مهند عبد الحميد: هل تتصالح إيران مع العالم العربي كمدخل لوقف الحرب؟
مهند عبد الحميد 31-3-2026: هل تتصالح إيران مع العالم العربي كمدخل لوقف الحرب؟
تشهد الحرب تصاعداً محموماً في سياق البحث عن مخرج ونهاية مقبولة.
تتفاوت الرغبة في وقف الحرب بين متحمس لوقفها كما عبرت عن ذلك دول الرباعية (باكستان ومصر وتركيا والسعودية)، وإلى جانبها الاتحاد الأوروبي، والصين ومعظم دول وشعوب العالم، وبين متحمس لاستمرارها وتصعيدها كما يرغب نتنياهو الذي أصدر أوامره بتوسيع الاحتلال أو ما سماه المنطقة الأمنية في جنوب لبنان وقال: نحن مصممون على تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري. في الوقت الذي صادق فيه زامير رئيس الأركان الإسرائيلي على خطط جديدة لاستهداف الصناعات العسكرية والثقيلة في إيران.
وعملياً نفذت الطائرات الإسرائيلية عشرات الغارات على مواقع البنية التحتية للصناعات ومراكز الإنتاج والبحث بما في ذلك بعض الجامعات، مترافقاً مع استمرار الاستهداف المتبادل للعصب الحساس المتمثل بمراكز وممرات الطاقة.
الحرب التي تدحرجت وأخذت أبعاداً إقليمية وعالمية خطرة دخلت الآن مرحلة حرجة، اتسمت بطغيان انسداد سياسي عنوانه الشروط الأميركية الإسرائيلية الـ 15 لإنهاء الحرب التي تدعو إيران إلى استسلام شامل وكامل، وبشروط إيرانية مضادة تدعو إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز وإزالة القواعد العسكرية الأميركية من الخليج وتعويض إيران عن خسائرها في الحرب، وضمانات بعدم اللجوء للهجوم على إيران مرة أخرى، الشروط الإيرانية تعني انتصار إيران في هذه الحرب.
والشروط الأميركية تقفز عن حقيقة قدرة النظام الإيراني على تحمل الخسائر والاستمرار بالحرب في شروط اللا تكافؤ في ميزان القوى وفي حجم الخسائر الاقتصادية والبشرية، فضلاً عن تعايشه مع التدمير الواسع في البنية التحتية العسكرية والمدنية.
فالحرب بالنسبة لنظام يتبنى «أيديولوجية دينية» و»عقيدة خلاصية» تعتبر الاستشهاد والموت سمواً وثمناً مقبولاً لبقاء النظام في موقع السيطرة والحكم، وتحصيل حاصل يعتبر النظام الإيراني الخسائر الفادحة التي تلحق بشعبه وبشعوب لبنان واليمن والعراق التي زجها في الحرب ثمناً مقبولاً لقاء الاستمرار في مشروعه الإقليمي.
ولا يضيره حاضر إيران المدمر ومستقبلها المجهول طالما بقيت الجمهورية الإسلامية التي تستطيع تعويض كل الخسائر وتعود إلى سابق عهدها كما يعتقد النظام.
لهذه الأسباب تقدم النظام الإيراني بشروط لا تعترف بميزان القوى وتجلياته على أرض الواقع.
في العادة يلجأ قطبا الحرب إلى التصعيد بالأقوال والأفعال لتحسين النتيجة الأخيرة للحرب.
غير أن النتيجة الأخيرة لا تتناقض جذرياً مع النتائج الفعلية وميزان القوى.
يجدر التوقف عند استلهام ترامب نموذج فنزويلا في إيران، الذي يكاد يكون مستحيلاً، لجهة استبدال النظام أو تغييره من داخله وإخضاعه للسيطرة الأميركية، ولجهة وضع اليد على النفط الإيراني والتحكم بأسعاره وبمستوى تسويقه.
موضوعياً توجد إمكانية لتسوية مشكلة السلاح النووي الإيراني وكان المفاوض الإيراني قد قطع شوطاً نحو الاتفاق.
يستطيع النظام الإيراني إزالة الذرائع التي استخدمتها إسرائيل في الهجوم عليه، فعندما يدعو الخطاب السياسي والإعلامي الإيراني إلى إزالة إسرائيل وتدميرها، فإن ذلك يقود الأخيرة ومعها أميركا إلى إحباط المشروع النووي الإيراني حتى وهو يقتصر على مجالات سلمية.
إذا ركزت إيران على مناهضة الاحتلال الإسرائيلي عام 67 ونظام الأبارتهايد وجرائم الحرب ودعمت حقوق وصمود الشعب الفلسطيني كما يفعل السواد الأعظم من دول العالم يكون تأثيرها وحضورها لا يقاس بسياسة المغامرة بالقوى التي تتبع نهجها فقط مثل حماس والجهاد كما حدث في حرب الإبادة بعد 7 أكتوبر.
وتستطيع إيران حل التناقض مع الدول والشعوب العربية التي سيطرت عليها وسلبت دولها حق اتخاذ قرار الحرب والسلم وكل ما له صلة بسيادة تلك الدول بالانتقال من سياسة التدخل والوصاية والتوريط إلى سياسة الاحترام المتبادل.
لقد تجاوز النظام الإيراني كل منظومة العلاقات الدولية (كميثاق الأمم المتحدة وميثاق الجامعة العربية وميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي والدساتير الخاصة بكل بدولة)، عندما زج ببلد كلبنان في الحرب بالضد من موقف دولته وأكثرية شعبه وتسبب في كارثة تدمير عشرات القرى وتهجير أكثر من مليون مواطن، ولم يحترم قرار الحكومة اللبنانية بإبعاد السفير الإيراني الذي يتدخل في الشأن اللبناني خلافاً للأعراف الدبلوماسية. الشيء نفسه ينطبق على العراق واليمن وكان ينطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة وعلى سورية.
وتستطيع إيران تصويب علاقاتها مع دول الخليج بما في ذلك سحب القواعد العسكرية الأميركية.
يقول عبد الرحمن الراشد في صحيفة «الشرق الأوسط «: إيران هي من تسببت وجلبت التدخل البحري الخارجي وأسست لوجود عسكري أميركي دائم. أثناء الحرب الإيرانية العراقية كان العراق يهاجم ناقلات النفط الإيرانية. لم تكتفِ إيران بمهاجمة قوات العراق البحرية بل هاجمت أيضاً سفن الخليج البحرية. ما دفع الكويت لطلب الدعم الأميركي وتم رفع الأعلام الأميركية على الناقلات ورافقتها قطع بحرية أميركية، ويختم الراشد مقاله بالقول: لو تتخلى إيران عن قدراتها العسكرية الهجومية كبرامج ومنظومات ومخازن واعتماد آلية تنفيذية يصبح الحديث عن إنهاء القواعد الأميركية معقولاً.
الأهم هو تراجع إيران عن تصدير ثورتها إلى دول الجوار، لا سيما أن هذا الصنف من الثورة ديني ومذهبي ولا يتلاءم مع التحرر والتقدم والحريات، حتى في الزمن الثوري كان المعسكر الاشتراكي يدعم حركات التحرر الوطني دون أن يشترط الانتماء للشيوعية واليسار ودون فرض وصاية عليها، وكانت تجربته في دعم الثورة الفلسطينية بكافة فصائلها أكبر دليل على ذلك.
تستطيع إيران أن تتصالح مع محيطها العربي بالتراجع عن سياسة التدخل والوصاية والتهديد، وتستطيع أن تقطع الطريق على تدمير بنية الطاقة وشبكات الكهرباء والمصانع وآبار النفط وإعادة إيران سنوات وربما عقوداً إلى الوراء.
تستطيع إيران وقف الحرب بوجود مجموعة دول بل أكثرية دول العالم المتضررة من غطرسة القوة التي يمارسها ترامب ونتنياهو.
وبموقف مناهض للحرب تتبناه كل شعوب العالم بما في ذلك الشعب الأميركي، ولا يشذ عن القاعدة إلا المجتمع الإسرائيلي الذي يقوده معسكر المتطرفين.
هذه الدول تستطيع بلورة اتفاق يرفع العقوبات والحصار عن إيران ويعيدها عضواً طبيعياً في منظومة الدول المناهضة للحرب والهيمنة والعنصرية والنهب.
الخطوة الأولى تبدأ بوقف مهاجمة إيران للدول العربية، وتتوقف عن زج لبنان في حرب مدمرة، وكذلك التوقف عن زج العراق واليمن في حروب خاسرة.
البديل عن ذلك إقدام ترامب ونتنياهو على استخدام المزيد من القوة والتدمير باحتلال مضيق هرمز وجزيرة خرج وممارسة الضغوط على الدول الخليجية لدخول الحرب، وخلق واقع جديد من الهيمنة على الشرق الأوسط، وتصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل نظام دولي على قاعدة شريعة الغاب وثقافة إبستين.



