معاريف: إسرائيل عالقة بين خطة إقليمية رائعة وحلم تطبيع ابتعد، ورئيس وزراء يؤمن بالصدفة

معاريف 28/11/2025، آنا برسكي: إسرائيل عالقة بين خطة إقليمية رائعة وحلم تطبيع ابتعد، ورئيس وزراء يؤمن بالصدفة
من خلف ستار دخان كثيف ينثر في الآونة الأخيرة من ديوان رئيس الوزراء الى كل صوب – قصص منسقة جيدا عن مواجهات بين وزير الدفاع ورئيس الأركان، احابيل إعلامية عن لجنة تحقيق واحدة واجبة وأخرى مرفوضة حتى في مرحلة المسودة – تتكثف قصة اكبر بكثير: الفجوة المتسعة بين الخطط الكبرى التي وضعت لنا على الورق باحرف من ذهب وتتكرر في صفحات رسائل من محيط بنيامين نتنياهو – وبين ما يصر الواقع على الأرض ان يضعه أمامنا.
تفتح هذه الفجوة جبهتين عُرضتا منذ وقت غير بعيد كأوراق مظفرة لنتنياهو: خطة ترامب في غزة، أساسا الانتقال الحيوي الى المرحلة الثانية – والاحتمال لاتفاق تطبيع مع السعودية. عُرضت كلتاهما كخطط لامعة، مستقرة، تكاد تكون محتمة – وكلتاهما تحطمتا على ارض الواقع في الأشهر الأخيرة. ليس كفشل رسمي – فلا يوجد حسم بعد – بل كتعلق عميق متواصل يهدد بابتلاع مجرد الامكانية لان يتحقق بالفعل ما كتب بهذا القدر من الجمال في الوثائق وفي الخطابات. ومثل كل قصة جيدة، نبدأ في المكان الذي تعتمل فيه الأرضية حقا.
على الورق تبدو خطة ترامب في غزة كنتاج فريق استراتيجي امريكي فائق: نظام واضح، تقسيم الى مراحل، خريطة طريق لاعمار القطاع الذي دمر ماديا ومؤسساتيا. المرحلة الأولى – وقف نار تدريجي، ضربة لحماس وخلق شروط بداية. المرحلة الثانية – قلب الخطة: قوة متعددة الجنسيات تدخل الى القطاع، تنزع سلاح حماس، تقيم جهاز اداري فلسطيني “نقي من الإرهاب”، يستقر الامن ويبدأ اعمار مرتب باشراف واسع من دول عربية وغربية.
هذا على الورق. اما على الأرض فالقصة مختلفة تماما. الخطة لم تفشل، ليس بعد، لكنها عالقة. عالقة عميقا. عالقة في تداخل نادر من مشاكل بنيوية، نزاعات إقليمية، مصالح اجنبية واساسا – انعدام الشروط الأساسية التي تسمح بالانتقال الى المرحلة الثانية. هذا التعلق يصبح من يوم الى يوم عائقا هاما اكثر لدرجة انه سيكون من الصعب أن نتخيل اليوم كيف سيبدو التنفيذ للمرحلة الثانية في الظروف القائمة.
حماس، التي كان يفترض أن تكون ضعفت حتى انعدام الأداء، لم تختفي، لم تنكر بل العكس: لقد نجحت في الانتعاش في أجزاء هامة من القطاع قلص الجيش الإسرائيلي فيها تواجده. بل انها استعادت لنفسها وظائف الحكم – حيثما تستطيع وكيفما تستطيع، لكنها تحاول، لا تتنازل ولا تبدي علائم استسلام. من بحث عن “فراغ سلطوي” يضع ارضا نقية لقوة متعددة الجنسيات يجد لمفاجأته بان هذا الفراغ تملأه جهة كان يفترض أن تختفي.
عالقون في الجمود
بالتوازي فان الدول التي جرى الحديث عن انها ستدخل قوات الى غزة في المرحلة الثانية – مصر، السعودية، قطر وتركيا – تجد صعوبة في أن تتفق حتى على هوية المشاركين، ناهيك عن نوع التفويض، عن التمويل، عن فترة الانتشار وعلى مبنى القيادة. مصر غير مستعدة لان تتحمل المسؤولية المباشرة عن الامن الداخلي في غزة؛ السعودية لا تسارع الى دفع ثمن سياسي إقليمي على الدخول الى ارض لا تزال حماس فيها قوة مسيطرة؛ تركيا تطالب بان تشارك، وإسرائيل ترى في هذا الطلب خطرا مباشرا؛ وقطر، التي بوسعها ان تمول، غير مستعدة لان تبعث بقوة تتآكل امام الواح الاسمنت في غزة.
كما أن اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية توجد أساسا في الملفات التي ترسل بين الدوائر في وزارة الخارجية الامريكية. فلاجل إدارة شيء ما في غزة هناك حاجة لشرعية على الأرض. والشرعية على الأرض تمر، خيرا وشرا، عبر حماس والعشائر. بدون هذا، سيجد كل مدير فلسطيني جديد نفسه يدير في اقصى الأحوال عشيرة واحدة ونصف في طرف شارع واحد ونصف.
فوق كل هذا يوجد عنصر لا يمكن لاي مخطط امريكي أن يحله: الواقع الأمني. كل مرة يعقد فيها في القاهرة لقاء يرمي الى الدفع قدما بالمرحلة التالية، يأتي تقرير من الجنوب او من الشمال ويعيد الجميع الى الصفر: نار، هجوم، استئناف نشاط حماس، مقاومة مسلحة لعناصر أخرى. ان خطة تقوم على الاستقرار لا يمكنها أن تتقدم عندما لا يكون استقرار حتى ولا لـ 48 ساعة. وهذه بالضبط النقطة الحاسمة: الخطة توجد في وضع انتقالي مخيب للامال توجد فيها على الأرض، مسنودة بقرارات، بصياغات، باعلانات لكنها عالقة على الأرض مما يمنعها من الانتقال من الفكرة الى الميدان. لاجل التقدم الى المرحلة الثانية هناك حاجة لواقع آخر. في هذه اللحظة يوجد واقع واحد، وهو ليس ذاك الذي خطط له.
الامريكيون، الذين طوروا في مرحلة مبكرة تفاؤلا حذرا، يبدأون بابداء علائم التعب. “هذا سيستغرق وقتا”، يقولون. “هناك حاجة الى الصبر”. لكن ترجمة دبلوماسية لذلك هي: الخطة عالقة، لم تهجر، لم تلغى بل تنتظر الظروف التي لا يدري احد اذا ما ومتى ستنشأ. احد غير قادر على أن يقول كم من الوقت يمكن الإبقاء على خطة دولية معقدة في حالة انتظار، بينما الواقع على الأرض يتغير كل يوم.
هنا يدخل الى الصورة السؤال المدوي: الى اين يسير الحال الان. تقويم الوضع الذي يتبلور لدى محافل سياسية وامنية في إسرائيل وفي العالم يخلق سيناريو محتمل، يكاد يكون واجبا: الجيش الإسرائيلي سيواصل الوقوف في الخط الأصفر دون تقدم ودون انسحاب. نوع من “وضع راهن اضطراري” يخدم الكل ولا يخدم أحدا. فكرة القوة الدولية آخذة في التبدد، ليس لانها غير هامة، بل لانه لا توجد دولة مستعدة لان تبعث بجنود الى ساحة لا تزال حماس فاعلة فيها. حماس بالمقابل ستواصل التموضع حيثما يوجد لها مجال وستزيد نفوذها وتفحص حدود قوتها.
وفي إطار ذلك في إسرائيل يقدرون – وربما البعض يأمل – ان يتواصل الوضع لاشهر الى أن يتعب الرئيس دونالد ترامب. ليس للمرة الأولى. في الماضي أيضا بادر الى سياقات فاخرة بدأت بضجيج وانتهت بتعب، بخيبة امل وبالقاء الملف على الشريك. اذا حصل هذا يحتمل أن يقول لإسرائيل: “عالجوا هذا كما تفهمون”. بكلمات بسيطة: الجمود في غزة ليس فقط جغرافيا بل هو سياسي أيضا. فهو مجمد من كل جانب، بلا رافعة حقيقية قادرة على ان تدفعه الى الامام.
استيقظوا من حلم إبراهيم
اذا كان الحديث في غزة يدور عن الجمود، ففي ساحة التطبيع مع السعودية يدور الحديث عن صحوة حقيقية. فعلى كل مدى ولاية نتنياهو الحالية، من يومها الأول تقريبا، انزل نتنياهو على الجمهور رسالة وحيدة: “الإنجاز السياسي الأكبر سيحصل من لحظة الى لحظة”. هذا تكرر في كل خطاب، في كل تصريح، في كل مقابلة صحفية، كنغمة دائمة في الخلفية.
مياه كثيرة تدفقت منذئذ في الخليج الفارسي، وفي نهاية الامر جاء لقاء دونالد ترامب – محمد بن سلمان الذي كان يفترض أن يضع على الطاولة صفقة كبرى: أمريكا – السعودية – إسرائيل. عمليا تجلت صورة معاكسة تماما: السعودية حصلت على ما تريد دون أن تدفع الثمن الذي رواه لنا نتنياهو. ترامب منح ابن سلمان كل شيء تقريبا: تعهدات امنية، سلاح متطور، الدفع قدما بمشروع نووي مدني – وصفر مطالبة علنية بالنسبة لإسرائيل، صفر اشتراط سياسي. ما قيل بالفعل كان الطلب السعودي للتقدم في المسار الفلسطيني. السطر الأخير في الحدث: صفر احتمال لصورة احتفالية مع رئيس وزراء إسرائيل.
الخطة في غزة عالقة في مسيرة لا يمكن لاحد ان يتوقع نهايتها. المسيرة مع السعودية ابتعدت ربما لسنوات. هذا يبقي رئيس الوزراء في واقع بسيط جدا: من الصعب التوجه الى الانتخابات مع “تقريبا”، مع “بعد لحظة” ومع “منوط بالتطورات”. الجمهور بما في ذلك جمهور مؤيديه يفهم من أنه من اصل الوعدين الكبيرين كلاهما ذاب في سحابة من انعدام اليقين. ائتلافه اصبح اثقالا. كل حراك سياسي – حتى كلمة حذرة في وثيقة أمريكية عن “افق سياسي” – كفيلة بان تفككه. كل حراك امني هام قد يقوضه.
نتنياهو يعرف هذا ولهذا فهو يختار الطريق الذي يعرفه جيدا: تأجيل، تسويف، انتظار. الا يبكر الانتخابات، الا يستفز الواقع، بل يحاول مد الوقت على امل أن يتغير شيء ما. لعل ترامب يغير النبرة، لعل الفسيفساء في غزة تترتب في صالحنا، لعل شيء ما، أينما اتفق، يتحرك. لكن في هذه اللحظة لا شي يحصل. بدلا من هذا نرى وضعا معروفا: إسرائيل عالقة بين خطة إقليمية رائعة لا تنجح في الخروج من المحطة وبين حلم تطبيع ابتعد عن تاريخ الموعد، وفي الوسط – رئيس وزراء يؤمن اكثر بالصدفة مما في الفعل وينتظر لحظة يكيف فيها الواقع أخيرا نفسه مع القصة التي يريد أن يرويها.
غير ان الواقع يصر على ان يروي قصته. غزة عالقة، السعودية ابتعدت وسيناريو النصر السياسي الذي رسمه نتنياهو لا يوشك على العودة قريبا. وهذه لم تعد صورة من خلف ستار ينبغي اخفاؤه. هذا بات دخان بلا ستار.



