نواف الزرو 5-3-2026: إسرائيل تسطو على الضفة الغربية في إطار النظرية الحصرية لـ “أرض إسرائيل”
في ضوء قرارات حكومة الاحتلال الأخيرة بإلغاء العمل بالقوانين الأردنية التي تنظم المعاملات المتعلقة ببيع وشراء الأراضي والتي تسمح للاحتلال بالاستباحة الكاملة لأراضي الضفة، تفرض علينا تطورات الأحداث والهجمات الصهيونية الشرسة في كل الأماكن الفلسطينية أن نعود ونذكر: الأمر الذي يجب أن يكون واضحاً تماماً أن المواجهة الوجودية مع مشروع الاحتلال الصهيوني لن تنتهي عند “ما يجري في غزة”، فهذه جبهة من جبهات المواجهة الشاملة مع العدو، فالمعركة الجارية المحتدمة على مدار الساعة على امتداد مساحة القدس مثلاً: في الشيخ جراح وباب العامود والأقصى وسلوان والبستان وبطن الهوى، وكذلك في مخيمات الشمال وفي أنحاء الضفة الغربية هي معركة حياة أو موت على الأرض والتاريخ والوجود. فوفق معطيات المشهد المتحركة في كل ساعة ولحظة، فإن ما يجري على أرض القدس والضفة الغربية هو سطو صهيوني مسلح على الأرض والتاريخ والتراث، وهو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق والقرارات الدولية، واستخفاف بالأمة والدول والأنظمة العربية واحتقار سافر لها وللقوانين الدولية.. وما يجري تغطيه دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة..!، ويمكن أن نقول إن تلك الدولة ترتقي إلى مستوى أكبر مافيا على وجه الكرة الأرضية لسرقة الأوطان والأراضي والممتلكات بالبث الحي والمباشر وعلى مرأى من العالم كله… فما يفعله الصهاينة في هذه الأيام على امتداد مساحة الضفة الغربية، أنهم يشنون حروباً مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حرباً من نوع خاص بهم على الأرض الفلسطينية تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها إلى نهرها على أنقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيها..
والمعركة الجارية المحتدمة على مدار الساعة على امتداد مساحة فلسطين وفي الضفة الغربية على نحو حصري هي معركة حياة أو موت على الأرض والتاريخ والوجود، والدعم والغطاء الأمريكي الرسمي الممنوح للكيان- منذ عام 1967- بأن “الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية لا يتعارض مع القانون الدولي- أي إنه شرعي”، يفترض أن يفتح ملف الاستيطان اليهودي على أوسع نطاق ممكن ومناقشته من أجل تسليط المزيد من الضوء عليه، باعتباره غير شرعي، وأنه عملية كولونيالية كاملة تتعارض مع كافة القرارات والمواثيق الأممية؛ فوفق معطيات المشهد المتحركة في كل ساعة ولحظة، فإن ما يجري على أرض القدس والضفة الغربية هو سطو صهيوني مسلح على الأرض والتاريخ والتراث، وهو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق والقرارات الدولية، واستخفاف بالأمة والدول والأنظمة العربية واحتقار سافر لها وللقوانين الدولية.. وما يجري تغطية دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة..!
ويمكن أن نقول إن تلك الدولة ترتقي إلى مستوى أكبر مافيا لسرقة الأوطان والأراضي والممتلكات على وجه الكرة الأرضية، فما يفعله الصهاينة في هذه الأيام على امتداد مساحة الضفة الغربية، أنهم يشنون حروبًا مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حربًا من نوع خاص بهم على الأرض الفلسطينية، تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها إلى نهرها على أنقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيها.. وليس ذلك فحسب، فهم يغطون عمليًا السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالأيديولوجيا والأساطير الدينية؛ فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك قائلًا: “إن الانتقادات الدولية للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية سخيفة، لأن الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب أن يرحلوا إلى مكان آخر”. ويضيف: “إن هذه الأرض هي أرض يهودية- إنها ديارنا”.
لذلك، وبينما هناك قرارات أممية ترفض الاستيطان الصهيوني، إلا أن “إسرائيل” تستحضر دائمًا وتعمل وفقًا لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون كما يلي: “ليس المهم ما يقوله الغوييم- أي العرب والعالم- وإنما المهم ما يفعله اليهود…!”. فالذي يجري هناك إذن، بات يتجاوز ما نراه في ضوء النهار على أنه احتلال، فهو وفق تحليل لأورن يفتاحئيل أستاذ الجغرافيا السياسية والقانونية في جامعة “بن غوريون” في بئر السبع أبعد من ذلك، فـ “تقرير القاضي إدموند ليفي” الذي فاجأ الكثيرين حين ادعى أن منطقة “يهودا والسامرة” (الضفة الغربية) ليست تحت احتلال، ولذلك يجب إعطاء شرعية قانونية لكل المواقع الاستيطانية والمستوطنات، سيكون هو الملهم للدولة والمستعمرين اليهود في الضفة الغربية”، ويضيف “قد يكون القاضي ليفي محقاً في أمر واحد… فربما أن مصطلح “احتلال” لم يعد يلائم النظام القائم في “يهودا والسامرة”؟ ويوضح: “ما أدعيه هو أن الاحتلال تحول منذ زمن إلى عملية كولونيالية أعمق بكثير، تشمل سيطرةً وسلبًا واستيطانًا وأسرلةً دائمةً للمنطقة ومواردها، وكل ذلك وسط إبقاء السكان الفلسطينيين في مكانة دونية، فالاحتلال هو احتلال عسكري ومؤقت، على غرار الاحتلال في جنوب لبنان، دون طرد أو سلب أو استيطان مدني دائم”.
وكتب زئيف شترنهل في صحيفة “هآرتس” إن توجه الحكومة الإسرائيلية في الضفة ينبع أساسًا من نظرية الملكية الحصرية لـ “أرض إسرائيل”، وبحسب هذه النظرية، فإن الدولة ليست قائمة من أجل ضمان الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والحياة العادلة للجميع، وإنما قائمة من أجل ضمان السيطرة اليهودية على “أرض إسرائيل” وضمان عدم قيام أي كيان سياسي مستقل آخر، ويخلص إلى أنه لهذا السبب فكل شيء مسموح، ولا “يوجد ثمن أكبر من اللازم”.
إجماع إسرائيلي على تخليد الاحتلال وضم الضفة…!
وفي سياق نظرية الملكية الحصرية لـ “أرض إسرائيل”، ترسخ في الوعي السياسي الإسرائيلي المتبلور “أن هناك إجماعاً في إسرائيل على تخليد الاحتلال للضفة” كما أكد الكاتب والمحلل الإسرائيلي ألوف بن في هآرتس ، مضيفاً “قد أخذ يتبلور في إسرائيل إجماع على أن الانسحاب من الضفة الغربية لم يعد ممكناً، وقد يمكن إبعاد الفلسطينيين عن الأعين بجدار الفصل، لكن لا يمكن التحرر من السيطرة عليهم، وأن الجميع يشتركون في هذا الاستنتاج، في جميع المعسكرات وفي جميع الأطراف السياسية، وأن المشترك لهذه المواقف من اليسار واليمين هو أنها تُخلد الوضع القائم، مع عشرات المستوطنات، ومئات الحواجز وآلاف الجنود وراء الجدار”.
وليس ذلك فحسب، فقد كان نتنياهو أعلن: أريد أن أقول من هنا من على منصة الكنيست لكل شعب إسرائيل إن الليكود يسعي لتحقيق السلام ولكن التاريخ أثبت أن السلام يتحقق انطلاقاً من القوة وليس من الضعف ووفقاً لقراءة صحيحه للواقع”، ويذهب نتنياهو أوضح من ذلك ليؤكد “أن لا بديل عن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية”، ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن نتنياهو قوله: “لا أحد ولا حتى أبو مازن يستطيع القيام بعملنا. إذا ما خرج جيشنا من المنطقة فإن “حماس” و إيران ستدخلان إليها”.
وتحدى نتنياهو العالم العربي، قائلاً:” لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان بل علينا البقاء فيها”.
وقال نتنياهو “إن هناك حاجة إلى اتفاق سلام يصمد أمام إعادة فتح جبهة شرقية من جهة العراق، خاصة وأنه يوجد في الشرق الأوسط “رمال متحركة” والأوضاع تتغير، وأن هناك حاجة لاتفاق يصمد أمام هذه التغييرات”، كما نقل عنه قوله إنه في حال تم وضع ترتيبات أمنية مناسبة في إطار المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، فإنه سيكون على استعداد للتوصل إلى حل دائم بشأن كافة القضايا الجوهرية.
نتنياهو للفلسطينيين: لا تحلموا بالقدس ولا بعودة اللاجئين
وليس ذلك فحسب، فقد كان نتنياهو أعلن: “أريد أن أقول من هنا من علي منصة الكنيست لكل شعب إسرائيل أن الليكود يسعي لتحقيق السلام ولكن التاريخ أثبت أن السلام يتحقق انطلاقاً من القوه وليس من الضعف ووفقاً لقراءة صحيحة للواقع”، وأشار إلى “أن السلام مع الفلسطينيين يجب أن يرتكز فقط على دعم الاقتصاد الفلسطيني، وليس على أساس الانسحاب من الأراضي وأيضاً عبر إقامة مصانع علي خط التماس وإقامة مشاريع مع الأردن ومصر”، وأكد نتنياهو “أنه في أي تسوية مقبلة مع الفلسطينيين، فلن تعود إسرائيل لحدود 67 ولن تنسحب من الأغوار وهضبة الجولان اللذين يعتبران خط الدفاع الشرقي لدولة إسرائيل، كما أنني لن أجري مفاوضات حول أمرين مهمين وهما: لا مفاوضات حول القدس ولا حول اللاجئين الفلسطينيين فهاتان القضيتان غير مطروحتين للتفاوض وأتعهد أن تبقي القدس عاصمة للشعب اليهودي وإسرائيل كما كانت منذ 3 آلاف عام”.
نتنياهو لا بديل عن السيطرة الإسرائيلية الدائمة على الضفة الغربية.
ويذهب نتنياهو أوضح من ذلك ليؤكد “أن لا بديل عن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية”.
ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن نتنياهو قوله بعد اجتماعه مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة- كوندوليزا رايس في القدس قوله: “لا أحد ولا حتى أبو مازن يستطيع القيام بعملنا. إذا ما خرج جيشنا من المنطقة فإن “حماس” وإيران ستدخلان إليها”.
نتنياهو للعرب: لن تستطيعوا هزيمتنا.. ولا يجب علينا الانسحاب من الجولان.
ويتحدث نتنياهو عن قرار مجلس الأمن الداعي لانسحاب إسرائيل حتى حدود العام 1967م واصفاً إياه بالخطير.
وقال في تصريحات نقلها عنه موقع صحيفة “يديعوت أحرنوت” على الانترنت: “إن القرار الداعي لانسحاب إسرائيل لحدود 1967 يعتبر مطلباً ظالماً وغير عادل، كما أنه يشكل خطراً على دولة إسرائيل، لذا علينا رسم حدود مع الضفة الغربية قابلة للدفاع، وأنا أريد التوصل لاتفاق مع الأردن و مصر حول هذا الأمر”.
وأوضح نتنياهو “أن الفلسطينيين لا زالوا يطالبون بحق العودة للاجئين” مشيراً “أن مهمتهم يجب أن تكون بإيصال الفلسطينيين إلى وضع لا يطالبون من خلاله بهذا الحق، وأيضاً على إسرائيل شطب موضوع حق العودة من جدول أعمالها وعدم الخوض به”.
وفي آخر كلامه، تحدى نتنياهو العالم العربي، قائلاً: “لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان بل علينا البقاء فيها”.
فالأصل في الوعي السياسي الإسرائيلي المتبلور “أن هناك إجماعاً في إسرائيل على تخليد الاحتلال للضفة” كما أكد الكاتب والمحلل الإسرائيلي ألوف بن في هآرتس ، مضيفاً: “قد أخذ يتبلور في إسرائيل إجماع على أن الانسحاب من الضفة الغربية لم يعد ممكناً، وقد يمكن إبعاد الفلسطينيين عن الأعين بجدار الفصل، لكن لا يمكن التحرر من السيطرة عليهم، وأن الجميع يشتركون في هذا الاستنتاج، في جميع المعسكرات وفي جميع الأطراف السياسية، وأن المشترك لهذه المواقف من اليسار واليمين هو أنها تُخلد الوضع القائم، مع عشرات المستوطنات، ومئات الحواجز وآلاف الجنود وراء الجدار”.
وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان يعترف أنه “يريد محو القضية الفلسطينية من قاموس وزارته”، وكرر تصريحات سابقة قائلاً “يهمنا إزالة الموضوع الفلسطيني عن جدول الأعمال بقدر ما نستطيع، وهذه أجندة سياسية بالأساس”، وأضاف “مرّ 16 عاماً منذ أوسلو لكن لا يوجد احتمال للتوصل إلى أي اتفاق شامل بإمكانه حل المشاكل بعد 16 عاماً آخر أيضاً- يديعوت أحرونوت/ الجمعة 4 / 09 / 2009 “.
” السلام المستحيل” في الاستراتيجية الإسرائيلية…؟
الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم منذ بدايات الدولة الصهيونية على كسب الوقت وبناء وتكريس حقائق الأمر الواقع الاستيطاني التهويدي وإحكام القبضة الأمنية العسكرية استراتيجياً على فلسطين والمنطقة، كما تسعى تلك الاستراتيجية تفاوضياً منذ بدايات عملية المفاوضات إلى “خفض سقف الطموحات الفلسطينية”.
وترفض “الجداول الزمنية والمواعيد المقدسة- أي الملزمة- في المفاوضات، وهناك إجماع سياسي إسرائيلي بين كافة الأحزاب المؤتلفة في الحكومة أو الخارجة عنها على رفض الجداول والمواعيد، بينما تصر السياسة الإسرائيلية دائماً على مواصلة المفاوضات…هكذا من أجل المفاوضات..
إلى كل ذلك ، وفي أحدث تطورات المشهد الفلسطيني، طالبت قيادة المستوطنين الحكومة الإسرائيلية بضم الضفة الغربية، وقال موطي يوجاف، نائب رئيس مجلس المستوطنات، إن “اتفاقيات أوسلو أصلًا هي مجرد وهم أوقعنا فيه قادة ذلك العصر من الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن الواقع يشير إلى أن العداء يستفحل بين الطرفين، وأن الفلسطينيين لم يقبلوا إسرائيل بشكل حقيقي، وقد حذرنا يومها، نحن المستوطنين، بشدة من هذا الوهم لكن أحدًا لم يسمعنا، لذلك، فإنه ينبغي على كل عاقل في إسرائيل أن يرحب بإلغاء أوسلو من الطرف الفلسطيني، ويضع حدًا لكذبة السلام الموهوم، ويؤيد مطلب المستوطنين بأن تضم الضفة الغربية كلها إلى السيادة الإسرائيلية”، وأضاف لمطلبه مسحة دينية، إذ قال “لقد وهبنا الله كل أرض إسرائيل، ونحن ملزمون بالوفاء بهذا الوعد وعدم التخلي عن هذه الأرض المقدسة لأعدائنا”.
عملية الاستيطان الجارية الاشرس تاريخياً..!.
وحسب المعطيات الماثلة، فإن عملية الاستيطان الجارية هي الأشد والأشرس والأقسى تاريخيًا؛ فـ “إسرائيل” تقيم في الضفة نظامًا كولونياليًا استعماريًا عسكريًا إسبارطيًا، يحوّل المستوطنين إلى دويلة أو إلى “إسرائيل-2″، يجعل من المستوطنين أسياد الأرض الحقيقيين، وتقول ورقة عمل لمركز الدراسات والسياسات “إن موجة التمدد الاستيطاني جزء من إستراتيجية شاملة لسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عن الفلسطينيين”، ويرى الفريق الذي أعد الورقة “أن موجة التمدد- التي هي جزء من إستراتيجية إسرائيلية شاملة تجاه الضفة- هدفها حشر الفلسطينيين في حدود مدنهم وقراهم في منطقتيْ “أ” و “ب” وفق اتفاقيّة أوسلو، وسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عنهم (وهي المشمولة في المنطقة “ج”) وأن إسرائيل- وبمحاكمها- تتصرف كأنها تقوم بعملية ضمّ للمناطق “ج” دون سكانه”.
إلى كل ذلك، تتعامل دولة الاحتلال الكولونيالي في الضفة الغربية وكأن هذه الأرض جزء لا يتجزأ إذًا من “أرض إسرائيل”، وعلى أنها تخضع للسيادة الإسرائيلية، لذلك ترخي العنان لمستعمريها وبلدوزراتها ليعيثوا فسادًا وتخريبًا وهدمًا وتدميرًا واستيطانًا في كل بقعة على امتداد مساحة الضفة؛ فهناك حرب حقيقية تستعر على الأرض في الضفة كان وصفها أوري أفنيري رئيس تحرير مجلة “هعولام هزيه” سابقًا رئيس كتلة “السلام الآن” في معاريف قائلًا: “إن الحرب الحقيقية تدور رحاها على الأرض في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من: الخرائط والقرارات، والأوامر العسكرية، وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ومستقبل ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة أو الموت”، وفي مقالة أخرى له نشرتها صحيفة معاريف يوم أكد أفنيري مـرة أخرى: “أن مفاوضات التسوية الدائمة ستار من الدخان يتواصل خلفه النزاع الإسرائيلي _ الفلسطيني بكل عنفوانه، وتشن إسرائيل معركة حثيثة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية في كل أرجاء الضفة الغربية، فما يجري على الأرض يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام، إذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة، معركة ترمي إلى تحويل كل قرية أو مدينة فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة إسرائيلية، هذه ليست من عمل متعصبين مجانين، بل معركة مخططة جيدًا تتواصل في عهد الليكود والمعراخ على حد سواء، والهدف منع كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة”. ويجمعون في الكيان الإسرائيلي على استعمار الضفة الغربية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وجنرالاتهم يقولون: “إن الاستيطان بمثابة جزء لا يتجزأ من الأمن الكلي لإسرائيل، فمساهمة المستوطنات في أمن إسرائيل لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية”، وهنا يتكامل الاستيطان مع الأمن في الرؤية الإسرائيلية.
أما عميرة هاس مراسلة هآرتس للشؤون الفلسطينية والمناهضة لسياسات الاستيطان والتهويد، ففصلت في هذه الحرب أكثر وكتبت في هآرتس 30/9/2022 موثقة: “لاستيعاب التدمير الموجود في التخطيط الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ومهنة التدمير المضنية، يجب أن نربط الحقائق التي وضعتها حكومات إسرائيل طوال السنين بآلاف النقاط، بل الملايين: بدءًا بالأمر العسكري من العام 1971 الذي ألغى صلاحيات التخطيط للمجالس المحلية الفلسطينية، الذي هو ساري المفعول حتى الآن في 60 في المئة تقريباً من أراضي الضفة؛ ومصادرة الأراضي للاحتياجات الأمنية التي تم تحويلها للمستوطنات التي تنتهك القانون الدولي؛ وحظر البناء والتطوير الذي فرض على الفلسطينيين؛ والشوارع التي تبتلع البيئة والأراضي الزراعية التي صودرت لاحتياجات عامة لصالح كل مستوطنة معزولة؛ بعد ذلك جاء الطريق السريع “أ لا كاليفورنيا” الذي يربطها مباشرة مع إسرائيل، وشارع معبد جديد ولامع يربط قلب المستوطنات بأحيائها والبؤر الاستيطانية التابعة لها، التي أقيمت على بعد بضعة كيلومترات منها، وطريق يبتلع المزيد من احتياطي الأراضي ومناطق رعي؛ وبعد ذلك منع الفلسطينيين من البناء قرب الشارع؛ ويجب عدم نسيان الشارع الأمني الذي يطوق كل مستوطنة، مروراً بمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم بذرائع ووسائل مختلفة؛ وتقييد كمية المياه للفلسطينيين وتقييد الحفريات الجديدة والإعلان عن مئات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية كـ “أراضي دولة” وتخصيص هذه الأراضي فقط لليهود؛ والإعلان عن مناطق تدريب لوقف تطوير قروي طبيعي فلسطيني؛ وتزوير وثائق ملكية الأراضي؛ والبؤر الاستيطانية الكرفانية التي تتحول إلى فيلّات، ومن أجل الأمن يجب منع الخروج من القرى المجاورة؛ والبؤر الاستيطانية الزراعية التي تغرس الكروم في الأراضي الفلسطينية وكأنها مهجورة؛ والبؤر الاستيطانية للرعاة الذين هم “الموضة الجديدة” والأكثر صغراً مقارنة بمساحة الأراضي الفلسطينية؛ وانتهاء بقرارات حكومية لتبييض كل ذلك؛ وجدار الفصل الذي يحتجز مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية الخصبة غربه: أصحاب هذه الأراضي يحصلون بصعوبة على تصاريح من أجل الوصول إليها في أوقات محددة، ولكن كل إسرائيلي يمكنه التنزه والتجول فيها كما يشاء، وأحياناً ينسبها لنفسه”.
وتؤكد هاس ثانية: “يجب أن نربط كل نقطة كهذه بالنقاط الأخرى، وإلا فلا يمكن فهمها وفهم تداعياتها، ولن نرى الوحش كله. يمكن حساب عدد الدونمات الكبير التي سيطرت عليها بؤر الرعاة الاستيطانية، ويمكن حساب كم هو عدد الدونمات التي تمت مصادرتها، رسمياً أو فعلياً، من المناطق الفلسطينية ووصف أسنان الجرافات التي تقتلع أشجار الزيتون القديمة والجديدة. ويمكن قياس المنطقة الزراعية الفلسطينية المتميزة بدقة تقريباً مع الآبار القديمة وينابيع المياه التي أصبحت ذخرًا عقاريًا لليهود ورئة خضراء خالية من العرب (باستثناء العمال) أو في الطريق إلى أن تصبح خالية من العرب. لكن يجب أن نربط جميع النقاط كي نفهم كيف امتلأت الأرض بكتل “غوش شيلو” و”غوش عصيون” شرقاً، و”غوش عصيون” غرباً، و”غوش عصيون” شمالاً، و”غوش ريحان” وجيب اللطرون، و”غوش تلمونيم”، و”غوش اريئيل”، و”غوش ريمونيم”، و”غوش حبرون” القديمة و”كريات أربع”، وبعد قليل سيكون هناك “غوش شمال الغور” و”غوش شمعة” في جنوب غرب جبل الخليل، و”غوش سوسيا” في جنوب شرق الضفة، وهكذا دواليك. لا شك أن آمال/ مخططات إسحق رابين من العام 1995 قد تحققت. قبل قتله بشهر، قال في الكنيست بأن أحداً أسس الاتفاق الدائم وهو “إقامة كتل استيطانية، يا ليت توجد كتل استيطانية في الضفة الغربية مثلما في غوش قطيف”. “غوش قطيف” في الواقع تم تفكيكها، لكن قام مكانها ويقام المزيد من التوابع الاستيطانية الكثيرة مثل الرمال على شاطئ البحر.
سحق المنطقة…!
وتختتم قائلة: “إن سحق المنطقة هو أكثر بكثير من “إحباط إقامة دولة فلسطينية”، هو تنكيل ممأسس وموجه لكل واحد من الخمسة ملايين فلسطيني الموجودين في الضفة، بما في ذلك شرقي القدس وقطاع غزة (فصل سكان القطاع جزء من تقسيم المنطقة). هذا تنكيل بالممتلكات ووسائل العيش والتراث وحياة العائلة وإمكانية الدراسة والعلاقات الاجتماعية وحرية الحركة والمستقبل. سرقة الفضاء المنهجية تهاجم حاضر وتاريخ المكان والمدينة والقرية والعائلة، وتمس بالصحة الجسدية والنفسية لكل إنسان. المشكلة في السحق ليست في إضعاف السلطة الفلسطينية، بل بالتخريب الذي لا يمكن منعه والموجه للجمهور الذي يعيش في قطاع غزة والضفة الغربية، الذي وعده العالم في مرحلة معينة، أنه سيطبق حقه في الاستقلال والحرية. العالم وعد وغدر. فقط جذرية وقدرة الفلسطينيين على الصمود الرائع هي التي تشوش ولو قليلاً خطة إسرائيل الأساسية. إن التقسيم والطرد ليسا اختراعًا جديدًا؛ فإسرائيل صاحبة تجربة وخبرة في هذا المجال، هي تنفذ في الضفة الغربية ما نفذته وتنفذه منذ العام 1948 داخل حدود الخط الأخضر. في بداية التسعينيات، عندما تم إطلاق العملية السياسية بين إسرائيل و م. ت. ف، فإن التوقعات المنطقية للفلسطينيين ومعسكر السلام في إسرائيل الذي كان موجوداً ولم يعد قائماً، وللدول التي أعطت رعايتها لأوسلو – كانت أن إسرائيل ستوقف عملية السحق وسرقة الأراضي في 22 في المئة من أراضي فلسطين التاريخية. ولكن في ظل المفاوضات السلمية، سرعت إسرائيل العملية وزادت شهوتها للعقارات. بهذا أثبتت صدق ادعاءات وتحليلات الفلسطينيين منذ أكثر من مئة سنة: هدف الصهيونية وجوهرها هو طردهم من أراضيهم وتهجيرهم من وطنهم”.
إذًا، هي حروب شاملة على الأرض والشعب الفلسطيني تتقدمها حروب الاستيطان والضم والتهويد، وتهدف إلى تقطيع أوصال الجسم الفلسطيني لإجهاض الإمكانية الحقيقية لإقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية، وعمليًا على امتداد مساحة الأرض في الضفة الغربية لم يتوقف بلدوزر التجريف والاستيطان عن العمل في جسم الضفة، إذ تكشف لنا أحدث عناوين مشهد الاستيطان ونهب الأراضي العربية النقاب عن معطيات مذهلة حول مناطق نفوذ المستوطنات وامتداداتها وتداعياتها على مستقبل الوحدة الجيوديموغرافية الفلسطينية، وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية التي ما تزال تراوح في دائرة الحلم التاريخي..!
لكل ما سبق وغيره، تحتاج فلسطين وتحتاج عملية التحرير والخلاص من براثن الاحتلال والتهويد إلى وقفة عربية حقيقية- من قبل القوى الحية النابضة بالعروبة والعداء للمشروع الصهيوني- تعيد صياغة الخطاب السياسي والإعلامي وتعيد ترتيب الأوراق والأجندات السياسية الوطنية.



