معهد بحوث الأمن القومي (INSS): صعود دول الخليج كقوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي وتداعياته الجيوسياسية

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 7/1/2026، إيلان زلاي: صعود دول الخليج كقوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي وتداعياته الجيوسياسية
في نهاية عام 2025، وافقت الولايات المتحدة لأول مرة على تصدير أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي من شركة إنفيديا إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بكمية أولية تبلغ عشرات الآلاف من الرقائق لكل منهما. يُعدّ هذا تطورًا تكنولوجيًا واقتصاديًا تاريخيًا: ففي السنوات القادمة، تخطط الدولتان لاقتناء مئات الآلاف من هذه الرقائق لتشغيل مراكز الحوسبة والبيانات – وهو حجم لا تملكه أي دولة أخرى باستثناء الولايات المتحدة والصين – بهدف معلن يتمثل في امتلاك حصة كبيرة من قدرة العالم على إنتاج وتخزين الذكاء الاصطناعي. كما تُسرّع قطر، ثالث أغنى دولة في الخليج، من وتيرة بناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لتتبوأ مكانة رائدة عالميًا في هذا المجال.
وقد أدركت دول الخليج الثلاث أهمية الذكاء الاصطناعي في نهاية العقد الماضي، واعتمدته كركيزة أساسية لاستراتيجياتها في التنويع الاقتصادي – “رؤيا 2030″ في السعودية وقطر، و”رؤيا 2031” في الإمارات. يستغلون “الفرصة الذهبية” الحالية لارتفاع أسعار النفط والغاز لتمويل قفزة تكنولوجية متسارعة تحسبًا للانخفاض المتوقع في الطلب العالمي عليهما. وكما قال وزير المالية السعودي محمد الجدين ببساطة: “بدلًا من تصدير النفط، سنصدر البيانات”.
تنظر الرياض وأبوظبي والدوحة إلى الذكاء الاصطناعي كبديل استراتيجي طويل الأمد للنفط والغاز من عدة جوانب: فعائدات صادرات الطاقة تُمكّنهم من الحفاظ على نموذج “دولة المنفعة” – وهي دولة لا تفرض ضرائب، وتوفر الرعاية الاجتماعية والدعم، وتحافظ على قطاع عام ضخم – وفي المقابل تتمتع بشرعية دون مشاركة سياسية من المواطنين. ويُسوّق حكام الخليج للذكاء الاصطناعي كوسيلة للحفاظ على آليات الرعاية والدعم هذه من خلال توفير وظائف ذات رواتب عالية وعائدات بديلة للدولة. وعلى الصعيد الدولي، يُشبه الذكاء الاصطناعي النفط والغاز في كونه “محركًا” اقتصاديًا متعدد القطاعات يؤثر على قطاعات مختلفة (بما في ذلك التمويل والصناعة والأمن)، وبالتالي فإن السيطرة على “عائقه” ستمنح دول الخليج نفوذًا واسعًا ودائمًا على الاقتصاد العالمي.
يُضاف إلى ذلك البُعد الأمني. فعلى مدى عقود، استند الأمن القومي لدول الخليج على معادلة غير رسمية: تُؤمّن دول الخليج إمدادات طاقة مستقرة، وتُؤمّن الولايات المتحدة لها الأمن، كما تجلّى ذلك في حرب الخليج عام 1991. إلا أنه خلال العقد الماضي، تراجع الاعتماد العالمي على نفط الخليج، وتضاءل الالتزام الأمريكي تبعًا لذلك، وهو ما برز جليًا في عدم الرد على الهجوم الإيراني على منشآت نفطية في شرق السعودية عام 2019. وقد أوضح هذا الحدث لحكام الخليج أن آبار النفط لم تعد تُمثّل رصيدًا ذا أهمية عالمية بالغة. لذا، تعمل دول الخليج الثلاث على تنمية رصيد استراتيجي جديد: إنشاء شبكة من مراكز البيانات العملاقة – البنية التحتية المادية التي تُطوّر وتُخزّن فيها نماذج لغة الذكاء الاصطناعي المُستخدمة في كل منزل (مثل ChatGPT أو Gemini) – وذلك بالشراكة مع جميع عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك جوجل، وOpenAI، ومايكروسوفت، وأمازون، وxAI، وأوراكل، وسيسكو. إن المنطق وراء هذه الاستراتيجية بسيط: فكما لم يستطع الاقتصاد العالمي تحمل انقطاع إمدادات الطاقة من الخليج في الماضي، فإنه في المستقبل لن يكون قادراً على تحمل انقطاع تشغيل مراكز البيانات هذه، وبالتالي ستدعم واشنطن الاحتياجات الأمنية لدول الخليج.
بالإضافة إلى ذلك، يخدم الذكاء الاصطناعي جهود حكام الخليج في صدّ الانتقادات الموجهة إليهم بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنع المطالبات بتغيير سلوكهم، كما فعلوا بنجاح كبير حتى الآن باستخدام قوة النفط والغاز. فمن خلال جعل الشركات الغربية تعتمد على البنية التحتية الحاسوبية التي يبنونها، وتطوير نماذج لغوية محلية، ستتمكن الدول الثلاث من تصفية المحتوى الحساس أو الناقد، وصقل روايتها المرغوبة، وتعزيز “قوتها الناعمة” ضمن تدفق المعلومات العالمي.
مزايا عديدة، ولكن صعوبات أيضاً
تستمد دول الخليج قدرتها على أن تصبح قوى عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي من مزيج فريد من المزايا الكامنة. وأهمها السيولة النقدية: إذ تمتلك العائلات الحاكمة الثلاث ثروة سيادية تُقدّر بنحو ثلاثة تريليونات ونصف تريليون دولار. ويُعدّ هذا رأس المال بالغ الأهمية في سباق الذكاء الاصطناعي، الذي يتسم بـ”وفورات الحجم” الهائلة، حيث لا يستطيع المنافسة بفعالية على المستوى العالمي إلا من يستطيع استيعاب تكاليف تكرار الأبحاث والبنية التحتية. ثانيًا، نظرًا لكونها منتجة ضخمة للنفط والغاز الطبيعي، تتمتع دول الخليج الثلاث بوفرة في الكهرباء الرخيصة، إذ تستهلك عمليات الحوسبة في مجال الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة (تستهلك شريحة واحدة منها ما يعادل استهلاك منزل في الضواحي). وفي حين يتجه معظم العالم بسرعة نحو نقص في الكهرباء الكافية لتلبية الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي، فإن احتياطيات الكهرباء في دولتي الخليج تتجاوز الاستهلاك المحلي.
يُضاف إلى ذلك وفرة الأراضي المتاحة في صحاري البلدين الشاسعة، إذ يتطلب تخزين البيانات والنماذج على المدى الطويل مساحات شاسعة، فضلًا عن وجود حكومات مركزية فعّالة تتمتع بمرونة تنظيمية ودون بيروقراطية أو قيود ديمقراطية أخرى. كما يُعد الموقع الجغرافي للدول، على المسار الرئيسي للألياف الضوئية تحت سطح البحر الذي يربط أوروبا وآسيا وأفريقيا، والذي يمر عبره معظم تدفقات المعلومات العالمية، مثاليًا لمراكز البيانات لأنه يسمح بأقل زمن استجابة. كل هذه المزايا مجتمعة تُمكّن دول الخليج من بناء مراكز البيانات ووحدات التخزين بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع من الولايات المتحدة أو أوروبا، وبتكاليف تشغيل أقل للشركات التي ستستخدمها.
مع ذلك، فإن مسيرة هذه الدول الثلاث نحو ريادة الذكاء الاصطناعي لا تخلو من التحديات. أولًا، تعاني من نقص حاد في الكفاءات البشرية اللازمة، مما يضطرها إلى استقدام خبراء من الخارج، الأمر الذي يؤدي إلى تبني سريع لتقنيات تفتقر إلى أساس علمي متين، ويعرض هذا القطاع لخطر التخلي عنه في أوقات الأزمات. ثانيًا، هناك اعتماد كبير على المعدات المستوردة. أخيرًا، يتطلب مناخها الصحراوي، حيث تصل درجات الحرارة صيفًا إلى حوالي خمسين درجة مئوية، تبريدًا مكثفًا لمراكز البيانات. تستهلك هذه العملية كميات متزايدة من المياه (إذ يعتمد استهلاك المياه في هذه الدول على تحلية المياه، التي بدورها تتطلب طاقة)، مما يخلق حلقة مفرغة قد تزيد من انبعاثات الكربون والاحتباس الحراري، بل وتعطل إمدادات الطاقة والمياه للسكان.
إضافةً إلى ذلك، ونظرًا لطبيعة الأنظمة الاستبدادية في دول الخليج، فإن آلياتها لحماية الخصوصية والأخلاقيات والرقابة على التطبيقات ذات الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) أضعف بكثير من نظيرتها في الأنظمة الديمقراطية. يبرز غياب الفصل بين أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي وآليات الأمن والاستخبارات في دول الخليج بشكل خاص في الإمارات العربية المتحدة، حيث يتولى طحنون بن زايد، شقيق الرئيس ذي النفوذ، مسؤولية كلا المجالين في آن واحد. في الواقع، سبق أن انكشف استخدام الإماراتيين للتكنولوجيا تحت غطاء مدني لأغراض استخباراتية، عندما تبين أن تطبيق مراسلة إماراتياً شائعاً هو أداة تجسس حكومية. لذا، يتزايد القلق في الغرب من استخدام النماذج والبيانات في القمع الداخلي، مما قد يثني الشركات عن تخزين النماذج الحساسة و”الأوزان” (نواتج تدريب النماذج) في مراكز البيانات التي تُبنى في الخليج.
صورة الوضع
تُعدّ دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أنشأت وزارة حكومية متخصصة في الذكاء الاصطناعي عام 2017، رائدةً في هذا المجال، إذ بُنيت صناعة الذكاء الاصطناعي فيها كمنظومة متكاملة في العاصمة أبوظبي، وتضم شركة G42 التقنية شبه الحكومية، ومعهد التكنولوجيا والابتكار الحكومي، وصندوق الثروة السيادي للذكاء الاصطناعي MGX. وقد أنشأت الإمارات حتى الآن 35 مركزًا للحوسبة على أراضيها، أبرزها “ستارغيت”: مركز حوسبة فائق التوسع، من المتوقع افتتاحه تدريجيًا عام 2026، ليخدم عمالقة التكنولوجيا الأمريكية بقدرة حاسوبية تصل إلى خمسة جيجاوات، وهي الأكبر خارج الولايات المتحدة. وستساهم كوريا الجنوبية في تزويد المركز بالكهرباء (الذي يعادل استهلاكه استهلاك مدينة نيويورك)، بما في ذلك من خلال مفاعلات نووية سبق أن بنتها للإمارات.
انضمت المملكة العربية السعودية إلى سباق الذكاء الاصطناعي متأخرةً قليلاً عن الإمارات، لكنها تستثمر بكثافة في هذا المجال، وقد تتفوق عليها في غضون سنوات قليلة. وقد وضعت لنفسها هدفاً طموحاً يتمثل في أن تصبح ثالث أكبر لاعب في العالم في هذا المجال بعد الولايات المتحدة والصين. تُدار صناعة الذكاء الاصطناعي السعودية مركزياً من خلال شركة “هيومن”، وهي شركة وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتُعد نظاماً مغلقاً تابعاً مباشرةً لولي العهد السعودي والحاكم الفعلي، الأمير محمد بن سلمان. في الواقع، تسعى الرياض إلى إعادة تطبيق نموذج شركة النفط الوطنية “أرامكو” الناجحة في “هيومن”، حيث تُسيطر “هيومن” على جميع مراحل إنتاج وتوزيع النفط السعودي، مما يسمح للسعوديين بتعزيز نفوذهم على الاقتصاد العالمي من خلال تنظيم العرض والأسعار. تُشغّل “هيومن”حالياً عشرين مركز بيانات في جميع أنحاء المملكة، وتخطط خلال العقد القادم لتوفير قدرة حاسوبية تزيد عن ستة جيجاوات.
أما صناعة الذكاء الاصطناعي في قطر، فتتقدم بوتيرة أبطأ بكثير من نظيرتها في السعودية والإمارات، وأهدافها في هذا المجال أقل وضوحاً. ركزت قطر حتى الآن بشكل أساسي على دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الشركات العالمية في الخدمات الحكومية والتحول الرقمي، وعلى بناء مركز إقليمي للبنية التحتية السحابية، وذلك عادةً من خلال شركة الاتصالات شبه الحكومية “أوريدو”. وعلى عكس جيرانها الذين يستثمرون بكثافة في بناء مراكز البيانات، لا تدير قطر حاليًا سوى خمسة مراكز حوسبة، ومن المتوقع أن تصل طاقتها القصوى إلى نصف جيجاوات بحلول نهاية العقد. وفي العام الماضي، أنشأت قطر شركة وطنية للذكاء الاصطناعي، هي “QAI”، لإدارة هذا المجال تحت مظلة واحدة، واستثمرت في شركة “أنثروبيك” الأمريكية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي (التي تُشغّل نموذج لغة كلود). ويهدف هذا المزيج من المعرفة المكتسبة من التعاون الدولي، والبنية التحتية السحابية لتخزين البيانات، وتوافر الكهرباء الاستثنائي في بلد يمتلك أكثر من عُشر احتياطيات الغاز في العالم، إلى وضع هذه الإمارة الصغيرة كلاعب عالمي مهم في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن لم يكن على نطاق جيرانها الخليجيين الأكبر حجمًا.
تستند طموحات دول الخليج الثلاث في مجال الذكاء الاصطناعي إلى الرغبة في تحقيق “سيادة الذكاء الاصطناعي”، أي السيطرة على سلسلة القيمة بأكملها – رأس المال، والخبرة، والمعالجة، وتدريب النماذج وتطويرها، والتخزين – بطريقة تُبقيها تحت سيطرتها. وتُمكّنها من الاحتفاظ بالمعرفة والمنتجات المتراكمة بأقل قدر ممكن من الاعتماد على الدول والشركات الأجنبية. ولذلك، وخلافًا للنمط الشائع في دول الخليج المتمثل في شراء المنتجات والخدمات جاهزة بالكامل، تقوم الدول الثلاث بتوليد البيانات بنفسها وتخزينها في سحابة محلية ذات سيادة؛ بل إن السعودية والإمارات طورتا نماذج لغوية سيادية مفتوحة المصدر استنادًا إلى هذه البيانات، مما يضمن عدم سيطرة الموردين الأجانب على الشفرة أو كيفية تشغيلها. وقد أوضح وزير الاقتصاد الإماراتي، عبد الله بن طوق المري، هذه الأهمية عندما صرّح في عام 2025: “الذكاء الاصطناعي عنصر من عناصر السيادة. وكما تُستثمر الميزانيات في الأمن السيبراني، ينبغي أيضًا الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. هذه هي سيادة كل دولة”.
ويكمن الفارق بين الرؤية والواقع في رأس المال البشري. لهذا السبب، تُشغّل دول الخليج برامج تدريبية محلية للمهندسين وعلماء البيانات والمطورين والباحثين وغيرهم من المهنيين الأساسيين في صناعة الذكاء الاصطناعي. وفي حالة المملكة العربية السعودية والإمارات، تُعدّ هذه البرامج ضخمة، إذ أعلنت السعودية عن نيتها تدريب 100 ألف خبير في هذه المجالات بحلول عام 2030. وفي كلا البلدين، يبدأ تدريب الجيل القادم في المدارس، حيث أُدمجت حصص تنمية مهارات الذكاء الاصطناعي منذ هذا العام، ويستمر في المؤسسات الأكاديمية المحلية: ففي أبوظبي، تأسست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عام 2020، وهي أول مؤسسة أكاديمية في العالم مُخصصة لهذا المجال، وفي السعودية، توجد جامعتان للعلوم والتكنولوجيا في جدة (KAUST) وفي الرياض ( KACST) (مدينة الملك عبد الله للعلوم والتقنية). أما قطر، فتُشغّل برنامجًا تدريبيًا أصغر حجمًا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تُعدّ جامعة قطر وجامعة حمد بن خليفة مركزين رئيسيين له. وتستقطب هذه المؤسسات في الدول الثلاث نخبة من المعلمين العالميين، وتتعاون مع شركات أمريكية كبرى مثل مايكروسوفت وإنفيديا وجوجل في التدريب العملي.
إضافةً إلى ذلك، تُشغّل الحكومة السعودية “مناطق الذكاء الاصطناعي” (بيئات تدريب وتطوير الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع أمازون)، و”حاضنات التكنولوجيا” (التي تُقدّم الدعم والبنية التحتية للشركات الناشئة المحلية)، و”وادي الكميات” (بيئة حاضنة لأبحاث الحوسبة الكمومية، وهي تقنية يُتوقع أن تُحفّز الذكاء الاصطناعي في المستقبل).
وتُسهم مبادرات التدريب في دول الخليج مجتمعةً في توفير كوادر بشرية ماهرة ومتنامية لقطاعات الذكاء الاصطناعي المحلية، مع الحفاظ على المعارف والبيانات والتطورات المُتراكمة داخل الدول الثلاث وتحت إشراف حكوماتها. ولا يقتصر طموح دول الخليج على اللحاق بالمعرفة الموجودة في الغرب والصين، بل يتعداه إلى الريادة في تطوير تقنيات وأجهزة المستقبل.
الصراع بين القوى
لا يُغيّر تكثيف الجهود المبذولة لتطوير المعرفة المحلية من حقيقة أن صناعات الذكاء الاصطناعي في دول الخليج ستعتمد، في المستقبل المنظور، على أجهزة مستوردة تُصنّع بشكل شبه حصري في الولايات المتحدة والصين. تتمتع الولايات المتحدة حاليًا بتفوق تكنولوجي واضح، إذ تُعدّ شركتا Nvidia وAMD الأمريكيتان الوحيدتين في العالم القادرتين على إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ووحدات معالجة الرسومات (GPUs) اللازمة لتدريب النماذج الضخمة. خلال فترة رئاسة جو بايدن، تبنّت الإدارة الأمريكية نهج “الاحتواء”، الذي يقضي بتقييد تصدير الرقائق إلى “دول وسيطة” لا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة – بما في ذلك دول الخليج – خشية تسريب التكنولوجيا الأمريكية إلى الصين. في المقابل، تدعم إدارة دونالد ترامب الحالية، بتشجيع من قطاع التكنولوجيا، التوزيع السريع للرقائق الأمريكية إلى الدول الوسيطة (“نهج الانتشار”)، وذلك لمنع الشركات الصينية من سدّ الفجوة. إلى جانب المصالح الاقتصادية، يُعدّ هذا جزءًا من التنافس بين القوى العظمى على القدرة الكهربائية العالمية، والتي يُتوقع أن تكون غير كافية في السنوات القادمة لمواكبة الطفرة في مجال الذكاء الاصطناعي. تسعى الولايات المتحدة إلى توجيه وفرة الكهرباء في الخليج نحو أجهزتها وشركاتها، لا إلى الصين.
ويقول مؤيدو نهج “الانتشار” إنه سيؤدي على المدى البعيد إلى ترسيخ تبعية أعمق للدول المُشترية للولايات المتحدة نظرًا لتفوقها التكنولوجي. في الواقع، على الأقل في حالة الإمارات، فقد أظهرت استعدادها للنأي بنفسها نوعًا ما عن الصين فيما يتعلق بالتكنولوجيا الأمريكية: فعندما اكتشفت الولايات المتحدة في عام 2022 أن التكنولوجيا التي نقلتها شركة G42 الإماراتية إلى شركة هواوي الصينية للاتصالات – المرتبطة بأجهزة الاستخبارات والجيش في بكين – استُخدمت من قِبل الصين لتطوير قدرات صاروخية تُهدد الطائرات الأمريكية، وافقت الإمارات، تحت ضغط من واشنطن، على قطع علاقات G42 مع هواوي لمواصلة تلقي التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة. تقول مصادر إماراتية إن أبوظبي اتخذت حينها قراراً استراتيجياً بالاعتماد الكامل على التكنولوجيا الأمريكية لتحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي. وبالمثل، وكجزء من الموافقة على بيع رقائق بلاكويل المتطورة من إنفيديا إلى السعودية والإمارات العام الماضي، ستلتزم الدولتان بفصل البنى التحتية القائمة على هذه الرقائق، فصلاً تاماً ومنهجياً، عن الأنظمة التي تستخدم تكنولوجيا هواوي.
ومع ذلك، فبينما تسمح دول الخليج الثلاث باستخدام التكنولوجيا الأمريكية، فإنها تواصل استراتيجيتها للموازنة بين القوتين العالميتين، في مجال الذكاء الاصطناعي كما في غيره من المجالات. أولاً، لأن إمدادات الرقائق الأمريكية معرضة باستمرار لخطر تغيير السياسات أو الأولويات في واشنطن، وهو ما قد يحدث في ظل إدارة مستقبلية. ثانياً، نظراً لمعدل النمو المتسارع لقطاعات الذكاء الاصطناعي فيها، فإنها تحتاج إلى مواصلة شراء المعدات والخدمات التكنولوجية من الصين، لأنها أرخص بعشرات بالمئة من نظيراتها الأمريكية، وخالية من القيود التنظيمية المتعلقة بحقوق الإنسان والاستخدام المزدوج. وهكذا، تُزوّد شركات التكنولوجيا الصينية، بما فيها هواوي وعلي بابا وتينسنت، دول الخليج الثلاث بالبيانات والبنية التحتية السحابية، وتتعاون معها في مجالات التدريب والمعرفة على غرار نظيراتها الأمريكية. في الواقع، ستكون صناعات الذكاء الاصطناعي في الخليج الأولى من نوعها عالميًا التي تتعايش فيها التكنولوجيا الأمريكية والصينية.
وبذلك، تُصبح دول الخليج ساحةً محوريةً في الصراع بين القوى على النظام التكنولوجي للقرن الحادي والعشرين، لا سيما بين مشروع IMEC الذي تقوده الولايات المتحدة و”طريق الحرير الرقمي” الصيني (الذراع التكنولوجي لمبادرة “الحزام والطريق”)، واللذان يتنافسان على الربط المادي والرقمي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتستغل دول الخليج ثرواتها ومزاياها الإضافية في مجال الذكاء الاصطناعي للحصول على تنازلات من الصين والولايات المتحدة، ليس فقط في المجال التكنولوجي، بل أيضًا على المستوى السياسي. أولاً وقبل كل شيء، يأمل حكام الخليج الثلاثة أن الوعود التي قطعوها للرئيس ترامب العام الماضي باستثمار أكثر من ثلاثة تريليونات دولار في السوق الأمريكية على مدى السنوات المقبلة – مع التركيز على الشراكات في مجال الذكاء الاصطناعي – ستشجع أيضاً الإدارات القادمة في واشنطن على مواصلة تزويدهم بالرقائق المتقدمة والدفاع العسكري المرغوب فيه.
التداعيات المحلية والإقليمية
يُضيف الجهد المتوازي لدول الخليج الثلاث في مجال الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى تنافسها الهادئ والمستمر، والذي يمتدّ على الصعيدين الاقتصادي – حيث تتنافس الدول الثلاث على جذب الاستثمارات والشركات والعمالة المتعلمة – والجيوسياسي، كما هو الحال في السودان واليمن، اللتين شهدتا توترات مؤخرًا. ويُعزز امتلاك بنية تحتية حاسوبية حساسة حاجة هذه الدول الثلاث المُلحة لحماية أراضيها من التهديدات الخارجية والصراعات الإقليمية.
علاوة على ذلك، سيُختبر رهان السعودية والإمارات الضخم على الذكاء الاصطناعي في ظل احتمالية حدوث “فقاعة” تكنولوجية في هذا المجال – توقعات مُبالغ فيها قد تنفجر في مجال لا يزال يتطور بسرعة – مما يُؤدي إلى ضياع الاستثمارات والبنية التحتية المُنشأة دون تحقيق الأرباح المرجوة. ويجدر التذكير أيضًا بأن تطوير الذكاء الاصطناعي في هاتين المملكتين جزء من “تجربة” اجتماعية أوسع، تتمحور حول تغيير أنماط الحياة والبيئة المعيشية مع الحفاظ على النظام القبلي والملكي دون ديمقراطية أو مساواة. في الحالة السعودية تحديدًا، حيث يترافق التغيير مع قمع المؤسسة الدينية المؤثرة، يبرز احتمال حدوث ردود فعل داخلية سلبية، لا سيما في غياب العائد الاقتصادي الموعود. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن دولتي الخليج تمتلكان خبرة في مشاريع اتسمت بالطموح المفرط وانهارت أمام الواقع (على سبيل المثال، مدينة نيوم في السعودية، التي تم تقليص خطتها الطموحة لصالح توجيه الموارد نحو الذكاء الاصطناعي)، وبقيت إما غير مكتملة أو مشاريع فاشلة. وعلى وجه الخصوص، فإن تنمية شريحة واسعة من السكان ذوي المستوى التعليمي العالي والمهارات التقنية المتقدمة يضع النظامين الملكيين في منطقة مجهولة في الخليج، بل وفي العالم العربي عمومًا. وسيواجه نموذج المحسوبية التقليدي – الذي تقدم فيه الحكومة الرعاية والخدمات مقابل الولاء السياسي – تحديًا من قبل شريحة من الأفراد المتعلمين ذوي الخبرة اللازمة والمرتبطين بالاقتصاد العالمي. إن توسع هذه الشريحة أيضاً بين السكان الأجانب المقيمين في الدول الثلاث، ولا سيما في الإمارات وقطر حيث عدد المواطنين قليل، قد يُغير طبيعة العلاقات بين الحكومة والمجتمع، لدرجة أن “سيادة الذكاء الاصطناعي” المحلية ستعتمد فعلياً على خدماتهم. وسيتعين على الأسر الحاكمة منع هذا التحول في التوازن السياسي والاجتماعي من تقويض النظام السياسي الاستبدادي القائم، كما فعلت، بصعوبة بالغة، في الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد النفط في القرن الماضي.
التداعيات والتوصيات لإسرائيل
يمثل الصعود السريع لدول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي تحديًا غير مسبوق لتفوقها التكنولوجي الإقليمي، الذي اعتمد لعقود على نظام بحثي محدود ولكنه عالي الجودة. إن قدرة دول الخليج على استقطاب الكفاءات العالمية، بما في ذلك من إسرائيل، إلى جانب امتلاكها لبنية تحتية حاسوبية متطورة على نطاق لا مثيل له في إسرائيل، تُقلص بسرعة الفجوة في الكفاءات البشرية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مقارنةً بإسرائيل، مما يُضعف الميزة النسبية لإسرائيل. ومن المتوقع أن يُحوّل هذا التوجه تدفقات رأس المال من وإلى إسرائيل نحو الرياض ودبي، اللتين تُصبحان بشكل متزايد مركزين تنافسيين لـ”وادي السيليكون” في الشرق الأوسط.
ويتفاقم خطر فقدان إسرائيل لتفوقها التكنولوجي بسبب الفجوة بين الاستراتيجيات الوطنية طويلة الأجل التي تبنتها دول الخليج الثلاث في العقد الماضي، وتأخر إسرائيل المستمر في صياغة استراتيجية متعددة السنوات للذكاء الاصطناعي. حذّر تقرير صادر عن لجنة ناغل المعنية بتسريع الذكاء الاصطناعي في أغسطس/آب 2025 صراحةً: “إن الدول التي تفشل في التنظيم السريع والفعّال ستتخلف عن الركب بشكل لا رجعة فيه”.
على الصعيد الأمني، ستُمكّن البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي دول الخليج من تطوير قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة، على مستوى كان حكرًا على إسرائيل في المنطقة. ويأتي التهديد المباشر من قطر، نظرًا لنهجها العدائي تجاه إسرائيل، والذي يتجلى في دعمها للمنظمات الإرهابية والدعاية المعادية عبر شبكة الجزيرة وغيرها من المنصات. سيُمكّن الذكاء الاصطناعي السيادي قطر من تشغيل أنظمة تأثير أكثر تطورًا، ما يُحتّم على إسرائيل الاستعداد لحرب وعي قائمة على الذكاء الاصطناعي من منظور عدائي.
يُضاف إلى ذلك الأهمية الجيوسياسية الأوسع لإسرائيل: إذ ستُمثّل الأصول المتنامية لدول الخليج في البنية التحتية والتكنولوجيا ثقلًا موازنًا للمزايا النسبية التي تتمتع بها إسرائيل في مجالي الاستخبارات والأمن السيبراني للولايات المتحدة، ما يُعزز مكانة دول الخليج كشريك استراتيجي مُفضّل لواشنطن. قد يؤدي هذا التوجه إلى مزيد من تآكل مكانة إسرائيل التاريخية في المنطقة باعتبارها “الطريق إلى واشنطن”، بل وقد يضر بالعلاقة الخاصة بينها وبين الولايات المتحدة عندما تتعارض المصالح مع مصالح دول الخليج.
تجدر الإشارة، على وجه الخصوص، إلى أنه من المتوقع أن تُسرّع المملكة العربية السعودية، سعيًا منها لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، من تطوير برنامجها لتوليد الطاقة النووية (وهي قدرة تفتقر إليها حاليًا)، وهو ما يتطلب مراقبة دقيقة وحوارًا مستمرًا مع الولايات المتحدة بشأن مخاطر امتداد استخدامات هذه التقنية إلى الأغراض العسكرية. ومن المتوقع أيضًا أن تبذل دول الخليج جهودًا مماثلة في مجال الدفاع الجوي، بهدف حماية البنى التحتية الحاسوبية في حال وقوع هجوم خارجي. وفي هذا السياق، تحظى الخبرة الإسرائيلية في هذا المجال بشهرة واسعة في الإمارات والسعودية، مما يُتيح فرصة لتوسيع نطاق التعاون القائم.
لذا، فإلى جانب التحديات، يُتيح صعود دول الخليج كقوى في مجال الذكاء الاصطناعي فرصًا لإسرائيل: إذ يُمكن أن يُسهم اندماجها الذكي في النظام التكنولوجي الإقليمي المتنامي في تعزيز التعاون العلمي والاقتصادي، والذي يُمكنها من خلاله استئناف مسيرة تعزيز التطبيع. تُكمّل صناعة التكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلية إلى حد كبير نظيرتها السعودية والإماراتية: فهي تفتقر إلى المرونة البيروقراطية والتنظيمية، والإدارة المركزية، والظروف المادية الملائمة، والاستثمارات الحكومية الضخمة، لكنها تتفوق فيما تفتقر إليه دول الخليج: رأس المال البشري، والابتكار، والمبادرة، والقدرات البحثية، التي يمكن أن تُكمّل بشكل فعّال القوة المالية والبنية التحتية للسعودية والإمارات.
في الوقت نفسه، ستفقد هذه المعادلة، التي شكّلت حتى الآن أساسًا متينًا للعلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، أهميتها تدريجيًا مع تقدّم دول الخليج في تراكم المعرفة السيادية، وبالتالي فإن إسرائيل في سباق مع الزمن للاستفادة القصوى من ميزتها النسبية ما دامت قائمة.
في ضوء ذلك، ينبغي على إسرائيل صياغة استراتيجية طويلة الأجل للذكاء الاصطناعي تُركّز على تنمية رأس المال البشري والحدّ من هجرة العقول، والاستفادة من مزاياها الحالية في البرمجيات والعلوم والتنظيم لبناء أطر تعاون مع الإمارات والسعودية، قدر الإمكان في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية، مع مراقبة ومنع نقل المعرفة والتقنيات الإسرائيلية الحيوية إلى قطر. إلى جانب المراقبة الدقيقة للتطورات ذات الإمكانات العسكرية والاستخباراتية وتعميق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، قد تكون المبادرات متعددة الجنسيات مثل “باكس سيليكا” بمثابة الأساس للتنظيم الإقليمي الفعال.



