معاريف: المعركة ما بعد الحرب
معاريف 13/3/2026، الون بن دافيد: المعركة ما بعد الحرب
“هذا ليس بكم من القوة تضرب”، يشرح روكي في الفيلم الشهير، “هذا بكم يمكنك ان تتحمل الضرب وتواصل الى الامام”. يبدو أن آيات الله في ايران استوعبوا هذه الرسالة. اسبوعان في الحرب، ورغم انهم يتلقون ضربات قوية، يواصلون الى الامام.
اذن صحيح انهم لا يردون الضرب بالضرب بالقدر الذي يريدون ان يضربوا به. ومنذ اكثر من أسبوع ومدى النار من ايران نحو إسرائيل استقر عند نحو عشرة صواريخ في اليوم. لكنهم سيواصلون اطلاقها حتى اليوم الأخير وهم يعتزمون البقاء على الاقدام والنهوض في نهاية هذه الحرب، سواء على اقدام مجتبى ام على اقدام من يحل محله.
المخططون العسكريون في تل ابيب في تمبا وفي واشنطن اتخذوا جانب الحذر في أن يضعوا اسقاط النظام كهدف الحرب. وقد تحدد هذا كـ “خلق الظروف العسكرية لتغيير النظام”. لكن الزعماء واساسا دونالد ترامب كانوا اقل حذرا واخذوا بالمستوى غير القابل للتحقق. لا سبيل لاسقاط نظام مع F35 أو B52. وبالتأكيد ليس نظام مستقر نجا من غير قليل من الهزات في الـ 47 سنة الأخيرة. هذا يتطلب قوات من نوع آخر تكون على الأرض، بين الناس.
قبل أسبوع قالوا لنا ان الاكراد يوشكون على اجتياح ايران، بل ان سلاح الجو قصف حتى في الحدود بين العراق وايران، لكن لا يزال لم نرَ كرديا واحدا اجتاز الحدود. يبدو ان ليس الـ سي.اي.ايه ولا الموساد اعدا البنية التحتية اللازمة لاسقاط النظام.
من يتطلع الى اسقاط النظام يجدر به ان يتعلم طريق أبي الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني. من اللحظة التي طرد فيها من ايران بنى بمواظبة على مدى 14 سنة البنية التحتية لاسقاط الشاه. اقام جمعيات “الصدقة”، أسس قواعد دعم في الجامعات وفي بلدات المحيط، ثبت نفسه كمن يتحدث باسم الشعب، وخلق شروطا حقيقية باسقاط النظام وللثورة الناجحة التي قادها في 1979.
في الجيش الإسرائيلي فهموا بان هدف تغيير النظام هو امنية اكثر مما هو هدف واقعي. وعليه فاضافة الى المعارك الحربية الثلاثة التي اعدت مع الأمريكيين، بدأوا في إسرائيل يخططون للمعركة الرابعة – المعركة ما بعد الحرب. يوجد جهد إسرائيلي لربط الأمريكيين بحصار متواصل على ايران – في البحر، في الجو وفي البر. الهدف سيكون خنق النظام الإيراني حتى بعد وقف النار والدفع باتجاه انهياره.
في هذه الاثناء يعمل الجيش الإسرائيلي في ايران وكأن كل دقيقة يمكنهم ان يصفروا له بالانهاء. سلاح الجو يعصر مقدراته – المادية والبشرية – كي يدمر الحد الأقصى من الأهداف قبل ان يتوقف كل شيء. بين اثنين وثلاثة قطارات جوية لاكثر من مئة طائرة تنطلق كل يوم الى ايران، بوتيرة يمكنها أن تقلق من ناحية التأثير الجسدي والعقلي على الأشخاص الرائعين الذين في حجرة الطيار.
وصفت شعبة الاستخبارات ثلاثة أصناف من الأهداف: اضطرارية، حيوية وهامة. هذه اهداف من عدة عائلات: دفاع جوي، صواريخ ارض ارض ومنظمات داعمة ومنتجة لها، دفاع عسكري وسياسي، رموز حكم وقوات قمع لدى النظام. من بين الأهداف الاضطرارية دمر الان نحو 80 في المئة لكن كما اسلفنا النظام لا يزال يؤدي مهامه رغم أنه مصاب.
حفظ الأنظمة
وفوق كل شيء تحوم علامة الاستفهام الأكبر للحرب: ما الذي يريد ترامب تحقيقه؟ وفي أي خط سيقرر التوقف؟ يمكن منح هذا الرئيس الأمريكي الشاب، المختلف عن كل اسلافه الكثير من الألقاب المهينة، لكن في شيء واحد لا يمكن الاشتباه به: هو ليس غبيا ولديه نظرة واسعة.
عندما نربط في خط واحد الخطوات الثلاثة الهامة التي قام بها في سياسته الخارجية منذ تسلم المنصب – فنزويلا، غرينلند وايران – نحصل على قاسم مشترك واحد: النفط. ترامب يريد سيطرة بالحد الأقصى من النفط والتأثير على سعره، ويبدو أن في لوحة الشطرنج الصين هي الملك الخصم. ايران ليست سوى الفرس او القلعة. ليس مؤكدا انه معني بالنووي في ايران او بعدد صواريخهم.
كرئيس يعرف انه لا حاجة به لان يتنافس مرة أخرى في الانتخابات فانه يركز على إرثه. كما هو معروف، الصين تريد تايوان، جزيرة عديمة الأهمية جغرافيا لكنها ذات أهمية دراماتيكية لمستقبل العالم. تايوان هي المنتجة لـ 60 في المئة من الشرائح في العالم و 90 في المئة من الشرائح المتطورة. من يتحكم بها – سيمسك بالمقدر الأهم للذكاء الاصطناعي. ومن يسيطر على الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم.
التأثير الوحيد الذي يمكن لترامب ان يحققه حيال الصين هو السيطرة على نقطة ضعفها: الطاقة. فهي مستوردة النفط الأكبر في العالم، واقتصادها متعلق بتوريد النفط من الشرق الأوسط. اذا نجح ترامب في ان يحقق اتفاقا مع ايران على النفط – فسيحقق تأثيرا على اكثر من 30 في المئة من احتياطات النفط العالمية وسيتمكن من تثبيت تهديد مصداق على تطلعات الصين التوسعية. على الطريق سيحرر أيضا الولايات المتحدة من التعلق باحتكار الاوبيك للأسعار، والتي لم تراعي ابدا الأمريكيين في تحديث سعر النفط.
لكن النظام في ايران، حتى بعد أسبوعين من الحرب فلا يبدو كمن هو مستعد لان يقبل اتفاقات مع الولايات المتحدة. على رأسه يقف (صحيح حتى اليوم) شخص صفت إسرائيل أباه، أمه، زوجته وابنه. انتخاب مجتبى خامنئي زعيما اعلى لم يكن بالاجماع. هو موضع خلاف حتى في أوساط رجال النظام فما بالك في أوساط الشعب الإيراني. لكن صحيح حتى ساعة كتابة هذه السطور ايران يقودها شخص لديه امنية ثأر.
وعليه، فمشكوك فيه ان تنتهي الحرب باتفاق مع ايران ومعقول اكثر ان تنتهي بوقف نار من طرف واحد، إسرائيل وامريكا مع اعلان شروط لحفظ وقف النار. مثلما في ايران، عندنا أيضا، الهدف الأعلى وغير المعلن للحرب هو حفظ النظام. لكن في هذه المعركة نحن الفأر على ظهر الفيل، ولسنا من يقرر الوتيرة ونقطة النهاية.



