من دراسات “مؤمنون بلا حدود” : التدين، والارهاب، ومأزق السلطة للاسلامويين

الملخص:
تقدم لكم لجنة التعبئة الفكرية بفتح 3 دراسات هامة لمؤسسة مؤمنون بلا حدود: في الاولى حول السرديات الدينية الصغرى والكبرى تعامل مع ضرورات1-نقد الخطاب الوعظي و2- مساهمة في رد الاعتبار للتصوف و3- مساهمة في التصدي لظاهرة “التطرف العنيف“ثم التعاطي مع 1- مسؤولية “المثقف المؤمن 2-نقد مزدوج للمشتغلين على سؤال الدين و3-اشارات في “فلسفة الدين“ ومما يجدر الإشارة له التأكيد على أن : (واقعَ التشرذم الطائفي، والتعصب المذهبي، والانغلاق التفسيري، ووهم الامتلاك الحصري للحق، والتماهي مع الفرقة الناجية، والعجز عن الخروج من الفهم السيِّد والسائد للتديّن؛ على ما فيه من عِلل وآفات عقلية وإيمانية وتاريخية، ذلك يفضي إلى تكريسِ “الجهل” السائدِ باسم “المقدَّس” والذي قد يستحيل عنفاً وقتلاً إزاءَ أي مختلِف ولو كان من “أهل الملّة”)
وفي الورقة الثانية حول الإرهاب يقول الكاتب: أن أولى المحاولات الجادة لتعريف مفهوم الإرهاب ترجع إلى عام (1934م)، حينما قام (جي . بي . اس . هاردمان) في مقالٍ له بموسوعة العلوم الاجتماعية بتعريف الإرهاب بأنه: المنهج أو النظرية الكامنة وراء النهج الذي بمقتضاه تسعى مجموعة منظمة أو حزب ما إلى الوصول إلى أهدافه المعلنة بالاستخدام المنهجي للعنف بصورة أساسية. لكنه يضيف أن:التعريف المتفق عليه يبدو مهمة مستحيلة.
ويورد تعريفات منها: الجامعة العربية تعرف الإرهاب بأنه فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه، أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد المصادر الوطنية للخطر.
مضيفا أن: هناك اتفاق بين منظري السياسة والباحثين في الظاهرة على أن الإرهاب نوع من أعمال العنف السياسي يعرض الأرواح والممتلكات للخطر، ويخلق حالة من الفزع والخوف والقلق المستمر.
أما التعريف الإجرائي الذي اعتمدته للإرهاب، في كل الدراسات التي قمت بها حول المصطلح فهو: “عنف سياسيّ متعمَّد، أو التهديد به، بهدف زرع حالة من الخوف المستمر المتخطي للحدود الدولية وبث الرعب، ويستهدف الأهداف المدنية، وتخطط له وتنفذه أطراف فاعلة دون الدول”. ويؤكد إشكالية الخلط بين المقاومة والإرهاب.
وفي المقال الثالث عن:الإسلام السياسيّ: أوهام الهويّة ومأزق السّلطة يذكر المؤلف أن:تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس بيّنت “أنّ الحاجة كبيرة إلى مراجعة الأهداف والأساليب ومناهج التغيير لدى الحركات الإسلاميّة، فقد وقعت هذه الحركات بما في ذلك حركة النهضة من حيث تعرف أو لا تعرف في التأثّر بثقافة القوميّين والبعث واليسار، فتورّطت في لوثة طلب الحكم، والتوسّل إليه بكلّ وسيلة، والى ذلك يشير أن الاسلامويين في تونس لاحقا تفاجؤوا قائلا: “تفاجأ الإسلاميّون في تونس بأنّ هناك متخيّلا هوياتيّا إسلاميّا تونسيّا مقابلا لمتخيّلهم الإسلاميّ، له وجود فعليّ وتجسيدات اجتماعيّة ومرجعيّات تاريخيّة حقيقيّة، ظهر ذلك في سياق الجدالات التي واكبت نشاطات الجمعيّات الدعويّة ذات المنازع السلفيّة والإخوانيّة، ومنها جمعيّات كانت بقيادة مباشرة من أعضاء في حركة النهضة ونوّاب عنها في المجلس التأسيسيّ.
ويقول في الختام أنه ثبت: نجاح الأحزاب الإسلاميّة في المعارضة وفشلها في الحكم، وان: هذا التيّار ينزع إلى الفرقة والضعف كلّما أصبح قريبا من مراكز الحكم والقرار، بل إنّه عندما يصبح في الحكم ينتهي بالضرورة إلى النهاية التراجيديّة.”
أولا:
السرديات الصغرى والسرديات الكبرى في “رهانات التديّن” اليوم
منتصر حمادة
هذه قراءة في السرديات الصغرى والسرديات الكبرى، أو “الحكايات الكبرى” و”الحكايات الصغرى” بتعبير جان فرانوسا ليوتار، التي نعاينها في كتاب ألفه الباحث المغربي محمد التهامي الحراق، وعنوانه: “إنِّي ذاهبٌ إلَى ربِّي: مقاربات في راهن التديّن ورهاناته”[1[.
جاء العمل موزعاً على ثلاثة أبواب، بعناوين يؤمن المؤلف إيماناً جازماً لأنه لا مفر لمسلمي اليوم والمستقبل من العمل بها، في سياق الانتصار للأفق الرحموتي والإنساني للدين من جهة، وفي أفق الانعتاق من السياجات الطائفية التي تعيق وتشوش على النزعة الإنسانية في الدين، وجاءت هذه العناوين كالتالي: “في رهان العقلنة”؛ “في رهان الرّوحنة”؛ “في رهان الجمال”، وهي رهانات سعى الكتاب إلى اتخاذها مداخل لطرح أفق مصالحة المسلم مع الحداثة، عبر الإسهام في ترشيد الفهم السقيم السائد اليوم للإسلام، والذي تطوقه، حسب الكاتب، آفات طَبَعَت تديننا، لا دينَنَا، بخفوتِ “العقلانية” بما هي فعلٌ في التاريخ وتأسيسٌ للحقيقة ضمن صيرورة التطورات العلمية والإبستيمية، مثلما طَبَعَتْه بذبول “الروحانية” بما هي إنتاج للتقديس وتغذية للظمأ الأنطولوجي للمعنى.
ويتوسل الكتاب، من خلال هذه الملامح، بالبعد النقدي التساؤلي من أجل الإسهام في المسعى التنويري للممارسة الدينية اليوم، كما يروم المساهمة في فتح آفاقٍ من شأنها دعمُ تجديد الخطاب الديني بما يجعل الإسلام اليوم أفقاً مستقبلياً كونياً للهداية، تتواشج فيه، وضمن المعقولية الحديثة، “العقلانية” و”الروحانية”؛ أي تساؤلية العقل وطمأنينة القلب.
1 ــ السرديات الصغرى لرهانات التديّن
نقصد بالسرديات الصغرى هنا، بعض مضامين العمل التي تنتصر للهم النقدي المسؤول، ونخص بالذكر ثلاثة منها على الأقل:
ــ مساهمة في نقد الخطاب الوعظي:
يتعلق الأمر بعدة إشارات نقدية جاءت في مضامين الباب الأول من الكتاب، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر: “في الحاجة إلى نقد الخطاب الوعظي”؛ “الإسلام وكفى: الشعار ومخاتلاته”؛ “بؤس التديّن وجنونُ التماهي”؛ “فهمُ الدين وسؤال التغيُّر”؛ “أي خطاب ديني نريد في زمننا المفتوح”؟ وغيرها من المقالات التي تصب في الانتصار لهاجس النقد الذاتي، و”الإقدام على العمل العلمي والإيماني الضروري من أجل المراجعةِ النقدية الجذرية لخطابنا الديني السائدِ، وهي مراجعةٌ نخالها ملحاحةً ومصيرية وضرورية عقلاً وإيماناً وتاريخاً؛ ذلك أن واقعَ التشرذم الطائفي، والتعصب المذهبي، والانغلاق التفسيري، ووهم الامتلاك الحصري للحق، والتماهي مع الفرقة الناجية، والعجز عن الخروج من الفهم السيِّد والسائد للتديّن؛ على ما فيه من عِلل وآفات عقلية وإيمانية وتاريخية، ذلك يفضي إلى تكريسِ “الجهل” السائدِ باسم “المقدَّس”[2]، والذي قد يستحيل عنفاً وقتلاً إزاءَ أي مختلِف ولو كان من “أهل الملّة”[3[
واضح أن المقصود بهذه الإشارات النقدية، لائحة عريضة من أنماط تديّن، وخاصة منها التديّن الحركي، الذي تسبب للمسلمين ولغير المسلمين فيما يُشبه مشاكل مجانية، وليس صدفة، أن تكون بعض الممارسات غير السوية الصادرة عن هذا التديّن، في مقدمة الأسباب والمُحددات المغذية لظاهرة الإسلاموفوبيا.
ــ مساهمة في رد الاعتبار للتصوف:
أخذاً بعين الاعتبار التحولات التي تطال الحقل الصوفي في المجال التداولي الإسلامي، وخاصة التداول المغربي الذي اشتهر منذ قرون بأنه “بلد الأولياء” [مقابل المشرق التي توصف بأنها “بلد الأنبياء”]، فقد تضمن الباب الثاني من الكتاب، مجموعة إشارات تروم المساهمة في رد الاعتبار للعمل الصوفي، أو قل التديّن الصوفي، سواء كانت هذه التحولات تتم بشكل غير مقصود، قاهر، بمقتضى إكراهات الساحة والساعة، محلياً وإقليمياً ودولياً، أو تتم عن قصد، كما أشرنا إليها في مقام آخر[4[
في هذا السياق، نقرأ دعوة المؤلف إلى أهمية تجديد عمل الزوايا، بكل الإحالات النقدية المصاحبة لهذه الدعوة[connotation critique]؛ أو مطالبته بالاشتغال على الأفق التحريري للخطاب الصوفي؛ أو اشتغاله على موضوع قلما عاينا الاشتغال عليه، وهو أدوار التديّن الصوفي في سياق التفاعل مع الخطاب ما بعد الحداثي[5]، وتتقاطع اجتهادات محمد التهامي الحراق التي تنهل من الخطاب الصوفي في سياق التفاعل مع إكراهات وتحديات الخطاب ما بعد الحداثي، مع اجتهادات الباحث خالد ميار الإدريسي، والذي يرى أن “إثارة إشكالية القيم الروحية أو التصوف وتحديات ما بعد الحداثة يندرج ضمن إشراك الجميع في هم التفكير في مستقبل القيم الإنسانية السامية التي تحمل الإنسان إلى الاتصال بخالقه بدل المكوث في غفلة الانفصال”، ومن “أهم التحديات التي تواجهها التربية على القيم الروحية، تحديات فلسفية فكرية، تكمن في زعم رواد ما بعد الحداثة أن زمن الحقيقة المطلقة قد ولَّى، وليس هناك من يملك إمكانية احتكار أو ادعاء الحقيقة، سواء كانت مُجسّدة في أديان أو فلسفات أو إيديولوجيات. فكر ما بعد الحداثة يرفض الأنساق المغلقة أو الحكايات الكبرى حسب تعبير ليوتار. وهذا الرفض مرتبط بثلاث نزعات، النزعة اللاتمثيلية والنزعة اللاتأسيسية والنزعة اللاماهوية”[6[
في معرض تقييم وتقويم الخطاب الصوفي، ومعه العمل الصوفي، يرى المؤلف أن “أوّل ما يجب القيام به لتأهيل التصوف اليوم للإسهام في الإجابة عن الاحتياج الإنساني الكوني الراهن لرَوْحنة وتجسير العلاقة بين المتعالي وقيم الحداثة الكونية، هو عدم اختزال التصوف في الطرقية من جهة، ثم تحرير الممارسة المنتسبة للمرجعية الصوفية من آفتي التسييس والتطقيس من جهة ثانية؛ وهما الآفتان اللتان تطوقان تدين المسلمين اليوم في أشكاله المختلفة. كما يقتضي التأهيل المذكور من أهل العرفان تجديد قراءة موروثهم لاستشفاف روحه المتعالية السارية في ذاك الإرث الباذخ، وإعادة صياغتها وطرحها في “كشوفات” و”فتوح” و”مذاقات” تلائم تلك الروح من جهة التعالي، وتستجيب للراهن على مستويي المعقولية الحداثية واحتياجها للمعنى”[7[
ــ مساهمة في التصدي لظاهرة “التطرف العنيف“
رغم أن أغلب مضامين الكتاب تهم تحديات معاصرة تطال المسلمين، خاصة في المجال التداولي الإسلامي، إلا أنها تضمنت وقفة مع بعض التحديات التي تطال الأقلية المسلمة في القارة الأوروبية، وخاصة في فرنسا حيث توجد أكبر نسبة من مسلمي القارة، برقم يناهز ستة ملايين نسمة، على هامش تفاعل المؤلف مع اعتداءات إرهابية طالت الساحة هناك خلال السنين الأخيرة، متوقفاً عند ما اصطلح عليه بـ”التباسات الفهم”، وعدَّ منها ثلاثة: “تكرار الفعل ومآزق رد الفعل”؛ “إسلام معتدل أم إسلام معاصر؟”؛ وأخيراً، ” الدين وخطر التنميط الثقافي“.
يرى الحراق أن هذه الالتباسات الرئيسة الثلاثة “تحول دون فهم الإسلام بشكل يُقربنا روحياً وعقلياً من حقيقته الدينية والتاريخية؛ التباس أول نابع من الخلط بين الإسلام بما هو دين وبين العوامل التاريخية المُوَلِّدةِ للإرهاب بما هو عنف مُدَان أكان باسم الدين أم باسم غيره؛ والتباس ثان نابع من الخلط بين رفع شعار الاعتدال وبين العجز عن الذهاب إلى التفكيك الجذري للمفاهيم المُؤسِّسَة للتشدد باسم الدين؛ والتباس ثالث نابع من الخلط بين الدين بما هو وحدة روحية واعتقادية وتعبدية وأخلاقية وبين الثقافة التدينية بما هي احتضان تاريخي وثقافي متعدد لتلك الوحدة. وهي التباسات، من بين أخرى، طُرِحت بقوة من جديد عقب لائحة تفجيرات، ومن ثم فإن كل تأخر أو تماطل عن القيام بالعمل التنويري الضروري لفهم ديننا من أجل تحريره من هذه الالتباسات، لا محالة مُفضٍ إلى تفاقم أنماط سوء الفهم لدينٍ ما زلنا عاجزين عن استلهام رحمته العالمية؛ دينٍ لم نستطع بعدُ تسييدَ فهمٍ كوني ورحموتي وإنسي لنصوصه المؤسِّسةِ ولتاريخه الفكري “التنويري” المنسي”[8[
مضامين هذه الاجتهادات، تتقاطع مع مضامين اجتهادات الباحث رشيد المناصفي، وهو محلل نفسي ومختص في علم الإجرام، حيث ألف مؤخراً كتاباً حول المحُددات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبدرجة أقل الدينية، التي ولدت ظاهرة “التطرف العنيف” في الساحة الفرنسية، بعنوان: “أطفالنا المفخخون: بين الانحراف والتشدد”[9[
2 ــ السرديات الكبرى لرهانات التديّن
نقصد بالسرديات الكبرى للعمل، بعض الرسائل المضمرة في مضامينه، ونذكر منها ثلاثة على الأقل:
ــ مسؤولية “المثقف المؤمن“
“المثقف المؤمن” هنا، وهو مؤلف الكتاب، باعتباره ينهل من مرجعية صوفية من جهة، ويشتغل في مؤسسة دينية من جهة ثانية، وأخذاً بعين الاعتبار أن أغلب العاملين في هذه الفضاءات/ المجالات الدينية المؤسساتية، يعملون بقاعدة: “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون” [الآية] في معرض التعامل مع عدة تحديات تمر منها الساحة، منها تحدي الخطاب الديني المتشدد، إلا أن المؤلف ارتأى خوض مغامرة “الاشتباك المعرفي” مع مجمل هذه الأنماط غير السوية من التديّن، والتي أصبحت بقوة الواقع الذي لا يرتفع اليوم، أشبه بإعاقات ضد مشاريع تجديد الخطاب الديني، أو قل الإصلاح الديني في سياقه الإسلامي.
ــ نقد مزدوج للمشتغلين على سؤال الدين:
من مُميزات العقول البحثية التي تأخذ مسافة من المرجعيات الفكرانية [الإيديولوجية]، أنها تنتصر في الغالب لخيار “النقد المزدوج”، بتعبير الراحل عبد الكبير الخطيبي، في معرض التعامل النقدي مع الخطاب الصادر عن هذه الفكرانيات، وخاصة الفكرانيات التي تشتغل على سؤال الدين، وليس صدفة، أن يكون الأفق المعرفي [الإبستيمي] لهذه العقول البحثية الرصينة، أعلى مقاماً من الأفق المعرفي لهذه الفكرانيات[10[
نعاين مطرقة النقد المزدوج للخطاب الديني التقليدي، بلْه الإسلامي الحركي، وللخطاب الديني الحداثي، في عدة مقامات من الباب الثاني للكتاب، كما تزكيها هذه العناوين وغيرها: “الخطاب الديني المعاصر وضرورة التحرير المزدوج”؛ “تنوير فهمنا للدين: تلك الجبهة المؤجلة”؛ “أسئلة منسية في فلسفة الدين”؛ “سؤال المقاربات الحداثية للوحي: تأملات نقدية”؛ “العقلانيون العرب بين دعوى تنوير الإسلام وتهمة تحطيمه“.
ففي المبحث المخصص لتقييم وتقويم “العقلانيين العرب” في تعاملهم مع المسألة الدينية، وجاء تفاعلاً مع مقالة شهيرة لرضوان السيد[11]، أثارت نقاشاً موسعاً لدى النخبة الفكرية في المنطقة، اعتبر المؤلف أن مناط الالتباسِ في الاقتراب من أعمال التيار العقلاني العربي، “يكمنُ أساساً في ذاك التوتر الناجم عن العلاقة الجدلية القائمة بين المقاربة الإيمانية والمقاربة العقلانية للدين، ذلكَ أن المؤمنين، في الغالب، يُقبلونَ على تلك المقاربات العقلانية لدينهم وهم مأخوذون بتبشيرات العقلانيين لهم بـ “التنوير”، تنوير إيمانهم لا “تحطيمهِ” وعقلنتهِ لا “سلخهم عنه”، لكنهم يُفاجأونَ، وهنا منبع التوتر، حين لا يجدون في هذه المقاربات بناءً بعد تفكيك، ولا إنتاجاً بعد إهدار، ولا إثباتاً بعد محو. وقد سبَّب هذا الأمرُ اصطداماً مازال مفتوحا بين المقاربة الإيمانية وهذه المقاربات. فمع كون هذه الأخيرة ما تفتأ تُعلن أنها لا تعادي الدين ولا تتنكر للإيمان، وإنما تسعى إلى تحريره وتنويره وتجديده ليقوم على أسس عقلانية بدل أن يُبنى على أسس هشة أسطورية أو لا تاريخية، إلا أن عمل هذه المقاربات في الغالب لا يتجاوز التفكيكَ والإعلانَ عن حسن الطوية في التعامل مع النص الديني والتأكيد على الضرورة الأنطولوجية للإيمان، وقدرته على إضفاء معنى غائي على وجود المؤمن بما لا يستطيع غيرُه أن يحل بدله في إضفائه، فيما تظلُّ النتيجةُ العملية للتفكيك هي تفجيرُ التنزيلات التاريخية لهذا الإيمان دون امتلاك أي قدرة ثيولوجية على بناء معقوليات إيمانية حديثةٍ بديلة، وإن كنا نرى أن ثمة ضرورةً لانخراط “علماء الدين” في هذا الأمر من أجل إعادة “عقلنة” و”رَوْحنة” الإيمانِ اليوم بما يلائم خصوصيةَ العصر ومقتضيات الأسئلة المعاصرة، ويستخلص الثوابتَ والمتعاليات العقَديةَ والإيمانيةَ الثابتة من ملابسات التحيز المكاني والزماني والسياقات التاريخية والموجهات الإيديولوجية المتقلبة”[12].
ــ إشارات في “فلسفة الدين“:
لا نتحدث عن إشارات يعج بها الكتاب، ذات صلة بفلسفة الدين، لأن إحدى مقالات الكتاب جاءت بعنوان “أسئلة منسية في فلسفة الدين” [ص 125 – ص 129]، ولو صحّ أن الأمر كذلك، لصحَّ معه الحديث عن كون أغلب المؤتمرات والندوات والملتقيات التي تُنظم في مجالنا التداولي الإسلامي، من طنجة إلى جاركارتا، في موضوع “تجديد الخطاب الديني”، تُصنف في خانة “تجديد الخطاب الديني”، وقد يكون الأمر كذلك نظرياً، ولكن من الناحية العملية، وهذا ما نعاينه بعد منعطف اعتداءات نيويورك وواشنطن، وبالأحرى ما نُعاينه اليوم بعد أحداث “الربيع العربي”[13]، يُفيد أن الأمر خلاف ذلك.
نتحدث عن إشارات في “فلسفة الدين”، لأن هذا الكتاب، يُصنف فعلاً في هذا الحقل المعرفي الذي نُعاني خصاصاً كبيراً فيه، وخاصة في التداول الإسلامي السني، بخلاف التداول الإسلامي الشيعي مثلاً، الذي ذهب بعيداً في مضمار علم الكلام، واستغل هذا الاجتهاد في سياق الدعاية والترويج للمشروع الشيعي الطائفي.
وإذا استثنينا حالة أقلام بحثية في التداول الإسلامي، على قلتها، تشتغل بعيداً عن الأضواء، وتُحرر في باب “فلسفة الدين”، فإن أداء الفاعلين البحثيين في المؤسسات الدينية، أو خارج هذه المؤسسات، متواضع في معرض الإنتاج العلمي الذي يُصنف في خانة “فلسفة الدين“.
نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار أن هذا الباب المعرفي، يُعتبر من أهم الأبواب النظرية وبالتالي العملية التي تساعدنا على التصدي للائحة تحديات يمر منها التداول الإسلامي، ومن باب أولى التداول الإسلامي في السياق الغربي، الأوروبي والأمريكي على الخصوص.
[1] محمد التهامي الحراق، إنِّي ذاهبٌ إلَى ربِّي: مقاربات في راهن التدين ورهاناته، دار أبي رقراق للنشر، الرباط، ط 1، 2016، وجاء العمل في 403 صفحة. [2] أو “الجهل المقدس” بتعبير أوليفيه روا. أنظر:
Olivier Roy, La sainte ignorance: Le temps de la religion sans culture, Seuil, 2008, 275 pages.
انظر قراءة في النسخة العربية من العمل، وصدرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث[www.mominoun.com]، بتاريخ 8 يونيو 2013، بعنوان: “صرخة أوليفيه روا ضد “الجهل المقدس” أو صرخة فصل الدين عن الثقافة”، على الرابط المختصر: goo.gl/8ixkGz
[3] محمد التهامي الحراق، مرجع سابق، ص 145
[4] في خاتمة كتاب “نحن والتصوف”، توقفنا حينها [2009] عند بعض الملامح المستقبلية للعمل الصوفي، وذكرنا منها أربعة خيارات: المأسسة، أو الخيار التوظيفي؛ التمييع، أو الخيار الفولكلوري؛ التهميش، أو الخيار التقزيمي؛ الهيمنة، أو الخيار التوسعي.
انظر: منتصر حمادة، نحن والتصوف، دار الشروق، الرباط، ط 1، 2009
[5] أو “الحداثة البعدية” بترجمة المفكر السوري الراحل مطاع صفدي.
[6] ميار الإدريسي: التعددية الأخلاقية لما بعد الحداثة تُدنّس المقدس، موقع “الإسلام في المغرب”، 1 أكتوبر 2014، على الرابط المختصر: goo.gl/e3Lp4w
يضيف خالد ميار الإدريسي، أن التحدي الأخلاقي الذي تفرضه أدبيات ما الحداثة، يكن في أن هذه الأخيرة، تدعي “عدم وجود أخلاق مطلقة، إذ يؤمن رواد ما بعد الحداثة بنسبية الأخلاق، وبالتالي الإقرار بتعدد الممارسة الأخلاقية وانتفاء وجود مركزية أخلاقية، وهذا ينافي الذوق السليم ويؤدي إلى فوضى “أخلاقية” وعدم الاتفاق والإجماع على قيم الصدق والحرية والحياء والكرامة وغير ذلك“.
[7] محمد التهامي الحراق، مرجع سابق، ص 227 [8] محمد التهامي الحراق، مرجع سابق، ص 176
[9] أنظر: Rachid El Mouacifi, Nos Enfants Piégés entre Délinquance et Radicalisation, AfriqueOrient, Casablanca, 2017.
تضمن الكتاب مقدمة وثلاثة أبواب: “المسلمون أول ضحايا الإرهاب”؛ “من تاريخ الجهاد إلى الجهاد المعاصر”؛ “حلولنا أمام التشدد”، وجاء في 190 صفحة.
[10] يمكن استحضار الأفق المعرفي لعلي عزت بيغوفيتش، عبد الوهاب المسيري، طه عبد الرحمن، في التداول الإسلامي، أو وائل حلاق وإدوارد سعيد في التداول المسيحي، حتى نأخذ فكرة أولية عن المقصود بسمو الأفق المعرفي لهذه الأقلام مقارنة مع الأفق البحثي للأقلام الفكرانية/ الإيديولوجية.
[11] الإحالة على مقالة: “الحملة على الإسلام والحملة على العرب”، لرضوان السيد، ونشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”، لندن، عدد 18 أبريل 2014 [12] محمد التهامي الحراق، مرجع سابق، ص 136
[13] من كان يتخيل أنه سيأتي زمان على التداول المصري، حت نسمع، في مرحلة ما بعد يناير 2011، تنظيم مظاهرة مليونية، تحت شعار: “جمعة قندهار”، رُفعت فيها أعلام التنظيمات الإسلامية القتال أو قل “جهادية“.
ثانيا:
عن ماذا نتحدّث عندما نتحدّث عن؟
سعود الشرفات
الإرهاب؛ كغيره من المفاهيم مثل الحضارة، والعولمة والثقافة، والعنصرية، والقومية والجنس والعرق كلّها مفاهيم من نتاج الحداثة (الأوروبية) بعد عصر التنوير والثورة الصناعية وما تبعها من تطورات وتداعيات متسارعة، شكلت المنظومة المعرفية لأوروبا والغرب المعاصر. وأقصد بذلك القول بأن هناك فصلا واختلافا كلّيا في معنى مصطلح الإرهاب في السابق، والمراد به ومآلاته، والإرهاب الذي نعالجه ونعاني منه في الحقبة الحالية من العولمة.
يقول (جيروم كيغان)، وهو محق في ذلك: “يتحدد معنى أية جملة بالنسبة إلى المتحدث والسامع وفقاً للأمور الفعلية التي يتحدثان عنها، في ضوء شبكة الأفكار التي تصدر عنها الجملة” و(كيغان) هنا يستلهم بذلك بعض المآثر الفكرية للفيلسوف (لودفيك فتغنشتاين) الذي يقول إن معاني معظم العبارات التي يتم تداولها بين الناس هي معانٍ مبهمة.
إن لفظ إرهاب لغوياً مصدره رهبة، أما في قواميس اللغة فقد كان القاسم المشترك بينها معنى الخوف والتخويف، وقد وردت هذه المفردة عند الزمخشري، إذ يقول: “يقشعرّ الإهاب إذا وقع منه الإرهاب، ولكن يبدو واضحاً أنها قد استعملت هنا بصيغة المصدر من فعل أرهب، ولم تستعمل كلمة إرهاب العربية للدلالة على الواقع السياسي إلا مؤخرا، فقد ورد في “المنجد” مثلا، “الإرهابي: من يلجأ إلى الإرهاب لإقامة سلطته، الحكم الإرهابي: نوع من الحكم يقوم على الإرهاب والعنف، تعمد إليه حكومات أو جماعات ثورية، كما جاء في دائرة المعارف أن “الإرهاب مصدر أرهب: أخاف، راع خوَّف، روّع، فهو الإخافة والترويع، يستعمله بعض المعاصرين بمعنى التخويف والتفزيع، ويستعمله البعض الآخر بمعنى التهديد في سبيل الابتزاز والأخذ، وكلمة تهويل أولى بهذا المعنى، وقد يستعمل بمعنى إلقاء الخوف الجماعي وخلق جوّ من الذعر: (Terrorism, Terreur) وكلمة “رعب” أولى بهذا المعنى().
أما اصطلاحا؛ فإن مفهوم الإرهاب – كنوع من أعمال العنف السياسي – من المفاهيم الحديثة في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية والعالمية، لكنه شهد اهتماما وفورة في الدراسة بعد أحداث (11أيلول / 2001) الإرهابية ضد (أمريكا). ثم ما تبع ذلك من تداعيات عالمية، حتى أصبح الآن من أهم حقول البحث النشطة في نظرية العلاقات الدولية وسيرورة العولمة.
وتشير معظم أدبيات ظاهرة الإرهاب إلى أن أولى المحاولات الجادة لتعريف مفهوم الإرهاب ترجع إلى عام (1934م)، حينما قام (جي . بي . اس . هاردمان) في مقالٍ له بموسوعة العلوم الاجتماعية بتعريف الإرهاب بأنه: المنهج أو النظرية الكامنة وراء النهج الذي بمقتضاه تسعى مجموعة منظمة أو حزب ما إلى الوصول إلى أهدافه المعلنة بالاستخدام المنهجي للعنف بصورة أساسية().
لكنه لم يتم للآن، بالرغم من كثرة محاولات الباحثين والدارسين أفراداً أو جماعات أو حكومات، الوصول إلى تعريف محدّد متفق عليه، لذلك تعددت التعريفات وتنوعت حتى بلغت أكثر من مئتي تعريف، وهذه الكثرة في التعريفات فرضت إشكالية إبستمولوجية للباحثين والدارسين أكثر مما ساهمت في سهولة دراسة الظاهرة.
وهناك اتفاق بين منظري الإرهاب المعاصر بأنه أحد أشكال الصراع السياسي – الاجتماعيّ، ونظراً لأنّ الحرب كانت ولا تزال، حتى الآن أهمّ هذه الأشكال، فإن الإرهاب يمكن أن يكون هو ثاني هذه الأشكال أهمية في عصر العولمة نظراً لما يترتّب عليه من نتائج، وهناك اتجاهات مستقبلية، لأن يصبح إدراك ظاهرة الإرهاب أوسع وأعمق بفعل آليات العولمة التكنولوجية.
لقد كانت دراسة ظواهر الصراع، ومنها الإرهاب مشكلة تواجه الباحثين في علم الاجتماع والعلاقات الدولية والعالمية، كما أن قِصَر عمر الدراسات في هذا المجال “بخاصة استخدام المناهج النقدية والكمّية حال دون قدرة الباحثين على إعطاء إجابة شافية” وتبقى المشكلة هنا متمثلة في صعوبة جمع المعلومات عن ظواهر الصراع كالإرهاب، وهي صعوبة أكبر مما يحاول بعض الباحثين أن يصوّرها().
وعلى الرغم من وجود الأمثلة الكثيرة على الأحداث الإرهابية تاريخياً، إلا أن الإرهاب بشكله الحديث ظهر في منتصف القرن التاسع عشر، وتعود كلمة إرهاب الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية المعتمدة بدورها على أصل لاتيني وتعني (تخويف) وترجع تاريخياً إلى عام (1795) عندما استخدمت لوصف أعمال ما يسمّى جماعة اليعاقبة بقيادة (ماكسيمليان روبسبير) بعد الثورة الفرنسية، إذ أشاع هؤلاء استخدام هذه الكلمة للتعريف على أنفسهم، وقد وصفت تلك الفترة (1789 – 1799) بفترة (الرهبة أو الرعب). أما المعنى (الإنجليزي)، فإنه قد شاع عندما استخدمه الفيلسوف السياسيّ المحافظ (إدموند بيرك) الذي كان من أشد معارضي الثورة الفرنسية بشكل عامّ، والإرهاب بشكل خاصّ.
الإرهاب تعرفه عندما تراه
هناك اتفاق كبير بين منظري وباحثي ظاهرة الإرهاب على أن التعريف المتفق عليه يبدو مهمة مستحيلة ومن غير المناسب الانشغال بمسألة التعريف الآن، وبخاصة أن من يعتبر إرهابيا، قد يعتبره آخرون مقاتلا من أجل الحرية.
وتحدث مدير المخابرات الأمريكية (CIA) في إدارة جورج بوش الابن 2004-2006 م، (بورتر جي غوسporter J. Goss ) بنفس المضمون في تعليقه على تعريف الإرهاب الذي يمكن أن يرى في عملية نسف عيادة للإجهاض في (أمريكا) عملا إرهابياً، بينما يراه آخرون غير ذلك.
ولذلك يمكن القول، إن هناك فوضى في مسألة التعريف مقابل شبه انتظام واتفاق دولي على خطورة الظاهرة حالياً.
فعلى سبيل المثال، نجد في موسوعة لاروس الفرنسية أن كلمة إرهاب تشير إلى مجموع أعمال العنف التي ترتكبها المجموعات الثورية، والإرهابي هو الشخص الذي يمارس العنف، وارتبط وصف إرهابي بزعماء الثورة (الفرنسية) المتطرفين من اليعاقبة بزعامة (ماكسيمليان روبسبير) الذين أقاموا حكما مبنيا على الرعب والإرهاب في فرنسا بعد الثورة الفرنسية 1789- 1799 م، في فترة زمنية عرفت في كتب التاريخ وأدبيات الإرهاب بــــ “فترة الرهبة”، حيث قضى بين (16,000 إلى 40,000) مواطن (فرنسي) في الفترة الممتدة بين 1793 و1794 على يد ما يسمى “لجنة السلامة العامة” إثر سيطرة (روبسبير) على السلطة.
بينما تعرف الموسوعة البريطانية الإرهاب بأنه الاستخدام المنظم للرعب، أو العنف ضد الحكومات والجمهور والأشخاص لتحقيق هدف سياسي، ويعرّف الاتحاد الأوروبي الإرهاب بأنه عمل يرتكب بهدف ترويع المواطنين أو إجبار حكومة أو هيئة دولية على القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بعمل ما، أو تدمير الهياكل الأساسية السياسية أو الدستورية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لدولة أو لهيئة دولية أو زعزعة استقرارها بشكل خطير.
على الجانب العربي مثلا ، نجد أن الجامعة العربية تعرف الإرهاب بأنه فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه، أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد المصادر الوطنية للخطر.
أما لجنة الخبراء العرب التي انعقدت في تونس ما بين (22-24/8/1989م) لوضع تصور عربي أولي لمفهوم الإرهاب، والإرهاب الدولي والتمييز بينه وبين نضال الشعوب، لغايات التحرر فقد وضعت التعريف التالي: “هو فعل منظم من أفعال العنف أو التهديد الذي يسبب الفزع أو الرعب من خلال أعمال القتل أو الاغتيال الذي يهدف إلى تحقيق غايات سياسية على الصعيدين، الدولة والأفراد في غير حالات الكفاح المسلح الوطني المشروع من أجل التحرير أو الوصول إلى حق تقرير المصير، وبصفة خاصة حركات التحرير المعترف بها من الأمم المتحدة ومن المجتمع الدولي، ولا تكون مخالفة لحقوق الإنسان، وأن يكون نضال الحركات التحريرية وفقا لأغراض ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وسواه من قرارات أجهزتها ذات الصلة بالموضوع.
ومن خلال استعراض التعريفات أعلاه التي تُبرز التحولات على المصطلح واستمرار الجدل حول إشكالية التعريف؛ يمكن أن نقف على بعض الملامح العامة لمصطلح الإرهاب، وهي:
هناك اتفاق بين منظري السياسة والباحثين في الظاهرة على أن الإرهاب نوع من أعمال العنف السياسي يعرض الأرواح والممتلكات للخطر، ويخلق حالة من الفزع والخوف والقلق المستمر.
عدم وجود اتفاق بين الخبراء والمتخصصين والدول المهتمة، حول مفهوم الإرهاب، كما ذكر (إريك موريس) أن ما قد يعتبره البعض إرهابا، ينظر إليه البعض على أنه عمل مشروع.
تداخل مفهوم الإرهاب مع مفاهيم أخرى، تجعل منه أكثر تعقيدا وصعوبة على التعريف، مثل الجريمة السياسية، العنف السياسي، المقاومة.
قد يثير حكماً قيمّياً ينطوي على رفض وإنكار الإرهاب، لذلك يجب البعد عن مثل هذه الأحكام في الدراسات الأكاديمية للظاهرة.
مفهوم الإرهاب، ديناميكي متطور ومتحرك أيضاً، تختلف أنواعه وأشكاله وأنماطه ودوافعه باختلاف الزمان والمكان.
الإرهاب عمل موجه ضد الأطراف الفاعلة من الدول؛ وغير الدول؛ الأفراد أو المؤسسات أو المصالح، وقصده تحقيق أهداف معينة ومحددة من قبل الإرهابيين.
ينفذ الإرهاب أطرافا فاعلة من غير الدول، جماعات أو أفرادا مستقلين أو مدعومين من دولة ما، وهذا التحديد في غاية الأهمية خاصة من ناحية التفريق بين الإرهاب الذي نتحدث عنه هنا؛ والآخر ما يسمى بأدبيات العنف السياسي “إرهاب الدولة”؛ أي الإرهاب الذي تنفذه الأطراف الفاعلة من الدول مباشرة دون وسيط في كثير من الأحيان (مثل إرهاب الدولة الإسرائيلي، والأمريكي، والسوري، والعراقي بدرجات متفاوتة).
الإرهاب مفهوم سياسي ملتبس؛ مراوغ وحمّال أوجه؛ فالإرهابي في نظر جماعة محارب من أجل الحرية والاستقلال والكرامة، وفي نظر آخرين، قاتل بربري متوحش، يجب ملاحقته والقضاء عليه بأية طريقة.
تتعدى عواقب الإرهاب الحدود الوطنية أو الإقليمية، والعالمية بمعنى أنه أصبح ظاهرة متخطية للحدود الوطنية، وذلك ناتجٌ بشكل كبير عن سيرورة العولمة.
أما في الإسلام المتهم الأكبر بالإرهاب حالياً بالنظر إلى موجة الإرهاب المعاصرة التي تنشط بها جماعات السّلفية الجهادية التكفيرية وعلى رأسها داعش وبوكوحرام، فإن جلّ المهتمين يصرّون على وجود خلاف (معرفي=إبستمولوجي) في المصطلح، ولكن تعريفهم لا يخرج عن معنى الإخافة والتخويف، وهو بإجماع علماء المسلمين: ظلم على الغير، وحَرابة على المسلمين، والحرابة غير الإرهاب.
أما التعريف الإجرائي الذي اعتمدته للإرهاب، في كل الدراسات التي قمت بها حول المصطلح فهو: “عنف سياسيّ متعمَّد، أو التهديد به، بهدف زرع حالة من الخوف المستمر المتخطي للحدود الدولية وبث الرعب، ويستهدف الأهداف المدنية، وتخطط له وتنفذه أطراف فاعلة دون الدول“.
إن التعريفات الاصطلاحية للإرهاب لا يمكن بأي حال ضبطها أو حصرها؛ لأنها تخضع لاعتبارات وعوامل تختلف من لدولة لأخرى، ومن شخص إلى آخر ومن جهة لأخرى، ومن الصعب العثور على تعريف جامع مانع لظاهرة الإرهاب، لذلك فالإرهاب تعرفه عندما تراه.
تحولات الإرهاب العالمي المعاصر
أصبحت الجماعات والمنظمات والشبكات الإرهابية المعاصرة من أهم الأطراف الفاعلة التي تتخطى الحدود الوطنية، وتحظى بأهمية كبرى على ساحة السياسة العالمية().
وتنظر الدول الى الإرهاب على أنه خطر داهم ومن أكبر التحدّيات التي تواجه أمنها الوطني، فعلى سبيل المثال أشارت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للرئيس دونالد ترامب التي نشرت في ديسمبر2017 إلى خطورة الجماعات الجهادية على الأمن القومي الأمريكي والعالم.
ويمكن القول إنَ الإرهابيين يستخدمون ما اصطلح على تسميته (الحرب المركبّة) بمعنى دمج جميع العناصر المتاحة في حالات الحرب، سواء كانت عسكرية، أو مالية، أو إعلامية، بقصد فتح جميع الجبهات وتحويل الضغط إلى معسكر الخصم“().
ويؤثر الإرهاب بشكل سلبيّ على الحريات الفردية والديمقراطية في الدول التي تتعرض أو يهددها الإرهاب مشكّلاً “دائرة مغلقة”، بمعنى أن مكافحة أو مقاومة الإرهاب تستدعي التنازل عن بعض الحريات الفردية، وعن الكثير من مظاهر الديمقراطية التي تعدّ أساس العولمة في الغرب.
ولذلك نرى أنَ هناك تركيزا من الباحثين في الظاهرة على ضرورة كسر هذه “الدوائر الشريرة” من خلال التأكيد على ضرورة صيانه الحريات العامة في الوقت نفسه الذي يحارب فيه الإرهاب.
هذا ومن الضروري التنبيه إلى أن اختلاط مصطلح الإرهاب والمقاومة ببعضهما يجعل الباحث في الظاهرة أمام إشكالية كيفية الفصل بينهما، باعتبار المقاومة أمراً مشروعاً، والإرهاب أمراً غير مشروع.
وفي خضم مسألة التحولات؛ أعتقد أن التطورات الأخيرة في المشهد السياسي في الشرق الأوسط خاصة بعد خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (6 – ديسمبر 2017م) الاعتراف بالقدس عاصمة ل“إسرائيل“ يمكن أن تعيد الجدل حول موضوع المقاومة المشروعة وتوظيف المعنى السلبي للإرهاب لوصف المقاومة والمقاتلين من أجل الحرية والتحرير.
وأرى أن ظاهرة الإرهاب مرشحة للتوسع و”الانفلاش” أكثر رغم الرطانة الواسعة وغير الواقعية بالقضاء على إرهاب داعش في سوريا والعراق، وهي بالمناسبة؛ رطانة وادعاءات جوفاء تُذكر بتلك الادعاءات التي اطلقها الرئيس الأمريكي بوش الابن بعد القضاء على تنظيم القاعدة في أفغانستان واحتلال العراق عام 2003م.
لتظهر عقب ذلك النسخة المطورة من الوحش (فرانكشتاين) مع أبي مصعب الزرقاوي، ثم النسخة الأكثر توحشا مع داعش، ثم ليتحول العراق كله -كبلد محتل –من سبب للمقاومة والعنف والإرهاب ضد المحتل الأمريكي؛ إلى وسيلة بيد الإرهابيين لفرض أجنداتهم وإيديولوجيتهم الدينية والسياسية.
أقول هذا، ونحن نراقب التحركات الخطيرة جداً للسياسة الأمريكية الأخيرة، سواء بخطوة دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم السلوك السياسي والدبلوماسي الفج بتهديد الدول التي تصوت ضد مصلحة القرار في مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة (21-12-2017م) بالعقوبات الاقتصادية، ثم إدارة الظهر لمشاكل العالم والشرق الأوسط والسلام في الأراضي المحتلة في استراتيجية الأمن القومي “الداروينّية” للرئيس ترامب.
والسؤال؛ هل يمكن أن تكون فلسطين وقضية القدس خلال الأيام القادمة سبباً لتحريك ودفع المقاومة المسلحة، والعنف والإرهاب ضد المحتل الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في العالم؛ أم تتحول إلى وسيلة بيد الإرهابيين لفرض أجنداتهم وإيديولوجيتهم الدينية والسياسية؟
المراجع
(1) الشرفات، سعود (2016)، الإرهاب العالمي والتطرف: صراع الظواهر وتضارب المسلمات في ظل العولمة، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان الأردن، الطبعة الأولى، ص 98
(2) دورتي، جيمس وبالستغراف، روبرت، (1985)، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبدالحي، كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، الكويت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، ص ص 145- 146
(3) كابلان، روبرت، (2006)، ايران واستراتيجية الحرب المركبة، عن صحيفة (لوس أنجلوس تايمز)، في صحيفة الغد الأردنية، العدد 788، ص 25
(4) Lynce, Timothy, (2006), Breaking The Vicious Cycle: Preserving our liberties While Fighting Terrorism, Policy Analysis, No. 443, June 26, 002, Cato Instituted, Washington Dc, At Www. Cato.Org.
(5) Gage, Beverly, (2011).Terrorism and The American Experience: A state Of the Field, The Journal of American History (P.76).
ثالثا:
الإسلام السياسيّ: أوهام الهويّة ومأزق السّلطة
عمار بنحمودة
الهويّة: سياسيّة أم دينيّة؟
يقول “ماكس فيبر” في محاضرته “السياسة بوصفها حرفة”: “إنّ من يمارس السياسة يسعى إلى السلطة، السلطة بوصفها وسيلة لخدمة أهداف أخرى مثالية أو أنانية أو السّلطة من أجل السلطة من أجل الاستمتاع بشعور الامتياز الذي تمنحه.” وهو يضبط بذلك مقاصد الساعين إلى نيلها.
غير أنّ اكتساب السلطة السياسيّة يطرح على أصحابها رهانات لا مهرب منها تتصل بآفاق انتظار المواطنين. وتتمّ مساءلة الحكّام في ظلّ الأنظمة الديمقراطيّة فيخضعون إلى المساءلة، ويعاقبون بالإزاحة من الحكم بطريقة ديمقراطيّة.
وتختلف النجاعة السياسيّة من دولة إلى أخرى فحاجات المواطنين متبدّلة. وهي في الدول العربيّة التي شهدت تحولات ديمقراطيّة متصلة بالمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة وعلى رأسها التشغيل والقضاء على الفقر والتهميش. فصارت هذه القضايا معيارا يقاس به نجاح الحكومات وإخفاقها.
وقد ظلّ الصّراع الإيديولوجيّ بين الأحزاب المتنافسة على الحكم في تونس مثلا قائما حول أفضل السبل لتقديم حلول لمشاكل المجتمع وتحقيق التّنمية. ولئن أقصيت كثير من الأحزاب السياسيّة التي اتّخذت من الإسلام مرجعيّة لدعواتها السياسيّة عن الحكم قبل ذلك التحول السياسيّ، فقد ظلّت خلال فترات معارضتها تُدين الأنظمة القائمة حتّى لا تكاد ترى في سياستها أو اقتصادها سوى فشل ذريع وإخفاق لا مثيل له.
وتلك النظرة العدائية هي التي جعلت السلطة بؤرة توتّر بين الحكّام والمعارضين فأضحت هاجسا ينسي الحركات، التي حاولت اكتساب شرعيّتها من الإسلام، منطلقاتها الدعويّة وأهدافها الحضاريّة وصيّرت الحكم هاجسا رئيسيّا يمثّل جوهر نضالها ومحور تطلّعاتها.
ولعلّ هذه الحقيقة قد بدت جليّة في ما قدّمه “فاضل البلدي” وهو أحد مؤسّسي الجماعة الإسلاميّة بتونسمن قراءة نقديّة لتاريخ الحركة الإسلاميّة، وانتهى في قراءته إلى أنّ تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس بيّنت “أنّ الحاجة كبيرة إلى مراجعة الأهداف والأساليب ومناهج التغيير لدى الحركات الإسلاميّة، فقد وقعت هذه الحركات بما في ذلك حركة النهضة من حيث تعرف أو لا تعرف في التأثّر بثقافة القوميّين والبعث واليسار، فتورّطت في لوثة طلب الحكم، والتوسّل إليه بكلّ وسيلة، وبنت معارضتها في أوقات كثيرة على السباب والنقد، وإبراز العورات، حتّى لم تعد ترى حسنة في ما يفعله النظام، وجعلت الأولويّة، كغيرها إسقاط النظام وظنّت من باب المكابرة وسوء التقدير، أنّها قادرة على ذلك، وهو ما أدّى بها إلى التحوّل عن أهدافها الحقيقيّة، ومناهجها المبثوثة في خططها وأدبياتها.”
ويبدو أنّ هوس السلطة والرغبة الجامحة في المناصب السياسيّة على حساب التنظير ليس سمة خاصّة بالإسلام السياسيّ في نسخته التونسيّة قبل ردّتها عن جذورها، وإنما هو سمة عامّة تشمل حركة الإخوان في مصر.
فقد “ضعف التنظير، لأنّ الجماعة ركّزت على الحركة أكثر من تركيزها على الفكر، بهدف نشر فكر الحركة على الأرض من خلال الدخول إلى النقابات والجامعات بشكل أسرع، كما أنّها عانت عدم توافر قامات فكريّة.”
كانت الغاية التي سعى إليها الإسلام السياسيّ سلطويّة وما الدّين إلاّ وسيلة لكسب الأنصار ومطيّة لتدنيس الخصوم عبر آليّات الخطاب الدّيني المقدّس. وقد دفع التواكل الفكريّ المتذرّع بالنشاط الحركيّ إلى اتّخاذ أقصر السبل وترديد شعارات منزوعة من سياقاتها التّاريخيّة واستثمارها في السوق الرمزيّة لغايات سلطويّة.
فهل يصحّ القول إنّ تلك الحركة كانت تسعى إلى السلطة من أجل السلطة فحسب، على حدّ عبارة ماكس فيبر؟ وما الذي يمنح سياستها طابع الأسلمة الذي ادّعته ووعدت به أنصارها وتوعّدت به خصومها؟
لقد كان من نتائج الاندفاع نحو السلطة خلق نموذج فكري (=براديغم) صراعيّ تداخلت فيه أدوار الحاكم الذي استبدّ ونقض الوفاق الوطنيّ مع حركة النهضة، والحركة ذاتها التي انساقت إلى حرق المراحل وسارعت لإثبات خوف السلطة منها وتوجّس المعارضين من سرعة انتشارها، وهو ما أدّى في النهاية إلى قمع وأحكام بالسّجن والنّفي برّرها العنف والعنف المضاد. ولكنّ آثار ذلك الصراع لم تكن ماديّة أو نفسيّة على المضطهدين فحسب، وإنّما كانت لها آثار سياسيّة وفكريّة.
إذ تحوّلت الأهداف التي ناضلت من أجلها الحركة وأقنعت بها كثيرا من أفراد المجتمع من دعوات لإحياء الإسلام ونشر القيم وإعادة الاعتبار للأخلاق الإسلاميّة إلى أولويّة فاقت في أهميّتها كلّ البرامج والأولويّات السّابقة، وهي السلطة. ولعلّ ذلك ما يفسّر ضمور المؤلفات الفكريّة التي تؤسّس القاعدة النظريّة للحركة وهيمنة الخطابات السلطويّة. وإذا استثنينا ما كتبه شيخ الحركة المغترب عن الوطن في بريطانيا زمن الإقصاء أو بعض المؤلّفات الأخرى المتناثرة قلنا دون تحيّز، إنّ الحركة لم تتمكن من تأسيس مشروع فكريّ أو سياسيّ، بل إنّ الحركة ظلّت معزولة عن بيئتها عزلة كثير من رموزها الذين غادروا تونس بعد توتّر العلاقات بينهم وبين السّلطة الحاكمة، وهو ما يؤكّده “محمد القوماني” بقوله: إنّ الحركة “لم تؤصّل فكرها من خلال حركة الإصلاح التي عرفتها تونس منذ القرن التاسع عشر، كما لم يكن لجامع الزيتونة ولأعلامه من المصلحين خاصّة من أمثال الشيخ سالم بوحاجب والشيخ الطاهر ابن عاشور أيّ أثر في الحركة، إذ “لم تكن الحركة الإسلاميّة المعاصرة في تونس (والقول للغنوشي من سيرته الذاتيّة) من ثمار جامع الزيتونة، بل لم يكن للجامع دور يذكر في نشأتها.”
إنّ هذه الآراء التي قيلت في ندوة فكريّة سبقت فوز حزب النهضة التونسيّة في أوّل انتخابات بعد الانتفاضات العربيّة لم تقدم دروسا للحركة، إلاّ بعد أن اصطدمت بنموذج فكري (ببراديغم) مضاد لمشروعها استطاع أن ينتزع منها شرعيّة الحديث باسم الإسلام. وهو كما يشير “سهيل الحبيّب” براديغم صراعيّ واجه الشرعيّة التي اكتسبتها حركة النهضة من مرجعيّة الهويّة العربيّة الإسلاميّة ب“نموذج فكري“ إسلاميّ مستمدّ من مفهوم الإسلام التونسيّ والمرجعيّة الزيتونيّة.
وأدّى الخطاب الهويّاتي القائم على العداء دورا عكسيّا فبعد أن وظّفته حركة “النهضة” لإبعاد خصومها من العلمانيين واليساريين باسم الأسلمة صارت هي بدورها مستبعدة خطابا باسم النمط المجتمعيّ والإسلام التونسيّ.
فقد قابل متخيّلها الإسلاميّ الطوباويّ متخيّل هويّاتي إسلاميّ تونسيّ. وفي الوقت الذي حاولت فيه النهضة إبراز عمقها الإسلاميّ ودفاعها عن الهويّة التي كانت تتصوّرها غائبة من المجتمع التونسيّ أو مشوّهة، فقد ضلّ سعيها في السياسة وصيّر خصومُها ما عملت على نشره من دعاة المشرق ضربا من التطرّف ومحاولة لتغيير النمط المجتمعي قسرا، وهو ما يفسّر اتهام البعض للنهضة أيضا بأنها الرّاعية للإرهاب. وكان منطق معارضيها أنّ الساكت عن الإرهاب إرهابيّ أخرس. و”تفاجأ الإسلاميّون في تونس بأنّ هناك متخيّلا هوياتيّا إسلاميّا تونسيّا مقابلا لمتخيّلهم الإسلاميّ، له وجود فعليّ وتجسيدات اجتماعيّة ومرجعيّات تاريخيّة حقيقيّة.
ظهر ذلك في سياق الجدالات التي واكبت نشاطات الجمعيّات الدعويّة ذات المنازع السلفيّة والإخوانيّة، ومنها جمعيّات كانت بقيادة مباشرة من أعضاء في حركة النهضة ونوّاب عنها في المجلس التأسيسيّ. وحرصت هذه الجمعيّات على استضافة كثير من الدعاة السلفيين المشارقة بحجّة أنّ الشباب التونسيّ “متعطّش إلى معرفة قيمه الإسلاميّة التي حرم منها عقودا من الزمن ومتعطّش إلى التواصل مع هويّته ودينه” كان “غزو” هؤلاء الدّعاة عاملا أساسا في تقوية العصبيّة الهوياتيّة الإسلاميّة التونسيّ، وظهرت هذه الهويّة في خطاب الجمعيات الدينيّة ذات المنازع المالكيّة والأشعريّة والصوفيّة، والتي تنهل من تراث علماء جامع الزيتونة في عصوره المختلفة.”
لقد بيّن سهيل الحبيّب في سياق تحليله للمفاهيم الإيديولوجيّة التي قامت على الصّراع، الضعف الكامن في طريقة إدارة حزب النهضة للحكم من خلال التركيز على طابع الاستعداء. ولكنّ تلك المرحلة أفضت إلى تحوّل فرضه الواقع على الحركة، وانتهى إلى انسلاخها من مفاهيم فكرانية (إيديولوجيّة) كانت عمدة هويتها السياسيّة. فمنطق الانحناء للعاصفة واسترضاء الخصوم الذي أعقب سقوط الإخوان من الحكم في مصر كشف بما لا يدع للشكّ أن التنازلات التي قدّمتها الحركة نفعيّة براغماتيّة غايتها إبقاء الجماعة التي تبنّت الإسلام شعارا لها شريكة في صياغة القرار وتولّي الحقائب الوزاريّة ولو كان ذلك بنزع جلدها ولبس جلد خصومها السابقين. فقد انقلب أعداء الأمس (ممّن سمّوا زمن حكم الترويكا أزلام النظام السابق وأصحاب الثورة المضادة) شركاء في الحكم. وتغيّرت لغة الاستعداء إلى لغة الحوار والمشاركة. ولكن هل استطاع هذا التغيير أن يقدّم للمجتمع حلولا لمشاكله؟ وهل أضاف بقاء النهضة في الحكم حلولا للدولة الغارقة في ديونها ومشاكلها؟ أم إنّ البقاء يظلّ غاية في حدّ ذاته؟
لعلّ الناظر في تجربة الحكم التي تلت التحوّلات الديمقراطيّة في تونس ليلحظ تغييرا لا محالة في الجانب السياسيّ. ولكنّ ما لا يمكن الاختلاف فيه أنّ المشاكل الاقتصاديّة قد تفاقمت بعد تراجع موارد التصدير وتوقّف كثير من المؤسسات عن العمل ونكسة السياحة بعد الضّربات الإرهابيّة التي استغلّت الانفلات الأمنيّ في تونس وليبيا، بل زاد الطين بلّة الانهيار المتواصل لقيمة الدينار التونسي وتصنيف البلد ضمن قائمة الدول التي تمثّل ملاذا ضريبيّا. وليست الأوضاع الاجتماعيّة في تونس نتيجة ذلك سوى حلقة مفرغة من الأزمات التي وإن سيطرت على منسوب العنف فإنّها لم تستطع إيجاد حلول أو تقديم تصوّرات لمشاكل البطالة التي شملت حاملي الشهادات العليا. وأجهضت الحكومات المتعاقبة حلم الشباب بالشغل، بل إنّ اتّخاذ سياسة الغنيمة الذي انتهجته حركة النهضة زمن حكمها قد أسهم في تفاقم الأزمة وشحن الإدارات والمؤسسات التابعة للدولة بأتباعها في إطار ما سمّي بالعدالة الانتقاليّة واسترجاع حقوق المضطهدين. ولكنّ حقوق المضطهدين تلك كانت على حساب مضطهدين اجتماعيّا لم يجدوا حزبا يمثّل وسيطا لشغلهم أو منظّمة تتبنّى مطالبهم. وهو ما يؤكّد قول ماكس فيبر: “إنّ كلّ الصراعات بين الأحزاب ليست صراعات من أجل تحقيق غايات موضوعيّة، بل هي أيضا وغالبا، صراعات لإحكام الرقابة على توزيع المناصب.”
ولعلّ تلك الأسباب هي التي جعلت الشباب العاطل عن العمل يفكّر في الهجرة السريّة ويلقي بنفسه إلى التهلكة من أجل البحث عن العمل. وكأنّ أرض الوطن ضاقت بما رحبت، بل إنّ الدولة قد انتهجت سياسة إيقاف الانتدابات بعد أن ضاقت ذرعا بمصاريفها وضيّق عليها صندوق النقد الدولي الخناق فضيّقته على شعبها، وهي تسعى إلى تسريح العاملين بدل قبول المعطّلين عن العمل. ولا تبدو آفاق الانفراج قريبة وسط غياب رؤية ووضوح منهج غير اللجوء إلى الاقتراض وإثقال كاهل الدولة بالديون الخارجيّة، إذ لم تكتف هذه الحكومات بإغلاق باب التشغيل في وجه طالبيه من الشباب، وإنما أضافت إلى رصيد هذا الجيل من العدم ديونا عليهم استخلاصها في السنوات القادمة.
لقد أقامت الحركة الإسلاميّة بيانها التأسيسيّ على تشخيص رأى أصحابه أنّ “العالم الإسلاميّ – وبلادنا جزء منه – (يقصد تونس) أبشع أنواع الاستلاب والغربة عن ذاته ومصالحه فمنذ التاريخ الوسيط وأسباب الانحطاط تفعل فعلها في كيان أمتنا وتدفع بها إلى التخلي عن مهمة الريادة والإشعاع، طورا لفائدة غرب مستعمر وآخر لصالح أقليات داخليّة متحكّمة انفصلت عن أصولها وصادمت مطامح شعوبها. وكان المستهدف الأول طوال هذه الأطوار كلها هو الإسلام…” وكانت التّهمة التي وجّهت للحزب الاشتراكيّ الدستوريّ الحاكم زمن بورقيبة “تدرّجه المتصاعد نحو الهيمنة على السلطة والمؤسسات والمنظمات الجماهيريّة من ناحية، ونتيجة ارتجاليّة الاختيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتقلّبها وارتباطها بمصالح دوليّة تتعارض مع مصالح شعبنا الوطنيّة من ناحية أخرى.”
إنّ ذلك البيان المشحون بالمرجعيّة الدينيّة وباستعداء الحزب الحاكم والحلم بتغيير الواقع التونسيّ ليكشف اتّجاها نحو توظيف الخطاب الدينيّ من أجل الوصول إلى السلطة. ولكنّ المشروع الاقتصاديّ للحركة كان مجرّد مبادئ عامّة لا تكشف بنقدها الفضفاض لأداء الحزب الحاكم أو بالبدائل التي تقترحها أيّ عمق في التصوّر وموضوعيّة في التشخيص، إذ إنّ الخطاب الإيديولوجي قد جعلها لا ترى في الآخر الحاكم سوى فساد مطلق لا خير فيه وفشل لا نجاح فيه. وذلك المتخيّل الصّراعيّ الذي كان ناتجا عن غياب تصوّر اقتصاديّ واضح في سرديات الحركة وبرامجها. ولهذا، فقد استعارت من اليسار بعض مفاهيمه وحاولت تلوينها بلون إسلاميّ حتّى تبدو أصيلة في التراث محاكية لمبادئ الإسلام وقيمه. كالتوزيع العادل للثروة أو حق الشعوب في العيش الكريم. ولم يجسّد نقدها للحزب الحاكم آنذاك بأنّه يتبع سياسة اقتصاديّة ارتجاليّة أيّ بديل حقيقيّ يمكن أن يحقّق الوعود بالعدل والمساواة في توزيع الثروة أو على الأقلّ يقدّم تصوّرا لآليّات هذه العدالة. فلقد أثبتت التجربة السياسيّة التي خاضتها حركة النهضة الوريث الشرعيّ للحركة الإسلاميّة بأنّها حزب ليبرالي رفع راية الإسلام، وهو يركب سفينة المعارضة ثمّ أحرقها على عتبات القصور وضفاف الحكم.
لقد كان مأزق الحركة في كونها فكرت في آليّات الوصول إلى الحكم وناضل المنتمون إليها من أجل تحقيق هذا الهدف ولا ينكر أحد ما لقيه هؤلاء المناضلون من ويلات التعذيب والسجن والإبعاد؛ ولكنّهم بلغوا ما كانوا يحلمون بتحقيقه بوفاض خال من البرامج وبعجز مزمن – قد تكون للغربة والسجون والمعتقلات أسباب فيه – عن فهم الواقع. ولعلّ ذلك ما دفع بعض الباحثين إلى القول مقابلا بين نجاح الأحزاب الإسلاميّة في المعارضة وفشلها في الحكم: “يقابل هذا النجاح الباهر في المعارضة إخفاق مزمن في الحكم، حتّى إنّنا أصبحنا نشكّ في قدرة الإسلام السياسيّ على قطف الثمرة التي جدّ واجتهد من أجل أن تينع وتنضج.
إذ تؤكّد المعطيات التاريخيّة أيضا أنّ هذا التيّار ينزع إلى الفرقة والضعف كلّما أصبح قريبا من مراكز الحكم والقرار، بل إنّه عندما يصبح في الحكم ينتهي بالضرورة إلى النهاية التراجيديّة.” لقد استغنت الحركة عن خطاب الهويّة الذي كان في وقت التعبئة والمعارضة فاعلا في كسب الأنصار وحشد الجماهير. وشغلتها الشعارات الهويّاتيّة وهاجس السلطة على تشخيص حقيقيّ للواقع الاقتصاديّ والاجتماعيّ وتأسيس رؤيته في السياسة والاقتصاد تستفيد من التجارب الاقتصاديّة التي اعتمدتها الدولة الوطنيّة بدل سياسة اللعن والوعود الزائفة. فوحدها الأحزاب التي ستقدّم حلولا للمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة هي التي ستستطيع مستقبلا البقاء في الحكم وإقناع الناخبين بنجاعتها. أمّا التلويح باستعادة الشخصيّة الإسلاميّة وخوض معارك الهويّة، فأوهام كَسَدَ سوقها في عصر العولمة الذي إن لم تركب الدول قطاره وتسهم في حركته، ظلّت خارج حركة التاريخ ولم تنتظرها الحياة. فحلم الوصول إلى السلطة تحقّق للإسلاميين ولكنّ صدمة الواقع أكبر من أن تستوعبها تصوّراتهم الفكريّة ومواقفهم الإيديولوجيّة.
***
–ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، (ترجمة جورج كتورة)، ط1، بيروت، المنظمة العربيّة للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2011، ص 264.
–فاضل البلدي، الحركة الإسلاميّة في تونس قراءة نقديّة، ضمن كتاب: من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين الإسلام السياسي في تونس، ط3، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الإمارات العربيّة المتّحدة، 2011، ص 73.
–سميرة عبده متولّي، الدولة وعلمنة المشروع الإسلاميّ، مصر أنموذجا، ضمن كتاب الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، ط1، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص 515.
–محمّد القوماني، الرؤية الفكريّة والمنهج الأصوليّ عند حركة النهضة، ضمن كتاب: من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين الإسلام السياسي في تونس، ص ص 278، 279.
–سهيل الحبيّب، الأزمة الإيديولوجيّة وفاعليّتها في مآزق مسارات الانتقال الديمقراطيّ ومآلاتها، ط1، قطر، المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، ص 253
–يقول ماكس فيبر: “في الماضي شكّل الإقطاع ومنح الأراضي والمناصب والمدرّة على اختلافها التعويضات النموذجيّة التي كان الأمراء أو الغزاة المنتصرون أو قادة الأحزاب المنتصرون يمنحونها إلى أنصارهم، والتي أخذت مع تطوّر شكل الاقتصاد المالي شكل المنح والإكراميات، أمّا في أيّامنا فقد صارت المناصب من كل نوع، في الأحزاب والصحف والاتحادات وفي صناديق الضمان الاجتماعيّ والبلديات أو في إدارة الدولة هي ما يغدقه زعماء الأحزاب على مناصريهم جراء التزامهم بالأمانة والولاء في الخدمة.” ماكس فيبر، مرجع مذكور، ص 279. // ماكس فيبر، مرجع مذكور، ص 279.
–انظر: البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلاميّ ضمن كتاب: راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلاميّة في تونس، ط1، تونس، دار المجتهد للنشر والتوزيع، 2011، ص 259. // المرجع نفسه، ص 259.
–طيّب غماري، أزمة الإسلام السياسيّ المعاصر إشكالات التحوّل من جماعة المؤمنين إلى دولة المواطنين، ضمن كتاب: الإسلاميّون وقضايا الدولة والمواطنة، ج1، ط1، قطر، المركز العربي للدراسات والأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص ٢٩٦.



