معاريف: الحرب ستحدث تغييرات جيوسياسية وتحالفات ضد ايران في الشرق الأوسط

معاريف 3/3/2026، زلمان شوفال: الحرب ستحدث تغييرات جيوسياسية وتحالفات ضد ايران في الشرق الأوسط
في 1942 خاض اليابانيون في واشنطن مفاوضات مكثفة، ظاهرا لاجل منع الحرب ضد الولايات المتحدة، فيما كانت حاملات الطائرات خاصتهم كانت تقترب من بيرل هاربر، حيث امسكوا بالامريكيين وهم غير مستعدين. مبعوثو آيات الله في عُمان وفي جنيف اتخذوا النهج ذاته كي يجدوا حلا دبلوماسيا مزعوما فيما انهم عمليا سرعوا استعداداتهم الهجومية في مجالات النووي والصواريخ. غير أن هذه المرة لم يتشوش الامريكيون وشنوا مع إسرائيل هجوما استباقيا.
الحرب في بدايتها فقط ونتائجها لا تزال غير واضحة. وان كان لا شك في موضوع الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل: تصفية تامة لتهديدات النووي والصواريخ، تصفية الوكلاء وتشجيع اعمال لتغيير الحكم في ايران. منذ الان يمكن الإشارة الى تغييرات جيوسياسية تحققت في اعقاب الحرب. فقد نشأ عمليا تحالف ضد ايران في الشرق الأوسط كنتيج لاعمالها الهجومية ضد الامارات، قطر، السعودية، الأردن والكويت. من الصعب ان نعرف اذا كان هذا التحالف سيتجسد سياسيا بعد الحرب لكن واضح انه وقع تغيير أساسي. في الماضي، اجتهدت هذه الدول العربية بكل قوتها، تجاه الخارج على الأقل، لخلق أجواء تحسين العلاقات مع طهران. فقد حاولت دول الخليج على مدى سنين احتواء التهديد الإيراني، لكن هذا المفهوم انهار مع الضربات الأولى في أراضيها.
من هذه الناحية تبرز التقديرات المغلوطة للحكام في طهران – الهجمات التي استهدفت تشجيع دول الخليج للتأثير على واشنطن الا تتخذ اعمالا عسكرية ضد ايران حققت نتيجة معاكسة، إذ وسعت الجبهة المناهضة لإيران. القصف في قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي وسع هذه الجبهة اكثر فأكثر من حيث الامكانية الكامنة على الأقل. وفي هذه الاثناء يفضل الأوروبيون الجلوس على الجدار من ناحية عملية والاكتفاء باقوال وهمية عن أنه مع رحيل خامنئي بانتظار الشعب الإيراني مستقبل افضل.
تركيا، التي حسنت مؤخرا علاقاتها مع ايران بالنسبة للعداء المشترك تجاه إسرائيل أيضا، تجد نفسها في الوضع الجديد في تضارب للمصالح. فتركيا معنية بالانضمام الى الاتحاد الأوروبي وقد تقربت من الولايات المتحدة تحت حكم ترامب وهي لا تزال تسعى لان تكون قائدة العالم الإسلامي السُني. في كل حال لا يمكن لإسرائيل أن تغض النظر عن الخطوات التي تتخذها تركيا كي تنخرط في التسويات التي يخطط لها الرئيس ترامب في موضوع غزة كي تخلق لنفسها أساسا لعمل أوسع في المنطقة كلها وحيال إسرائيل بخاصة.
للوضع المتشكل في الشرق الأوسط تداعيات بعيدة الأثر اكثر من ذلك. في السنوات الأخيرة جرى الحديث عن حلف بين الصين، روسيا، كوريا الشمالية وايران وفي إدارة بايدن رأوا في هذا الحلف جبهة موحدة ضد الناتو والعالم الغربي بعامة بهدف التنافس على الصدارة الاستراتيجي السياسية، الفكرية، وفي المستقبل أيضا العسكرية. وضع ايران التي كانت عضوا مؤسسا في هذا الحلف، تغير الى الأسوأ. الصين تتجاهل في تنكر لطيف في ظل اطلاق تصريحات غير ملزمة، وروسيا التي تندد بلغة حازمة خطوات الولايات المتحدة وإسرائيل في ايران، تمر هي الأخرى على ذلك مرور الكرام. يبدو أن سواء الصين العقلانية ام روسيا التي أوكرانيا اقرب اليها من ايران قررتا التقدم الى الامام. حتى قبل ذلك كانتا تريان في ايران شريكا متـعثرا والمصالح الاقتصادية معها سيكون ممكنا حفظها حتى اذا ما تشكل فيها وضع سياسي جديد.
منذ عهد أوباما تعزز في الولايات المتحدة الميل للابتعاد عن تدخل كبير في الشرق الأوسط. وكان التقدير ان هذا الميل سيتعزز مع صعود دونالد ترامب الى الحكم بميوله الانعزالية، استنادا الى المعتقدات السياسية لحركة MAGA الأساس الأيديولوجي للرئيس. وها هو الدولاب انقلب تماما تقريبا. ترامب يرى نفسه من يصمم مكان الولايات المتحدة الأعلى في المعمورة كلها وان كان يقف في هذا الشأن بخلاف الآراء في الحزب الديمقراطي وفي الجناح اليميني المتطرف في حزبه.
لقد قرأت إسرائيل الخريطة من هذه الناحية قبل كثيرين آخرين وعملت بموجب ذلك. إدارة ترامب تفهم بان إسرائيل هي شريك يمكن التعويل عليه والعمل معه وهذا، كما يتبين في هذه الأيام، هو ذخر من الدرجة الأولى. فهل الواقع الجيوسياسي الجديد في منطقتنا سيستمر بل وسيتقدم؟ هذا لا يزال صعبا قوله بيقين. فالامر متعلق أيضا بتطورات سياسية سواء في الولايات المتحدة أم في إسرائيل. لكن توجد مؤشرات تدل على ذلك. في هذه الاثناء، على أي حال يوجد بالتأكيد شرق أوسط جديد.



