هآرتس: استمرار الاحتلال ينزع الشرعية
هآرتس 16/2/2026، اوري بار يوسيف: استمرار الاحتلال ينزع الشرعية
لقد كتبت باربارة توخمان كتابها “مسيرة الحماقة” عن الدول التي تبنت سياسة تتعارض مع مصالحها، وذلك عندما رات حرب فيتنام، وهو المستنقع الذي غرقت فيه الولايات المتحدة مدة ثماني سنوات. وقد قدمت امثلة كثيرة: سكان طروادة الذين ادخلوا الحصان الشهير الى مدينتهم وتسببوا بتدمير انفسهم، الباباوات في عصر النهضة الذين قاموا بالتحريض على انفصال البروتستانت وبايديهم وضعوا تحديا لسلطتهم، تصميم بريطانيا على فرض الضرائب والسيطرة السياسية الامر الذي أدى الى خسارة مستعمراتها وتاسيس الولايات المتحدة.
لو أن توخمان كانت على قيد الحياة، لكان من المرجح ان تؤلف كتاب عن الاحتلال باعتباره مدمر المشروع الصهيوني. مثال صارخ مقارنة مع ابرز مسيرات الحماقة في التاريخ. وجوهر هذا المثال هو المصالح المشتركة لكل من يعرف نفسه بانه صهيوني، بدءا باليمين الاستيطاني وانتهء باليسار التطهري، كان استمرار وجودي لإسرائيل كدولة للشعب اليهودي.
في العام 1967 حققت إسرائيل هذا الهدف. ففي اقل من عشرين سنة تضاعف عدد سكانها ثلاثة اضعاف، وانشأت مئات المستوطنات الجديدة وازدهرت اقتصاديا وطورت أنظمة تعليم وصحة وزراعة، أصبحت نموذج يحتذى به في دول كثيرة، وبنت جيش حقق في ستة أيام احد اعظم الانتصارات في التاريخ، وأصبحت قادرة على ردع أي تهديد وجودي. وباستثناء هوامش ضئيلة، التي كانت تتقلص بالتدريج، لم تكن لها طموحات أخرى للتوسع، وكان همها الوحيد هو تحقيق السلام مع العالم العربي.
بعد ذلك جاءت حرب الأيام الستة وبدأ موكب الحماقة المسيحاني. لقد منح احتلال الأراضي إسرائيل الموارد التي مكنتها من تحقيق حلمها الذي سعت اليه. وقد عبر النظام الدولي عن ذلك عندما وضع صيغة “السلام مقابل الأرض”. ومنذ 2002 دعت مبادرة السلام العربية الى انهاء الصراع مقابل الانسحاب من الأراضي التي تم احتلالها في 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية. هذه الصيغة مقبولة على اقرب حلفاء المشروع الصهيوني، في حين يعتبر النظام الإسرائيلي ونظام آيات الله في ايران ابرز المعارضين لها.
خلال ستين سنة تقريبا عملت إسرائيل بجهد لاقناع دول العالم بعدالة الاحتلال، لكن حتى ميكرونيزيا، حليفتها الاستراتيجية، لم تقتنع بذلك. ولا يقتصر الامر على مجرد معارضة مبدئية، بل ان تدهور وضع إسرائيل وتحولها الى دولة منبوذة هو نتيجة واضحة للاحتلال المستمر والقمع في المناطق المحتلة والاعتراف بان الفلسطينيين يستحقون دولة أيضا. وقد زادت الحرب في قطاع غزة من شدة هذه العملية.
ان استمرار الاحتلال يمكن ان يؤدي الى نزع الشرعية عن مشروع الصهيونية، مثلما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا. أيضا هو يضعف قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها. فمعظم وقت سلاح البر لا يتم تكريسه للتدريب والاستعداد للحرب، بل لحماية المستوطنات والمستوطنين. ان استمرار الاحتلال يضعف قوة الجيش الإسرائيلي ويضعف إسرائيل عسكريا، ولا توجد أي حاجة للتحدث عن الخسائر الكبيرة.
اذا استمر الاحتلال فلن يتحقق حلم الدولة اليهودية. فبين البحر والنهر توجد اغلبية غير يهودية منذ سنوات، وهذا التوجه الديمغرافي لن يتغير. ما زالت اوريت ستروك واصدقاءها يؤمنون بفكرة الضم. ولكن حتى دونالد ترامب تنازل عنها وأوضح معارضته للضم.
ان جذور الهستيريا المنهجية التي تعيش فيها إسرائيل منذ ثلاث سنوات، والتي بلغت الذروة في جعل الحزب الحاكم نفسه دولة عميقة، واتهام رئيس الحكومة لرئيس جهاز الشباك المتقاعد بالخيانة، تكمن أيضا في الاحتلال. فقبل العام 1967 كانت الحملات الانتخابية تركز على القضايا الاقتصادية – الاجتماعية والدينية. ومنذ ذلك الحين تناولت كل الحملات الانتخابية، باستثناء الحملة الأخيرة التي ركزت على فساد بنيامين نتنياهو، موضوع واحد وهو مستقبل المناطق المحتلة.
جزء كبير من هذه الهستيريا الان ينبع من اعتماد رئيس الحكومة على اليمين المتطرف الذي يعمل على استمرار الاحتلال. بل ان الاحتلال نفسه غائب تماما عن اجندة الحملة الانتخابية القادمة، لان نفي الواقع هو جوهر هذا العبث. وقد ينتهي هذا الغباء الوطني بدمار يشبه دمار طروادة.
دولة إسرائيل التي تسير على هذا الدرب بحاجة ماسة الى قيادة جديدة على شاكلة شارل ديغول، الذي خشي على مصير فرنسا فقرر انهاء الحرب في الجزائر. ودافيد بن غوريون الذي خشي على مصير الأغلبية اليهودية في البلاد فعارض أي احتلال يتجاوز الخط الأخضر. واسحق رابين الذي ادرك خطر استمرار الاحتلال على مصير الدولة فعمل بجهد على انهائه.
السياسيون في إسرائيل ينظرون الان الى أي مشكلة وأي تحد من خلال منظار الاستطلاعات. بعضهم يتظاهر بتأييد بن غوريون الذي قال بانه لا يعرف ما يريده الشعب، بل ما يحتاجه. وآخرون هم ديماغوجيون أو يفتقرون الى حل لمشكلة إسرائيل الأساسية – الاحتلال.
يقود اليمين المسيحاني مسيرة الحماقة هذه. ولكن النتيجة النهائية سيتم تحديدها من خلال قدرة المعارضة على وقفها. وبالنظر الى الوضع الراهن فان الواقع لا يبشر بالخير.
مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook



