نبيل فهمي: دول الجنوب وتشكيل نظام دولي جديد
نبيل فهمي 30-3-2026: دول الجنوب وتشكيل نظام دولي جديد
يشهد النظام الدولي الراهن حالاً واضحة من السيولة وعدم الاستقرار، حتى باتت الحاجة إلى مراجعته وتقويمه موضع شبه إجماع دولي، غير أن هذا الإجماع لا يمتد إلى طبيعة الإصلاح المنشود، ولا إلى أولوياته أو آلياته. فالجميع يطالب بالتغيير، ولكن كل من موقعه ووفقاً لمصالحه، وفي اتجاهات كثيراً ما تكون متباينة، بل متعارضة أحياناً.
فالولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي القائم، ترى أنها تتحمل العبء الأكبر سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وأن أي إصلاح جاد ينبغي أن يفضي إلى توزيع أكثر توازناً للأعباء والمسؤوليات بين القوى الدولية المختلفة. وفي المقابل، تنظر كل من روسيا والصين إلى النظام الراهن على أنه أداة لفرض هيمنة غربية ذات طابع سياسي وأيديولوجي، تُدار من خلالها قواعد الشرعية الدولية بما يخدم مصالح الغرب ورؤاه.
أما الدول النامية، أو ما بات يعرف اصطلاحاً بدول الجنوب، فلها منظور مختلف وأكثر عمقاً، فهي ترى أن الدول الصناعية الكبرى استفادت لعقود طويلة من موارد العالم الطبيعية، وتوسعت في أنماط إنتاج واستهلاك ألحقت أضراراً بالغة بالبيئة والمناخ، ثم عادت اليوم لتفرض على الدول النامية قيوداً ومعايير جديدة قد تقيّد حقها المشروع في التنمية. ومن ثم، تطالب هذه الدول بحق بأن تتحمل الدول المتقدمة نصيبها من المسؤولية التاريخية، سواء من خلال دعم جهود التكيف البيئي، أو تمويل التحول التكنولوجي، أو تمكين الاقتصادات النامية من اللحاق بموجات التطور الحديثة بوسائل إنتاج أكثر كفاءة وأقل ضرراً بالبيئة. كذلك تطالب في الوقت ذاته بإصلاح مؤسسات وآليات الحوكمة الدولية، لتصبح أكثر تمثيلاً للواقع الدولي المعاصر، وأكثر عدالة في صون مصالح الجميع.
من هنا، يصبح المشهد الدولي معقداً، فهناك اتفاق على الحاجة إلى التغيير، لكن ليس هناك اتفاق على اتجاهه. وهذه الحقيقة تخلق في آن واحد فرصاً مهمة وتحديات جسيمة.
لقد طالبتُ، كما طالب غيري، مراراً، بأن تبادر الدول الكبرى التي تشكلت امتيازاتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلى تصحيح اختلالات النظام الدولي، انطلاقاً من حقيقة أن كثيراً من ترتيباته لم يعُد يعكس موازين القوة أو مقتضيات العدالة الدولية في القرن الـ21. ويظهر هذا الخلل بوضوح في مجلس الأمن، حيث لا يزال تمثيل بعض القوى الدائمة العضوية يستند إلى اعتبارات تاريخية تجاوزها الزمن، لا إلى أدوار فعلية معاصرة في صون السلم والأمن الدوليين. كما أن أداء الدول دائمة العضوية، مجتمعة، لم يرتقِ في كثير من الأحيان إلى مستوى المسؤولية التي أناطها بها ميثاق الأمم المتحدة، وشاب مواقفها قدر كبير من الازدواجية في تطبيق المعايير والانتقائية في تفسير المبادئ.
ومن واقع تجربة دبلوماسية وسياسية امتدت لأكثر من أربعة عقود، أستطيع القول بثقة إن الإصلاح والتقويم لم يعودا مجرد مطلب مشروع، بل أصبحا ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الدولي. لكنني، في الوقت ذاته، أرى بوضوح أن هذه الضرورة، على رغم وجاهتها، لا تكفي وحدها لتحقيق التغيير. فقد مضت عقود طويلة، تكررت خلالها الدعوات وتعددت المبادرات وطُرحت أفكار جادة ومتوازنة، من دون أن يتحقق تقدم حقيقي يعتد به.
والسبب في تقديري واضح، الإصلاح الجوهري لن يأتي تلقائياً من الدول التي صاغت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تتمتع بامتيازاته الأساسية. فهذه القوى، بحكم المصالح، ليست في عجلة من أمرها لإعادة توزيع النفوذ أو تعديل قواعد التمثيل. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على تحرك منظم وفاعل تقوده دول الجنوب، أي الدول النامية، ومعها القوى التي آمنت تاريخياً بمبادئ عدم الانحياز والتعددية العادلة.
لكن هذا التحرك لا ينبغي أن يُبنى على الشعارات، بل على رؤية عملية قابلة للحشد الدولي. والمطلوب ليس مجرد الاعتراض على النظام القائم، وإنما تقديم بدائل واقعية وذكية، يمكن الترويج لها سياسياً وفكرياً، مع تنشيط دور مراكز الفكر والبحث والمجتمع المدني في بلورتها والدفاع عنها. وشاركتُ شخصياً في أحد هذه الجهود، بالتعاون مع “مركز كوينسي” الأميركي، المعني بالدعوة إلى علاقات دولية أكثر رشادة وأقل صدامية، وهي مبادرة خلصت إلى مجموعة من التوصيات المهمة في شأن إصلاح مجلس الأمن والمنظمات الدولية، والحد من استخدام القوة خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة، وإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الجماعي، فضلاً عن طرح مقاربات عملية للنزاعات المشتعلة، وفي مقدمتها النزاع العربي– الإسرائيلي والحرب في أوكرانيا.
إذاً، ليست المشكلة في غياب الأفكار، بل في كيفية تحويلها إلى زخم سياسي مؤثر. وهنا، من المفيد العودة للتاريخ. فالتعديلات الكبرى في بنية النظام الدولي لم تحدث لمجرد اقتناع نظري بضرورتها، وإنما عندما توافرت ظروف دولية مواتية سمحت ببلورة مصالح مشتركة حول هدف محدد. لقد أُنشئت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وأُبرمت لاحقاً اتفاقات مهمة للحد من التسلح وتنظيم الأسلحة الاستراتيجية ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن معاهدات دولية مؤثرة في الاقتصاد والقانون الدولي. والعامل المشترك في كل هذه المحطات كان حسن التقاط اللحظة الدولية المناسبة، وتوفير حد أدنى من التوافق أو الزخم الذي يسمح بتحويل الفكرة إلى مسار تفاوضي ثم إلى واقع مؤسسي.
واليوم، يبدو أننا نقترب مرة أخرى من لحظة تتطلب المراجعة، فالأمم المتحدة التي أنشئت لتجنب ويلات الحروب الكبرى، تجد نفسها أمام عالم يشهد تصاعداً خطراً في عدد النزاعات المسلحة وحدّتها وتزايداً في اللجوء إلى القوة وتراجعاً في احترام قواعد الشرعية الدولية. وهذه التطورات لا تضعف فقط فاعلية المؤسسات الدولية، بل تهدد كذلك ما بقي من الثقة بقدرتها على إدارة الأزمات ومنع الانفجار.
من هذا المنطلق، أرى أن على دول الجنوب أن تتحرك الآن، لا لاحقاً، مستفيدة من دلالة سياسية ورمزية بالغة الأهمية، مرور 80 عاماً على إنشاء الأمم المتحدة، ومرور 70 عاماً على “مؤتمر باندونغ” الذي مثّل الأساس الفكري والسياسي لحركة عدم الانحياز، ورسخ مبادئ لا تزال تحتفظ براهنيتها، وفي مقدمتها احترام السيادة ورفض الهيمنة والتعايش السلمي والمساواة بين الدول.
وأتصور أن هذا التحرك يمكن أن يبدأ عبر ثلاث خطوات مترابطة:
أولاً، تشكيل مجموعة محركة محدودة وفاعلة.
تبدأ المبادرة من خلال مجموعة صغيرة من الدول تمثل أقاليم مختلفة من الجنوب العالمي، وتتمتع بالصدقية والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف. والغرض من هذه المجموعة ليس احتكار الفكرة، بل بلورة الإطار الأولي للتحرك، والاتفاق على أولوياته وآلياته، قبل توسيع دائرة المشاركة تدريجاً.
ثانياً، تحديد الأهداف بوضوح ودقة.
ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية أن الهدف ليس هدم النظام الدولي القائم، بل إصلاحه وتقويمه. فالأمم المتحدة، على رغم كل ما يعتريها من قصور، يجب أن تظل الإطار الجامع لأي نظام دولي أكثر توازناً. وفي هذا السياق، يمكن أن تشمل الأولويات ما يلي:
-بناء نظام متعدد الأطراف أكثر عدالة وفاعلية من ناحية التمثيل والأداء.
-تطوير عمل مجلس الأمن، ليس عبر إقصاء قوى قائمة، وإنما من خلال توسيع قاعدة التمثيل، خصوصاً للدول النامية، سواء عبر زيادة العضوية المنتخبة أو ابتكار صيغ جديدة لعضوية أطول أمداً.
-تجنب التوسع في منح حق النقض لأعضاء دائمين جدد، مع السعي في الوقت ذاته إلى الحد من استخدام الفيتو من جانب الأعضاء الدائمين الحاليين، سواء عبر وضع قيود إجرائية، أو حصر استخدامه في مواضيع بعينها.
-إعادة التأكيد على المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم النظام الدولي، وكثير منها يجد جذوره في مبادئ “باندونغ” الـ10، أي احترام سيادة الدول وعدم جواز استخدام القوة إلا وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة وصون حقوق الإنسان والمواطنة والتعامل مع جميع الدول باعتبارها شركاء في نظام دولي جامع، لا تابعين فيه ولا مهمشين.
ثالثاً، توسيع دائرة التشاور وبناء التأييد الدولي.
لا يكفي أن تتوافق دول الجنوب في ما بينها، بل يجب أن تدخل في مشاورات واسعة مع الدول المؤيدة للتعددية الدولية، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، بهدف بناء أكبر قدر ممكن من التفاهم حول المبادئ والأهداف، قبل نقل هذه الرؤية إلى المؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم مجلس الأمن، وسائر المنظمات الدولية المختصة. فالمطلوب في النهاية ليس مجرد طرح ورقة إصلاح، بل فرض موضوع الإصلاح نفسه على جدول الأعمال الدولي، وخلق زخم سياسي إيجابي وضاغط يدفع مختلف الأطراف إلى مواقف أكثر اتساقاً مع ضرورات التغيير الرشيد.
إن العالم لا يحتاج اليوم إلى هدم النظام الدولي بقدر ما يحتاج إلى إنقاذه من الجمود ومن الانتقائية ومن تآكل الثقة بمؤسساته. وإذا كانت القوى الكبرى غير مستعدة للتخلي طوعاً عن امتيازاتها، فإن المسؤولية التاريخية تنتقل، بحكم الضرورة، إلى دول الجنوب.
لقد آن الأوان لكي تنتقل هذه الدول من موقع الشكوى إلى موقع المبادرة، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن التذكير بالمظالم التاريخية إلى الإسهام الفعلي في صياغة توازن دولي جديد أكثر عدالة وأكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على صون السلم والأمن والمصالح المشتركة للجميع.



