمناه هو التمكن من اعالة عائلتي من هنا”، قال بابتسام اثناء محادثة جرت بواسطة ترجمة “غوغل”.
وراءه تقف عائلة تتكون من عشرة افراد، ويتوقع ان يكفي راتبع لاعالتهم خلال السنوات الخمسة القادمة. شعوره بالمسؤولية تجاههم يفوق أي شعور شخصي بعدم اليقين. ويبدو انه سيبقى هكذا الى حين وصوله الى غرب النقب والسماع عما حدث هناك في 7 اكتوبر. هو يقول: “انا من النوع الذي لا يخاف من أي شيء”.
ايضا اوحايون، وهو في الستينيات، لم يعد يخاف من أي شيء. لقد تم وقف المخربين عند بوابة مدخل الموشاف، لكنه فقد العشرات من اصدقائه ومعارفه في الغلاف، بما في ذلك عمال اجانب جلبهم الى اسرائيل. ويقول: “لقد تم اختطاف التايلانديين الذين كنت معهم في نير عوز وقتلوا. في حوليت الجميع ذبحوا باستثناء واحد نجا رغم طعنه في رقبته”. ولكن الذكريات لا توقف عملية التجنيد. ويوضح: “الجميع يريدون القدوم. هذا مال كثير بالنسبة لهم. في دول الخليج يحصلون على 250 دولار في الشهر، اما هنا فقد يصل اجرهم الى 10 آلاف شيكل.
العمال الذين بقوا
في كل محطة من محطات سلسلة الخدمات ينتظر العمال الاجانب الذين استقروا في اسرائيل الى جانب المواطنين الاسرائيليين. فانسا، وهي من تايلاند، وصلت الى هنا قبل 18 سنة، وقد بدأت العمل قبل شهرين في شركة اتصالات تقدم الخدمات للعمال الاجانب. لينا، وهي ممثلة تقديم خدمات عملاء في شركة مالية، وغادرت سيريلانكا قبل عشرين سنة وهي تعيش هنا. داني ماكنو، مواطن من الفلبين ومتزوج من اسرائيلية يعمل في الشركة المنافسة.
بين مكالمة واخرى، حيث بطاقات الائتمان موضوعة امامه، هو ينظر الى العمال الجدد ويتذكر العام 2008 ويقول بعبرية طليقة: “انا جئت للعمل هنا كممرض. جدي كان شخص مهم في وزارة الدفاع”، ماكنو، (41 سنة) اندمج بالمجتمع الاسرائيلي بطريقة غير متوقعة، وحتى انه وجد شريكة حياته وهي اسرائيلية ومحامية، والان هو يلقي محاضرات في تطبيق زوم للعمال الجدد قبل وصولهم الى اسرائيل.
ماذا تقول لهم
“هم اصبحوا يعرفون بالفعل بانه يوجد هنا الكثير من المفاجآت والتغييرات. ولكن انا اقول لهم بان لا يخافوا مما يشاهدونه في الاخبار، لانه في الحقيقة لا مثيل لاسرائيل. هل تعرفون لماذا؟ لان الطقس جميل ويمكنهم تحويل الاموال الى عائلاتهم برسوم منخفضة، وتوجد جالية كبيرة هنا، يوجد 38 ألف فلبيني في اسرائيل، الوضع لم يكن هكذا من قبل”.



