معهد السياسة والاستراتيجية (IPS): عملية “زئير الأسد” – لمحات أولية
معهد السياسة والاستراتيجية (IPS) 5-3-2026، اللواء المتقاعد البروفيسور عاموس جلعاد: عملية “زئير الأسد” – لمحات أولية
ستُسجّل عملية “زئير الأسد” في التاريخ العسكري كإحدى أبرز عمليات دولة إسرائيل، نظرًا للأداء المذهل لسلاح الجو وقدرات الاستخبارات عالية الجودة. ويُعدّ اغتيال كبار الشخصيات في النظام الإيراني إنجازًا بالغ الأهمية، لينضم إلى سلسلة اغتيالات أبرز قادة “محور الشر” الإيراني خلال العامين الماضيين. يُضاف إلى ذلك الضرر الإضافي والكبير الذي لحق بالبنية التحتية النووية الإيرانية، ومشروع الصواريخ، وقدرات الدفاع الجوي.
على الرغم من أن العملية لا تزال في بداياتها، إلا أنه يمكن استخلاص عشر لمحات أولية:
1- ساهم التنفيذ المذهل للضربة الافتتاحية، إلى جانب التعاون الاستراتيجي والعملياتي العميق مع الولايات المتحدة، إسهامًا كبيرًا في إظهار القدرات العسكرية الإسرائيلية وقوتها الاستراتيجية الشاملة كقوة إقليمية وحليف قوي للولايات المتحدة.
2- تضررت بشدة قدرة إيران على استعادة قدراتها النووية والصاروخية، لا سيما في السنوات القادمة، والتي تُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق رؤية نظام آية الله المتطرفة في تدمير إسرائيل. ويشهد نظام إيران تراجعًا ملحوظًا في قدرته على إطلاق الصواريخ، ومن المرجح أن يتفاقم هذا التراجع مع استمرار الحرب وتفاقم الأضرار التي لحقت بمنصات الإطلاق.
3- يُعاني النظام حاليًا من أضعف حالاته، داخليًا وخارجيًا، منذ الثورة الإسلامية قبل 47 عامًا، وهو في الواقع يُقاتل من أجل البقاء.
4- لا تملك إسرائيل بديلًا حقيقيًا عن التعاون الاستراتيجي مع الدول العربية، بقيادة الولايات المتحدة. وقد أثبتت هذه العلاقات مجددًا أهمية العلاقات مع هذه الدول في المواجهة الشاملة ضد التهديد الإيراني بكافة أبعاده.
5- باتت إيران معزولة على الساحة الإقليمية. يبدو أن الهجمات على دول الخليج والأردن، وعلى القاعدة البريطانية في قبرص، والتي كانت تهدف، من بين أمور أخرى، إلى تكثيف الضغط الداخلي على الولايات المتحدة وردع الإدارة الأمريكية عن مواصلة الحملة خشية اندلاع حرب إقليمية واسعة النطاق، تُعدّ خطأً استراتيجياً. في الواقع، أدت هذه الاستراتيجية الإيرانية إلى نتيجة عكسية، تمثلت في توحيد الدول العربية المعتدلة جهودها ضدها. ويُضاف هذا إلى سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها النظام، لا سيما في تعامله مع المفاوضات مع الإدارة الأمريكية وفهمه المحدود للرئيس ترامب.
6- من الواضح أن مفهوم الوكلاء الذي بنته إيران باستثمارات ضخمة بلغت مليارات الدولارات في العقود الأخيرة قد بدأ يضعف، على الرغم من انضمام حزب الله إلى الحرب بإطلاق الصواريخ وإطلاق الطائرات المسيّرة. مع ذلك، فإن قدرات حزب الله على شنّ حملة واسعة النطاق أصبحت محدودة أكثر من ذي قبل، لا سيما بالمقارنة مع قدراته الهائلة التي كان يتمتع بها قبل السابع من أكتوبر. كما يعاني الحزب من ضغوط داخلية متزايدة نتيجة الضغوط الشديدة التي تمارسها الحكومة اللبنانية، بقيادة الرئيس جوزيف عون، لضبط النفس وعدم جرّ لبنان إلى حملة واسعة النطاق، لما قد يترتب عليها من أضرار جسيمة للسكان وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية.
7- أثبتت روسيا والصين مرة أخرى أنهما مجرد شوكة في خاصرة إيران، إذ لا تقدمان لها أي دعم حقيقي، لا سياسي ولا عسكري، وبالتأكيد لا تشكلان أي رادع ضد إسرائيل والولايات المتحدة. يُضاف إلى ذلك التفوق المطلق لأنظمة الأسلحة والتقنيات الغربية، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية، على نظيرتها الشرقية، الروسية والإيرانية.
8- رغم الضربات التي تلقتها إيران، فمن الواضح أن النظام لا يزال قائماً. ويعود ذلك إلى القمع الوحشي والمنهجي لدوائر المعارضة، فضلاً عن آليات نقل السلطة المنظمة في حال وفاة القائد وكبار المسؤولين. في غضون فترة وجيزة، ووفقًا للدستور الإيراني، تم تعيين قيادة بديلة لتتولى زمام الأمور في إيران إلى حين انتخاب قائد جديد، ربما خلال الأيام القليلة المقبلة. كما تم تعيين بدلاء للمسؤولين الأمنيين الذين تم إحباط مخططاتهم.
9- أطلق الرئيس ترامب العملية دون تأييد شعبي واسع (27 في المئة فقط وفقًا لأحدث استطلاع للرأي)، بل ودون موافقة الكونغرس. يُضاف إلى ذلك مخاوف الرئيس من التورط في حملة طويلة الأمد مماثلة لتلك التي شهدتها العراق وأفغانستان، ومن ارتفاع عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية (ستة قتلى حتى الآن)، ومن التأثيرات المحتملة على أسعار النفط (التي قفزت بالفعل إلى 80 دولارًا للبرميل) قبيل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني. في ضوء ذلك، من المرجح أن يسعى الرئيس ترامب إلى حملة قصيرة قدر الإمكان، تستغرق، بحسب قوله، من أربعة إلى خمسة أسابيع، وبالتأكيد لن ينجرّ إلى حملة طويلة الأمد تمتد لأشهر.
10- يوضح عمل قوات الأمن الباهر مرة اخرى لأهمية الحيوية للتماسك الاجتماعي وأهمية الخدمة في الجيش الإسرائيلي كركائز أساسية في الحفاظ على قيم إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية وليبرالية.
التوصيات
تواجه إسرائيل فرصة تاريخية لإلحاق أشد الضرر بالنظام الإيراني القاتل. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي لإسرائيل استغلال الفترة الزمنية التي تسبق العملية لتعميق الضرر الذي يلحق بالبنية التحتية النووية والصاروخية الإيرانية، مع الاستمرار في اتخاذ خطوات لإضعاف النظام. وذلك على أمل أن تهيئ هذه الخطوات الظروف لتجدد الاحتجاجات الجماهيرية التي ستؤدي إلى زعزعة استقرار النظام، وربما حتى سقوطه، مع الأخذ في الاعتبار أنه في الواقع الحالي في إيران، لا يوجد حل حقيقي للصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الشديدة التي تعاني منها البلاد.
في الوقت نفسه، يمثل انضمام حزب الله إلى الحرب فرصة لإسرائيل لمعالجة بنيته التحتية وقدراته بشكل شامل في جميع أنحاء لبنان، بما في ذلك الضاحية والبقاع اللبناني ومناطق أخرى من البلاد. وذلك لخلق الظروف التي تسمح لسكان الشمال بالعودة إلى منازلهم بأمان وإعادة بناء المنطقة.
كخطوة مكملة، ينبغي لإسرائيل اغتنام الفرصة لتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الدول العربية، وفي المقام الأول، السعي إلى إبرام اتفاقية تطبيع تاريخية مع المملكة العربية السعودية. يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية ليس فقط لاستمرار الحملة ضد إيران، بل أيضاً لعمليات إعادة إعمار غزة، ولتعزيز الخطوات المشتركة لنزع سلاح حماس.



