أقلام وأراء

نواف الزرو: عن حروب صهيونية إبادية لا تلتقطها الكاميرات: حروب كبيرة من نوع آخر

نواف الزرو 2-2-2026: عن حروب صهيونية إبادية لا تلتقطها الكاميرات: حروب كبيرة من نوع آخر

وفق خطة ترامب يفترض ان الإبادة الجاعية الشاملة قد توقفت، ولكن الإبادة البطيئة المتدرجة-إن جاز التعبير لم تتوقف ابدا، ولكم في المشهد الشامل هناك حروب كبيرة لاى تلتقطها الكاميرات وهي من نوع آخر قد لا يخطر بالبال، بل ان تفاصيل هذه الحروب اليومية مؤلمة الى ابعد الحدود، فهناك على سبيل المثال آلاف الشهداء تحت أكوام الركام على امتداد مساحة القطاع، حيث يقوم الباحثون بالعمل ليلا نهارا بحثا عن بقايا أشلاء اطفالهم وذويهم ..!.

وهناك ايضا “حرب الباحثين عن مستشفى تصلح للطبابة، أو مدرسة تصلح لتعليم الأطفال، ليصطفوا فيها في طابور الصباح بدلاً من طابور تكيات الطعام، وإن وجد من يُطبب جرحنا الخارجي، فكيف لجروحنا الداخلية أن تندمل-كما وثق كمال ابو شاويش رئيس مركز التأهيل في مخيم النصيرات”، إذ فقد الأهل والأحبة آلاف الشهداء من أبنائهم، ناهيكم عن كرامات الناس التي سُحلت على الأرصفة وهم يفتشون عن لقمة خبز أو جرعة ماء.

ويلخص ابو شاويش المشهد قائلا: ربما انتهت الحرب، ولكن للأسف لم تنتهِ المعاناة المُصاحبة للحرب ..الهم كبير، أكبر من أن يتخيله عقل أو تستوعبه الأفئدة .. ولكن بقعة الضوء الوحيدة، أن نزيف الدم توقف، وأن أهل غزة أحياء، ولو إلى حين.”، وهناك بين ركام المنازل المهدَّمة، يواصل رجال الدفاع المدني في غزة سباقهم مع الزمن، بأيديهم العارية وأدواتهم البسيطة، بحثًا عن أجسادٍ غيّبها الركام منذ شهور، فالحرب التي أنهت حياة الآلاف خلّفت وراءها جبالًا من الأنقاض والوجع، وما زال تحتها آلاف المفقودين الذين لم يُمنحوا حتى وداعهم الأخير-16 نوفمبر 2025″.

الى ذلك هناك في المشهد الثقافي حربا اخرى مرعبة لا تلتقطها الكاميرا ايضا حسب عارف بكر مدير عام وزارة الثقافة في غزة الذي يوثق “أن العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى تفريغ الساحة من بيئتها الحاضنة للإبداع”، مضيفا:” فُقدت آلاف الكتب والوثائق والأعمال الفنية، واستُشهد عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمبدعين، بينما اضطر آخرون إلى النزوح أو التوقف عن الإنتاج”، وذلك ليس عبثا، فالاحتلال يدرك أن الثقافة تحمل رواية الشعب الفلسطيني إلى العالم، وتعرّي روايته المضللة، وتُعيد إنتاج الهوية الفلسطينية، وتُجسّد حق الشعب الفلسطيني في أرضه؛ لذا فإن ضرب البنية الثقافية هو محاولة لطمس هذه الرواية، وكسر أدوات التعبير عنها، وإضعاف قدرة المجتمع على الصمود والتوثيق. إنها حرب على الثقافة والذاكرة بقدر ما هي حرب على الجغرافيا والإنسان.

وعلى جبهة التربية والتعليم وإبادة الاجيال، فهناك ايضا إبادة كبيرة لم تلتفت لها الكاميرات في ظل الإبادة البشرية المرعبة، فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” عن أرقام مأساوية تظهر حجم الكارثة التعليمية التي يشهدها قطاع غزة جراء الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، مشيرة إلى “أن نظام التعليم في القطاع بات شبه منهار، وفي تصريحات صحفية، قال المتحدث باسم اليونيسف في فلسطين إن نحو 638 ألف طفل في غزة فقدوا مقاعدهم الدراسية بسبب الحرب، بينما تعرضت 98% من مدارس القطاع للتدمير أو لأضرار جسيمة، ما يجعل عودة التعليم شبه مستحيلة في المدى القريب”، وأضاف “أن نحو ألف من الكوادر التعليمية استشهدوا خلال الحرب، إلى جانب ما يقارب 20 ألف طالب، وهو ما اعتبره “ثمنًا باهظًا يدفعه أطفال غزة على حساب حقهم في الحياة والتعليم”.

ومن جهتها أكدت مؤسسة الضمير ان المنظومة التعليمية في قطاع غزة تتعرض للعام الثالث على التوالي حرمانًا ممنهجًا من الحق في التعليم، في ظل استمرار قوات الاحتلال بارتكاب جريمة الإبادة التعليمية بحق القطاع، ضمن حرب الإبادة الجماعية المتواصلة التي تستهدف بشكل مباشر وممنهج البنية التعليمية وكافة مقومات العملية التعليمية. وأشارت المؤسسة إلى أن الهجمات العسكرية المتواصلة أدّت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات والمعاهد التعليمية تدميرًا كليًا أو جزئيًا، بما في ذلك المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى الاستهداف المباشر للكوادر التعليمية والطلبة، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال والشباب من حقهم في التعليم الآمن. وتشير عمليات الرصد والتوثيق التي أجرتها مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان خلال حرب الإبادة الجماعية إلى استشهاد نحو 19,000 طالب/ة نتيجة الاستهداف المباشر وغير المباشر، إضافة إلى استشهاد 800 معلم/ة، ما أدى إلى فقدان واسع في الكوادر التعليمية الأساسية.كما تم توثيق استشهاد 1,300 طالب/ة جامعي، إضافة إلى 240 أكاديميًا ومدرسًا جامعيًا من أعضاء الهيئات التدريسية للجامعات وهو ما يمثّل نزيفًا خطيرًا في رأس المال البشري والتعليمي، ويخلّف آثارًا عميقة وطويلة الأمد على مستقبل العملية التعليمية في قطاع غزة.ومن بين الشهداء ما لا يقل عن 100 من النخب التعليمية والأكاديمية في قطاع غزة، حيث شمل الاستهداف 3رؤساء جامعات و7 عمداء كليات جامعية، إلى جانب أكاديميين وباحثين متخصصين في مجالات علمية وطبية وإنسانية متعددة.إضافة إلى ذلك، تم تدمير نحو 90 % من المدارس والجامعات تدميرًا كليًا أو جزئيًا، ما أدى إلى خروج الغالبية العظمى منها عن الخدمة التعليمية، كما جرى تحويل ما تبقّى من المباني المدرسية إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي أفقدها وظيفتها التعليمية بالكامل. وفيما يتعلق بالتعليم العالي، فقد تم تدمير 11 جامعة بشكل كامل، ولم يتبقَّ سوى بعض الفروع المحدودة للجامعات في المحافظة الوسطى وغرب مدينة خانيونس، والتي بقيت بدورها خارج الخدمة التعليمية الفعلية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية بمختلف مراحلها.

اذا يمكن القول ان الحرب الإبادية الجماعية المروعة ضد أهلنا وعائلاتنا في غزة قد توقفت بوتيرتها السابقة، ولكنها في الحقيقة مستمرة بأشكال أخرى وتحت غطاء خطة ترامب…!

لقد اصبحت المعركة بالنسبة لأهلنا معركة من أجل الوجود والبقاء من الآن فصاعدا…!

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى