مصطفى إبراهيم: هكابي الصهيوني الديني وأدلجة الدبلوماسية الأميركية
مصطفى إبراهيم 24-2-2026: هكابي الصهيوني الديني وأدلجة الدبلوماسية الأميركية
ما صدر عن عدد من السفراء الأميركيين في إسرائيل وأوروبا يطرح إشكالية واضحة حول حدود الدور الدبلوماسي واحترام سيادة الدول المضيفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسفراء محسوبين مباشرة على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والذين يمثلون أيديولوجيات سياسية محددة أكثر من كونهم خبراء دبلوماسيين مهنيين.
في الوطن العربي، أثارت تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هكابي، جدلاً واسعاً بعد حديثه عن إسرائيل الكبرى و“الحق الوجودي” لها، وتلميحات واضحة على حقها في الهيمنة أو السيطرة على أراضٍ عربية. هكابي، أول سفير عينه ترامب في إسرائيل، يمثل الشخصية اليهودية اليمينية الصهيونية المسيحانية المؤثرة في الانتخابات الأميركية، ويعد نموذجًاً صريحاً لتسييس التعيينات الدبلوماسية، حيث يصبح الولاء الأيديولوجي والسياسي للرئيس أهم من الخبرة المهنية.
تصريحات هكابي لم تُقرأ فقط كرأي شخصي، بل كتجاوز للأعراف الدبلوماسية وتحويل المنصب إلى منصة أيديولوجية، متجاهلة مصالح الولايات المتحدة العربية والتوازن الإقليمي. هذه التصريحات كشفت جانباً خطيراً في إدارة العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، إذ تبنت خطاباً توسعياً صريحاً متماهياً مع أيديولوجية يمينية صهيونية–مسيحانية، متجاهلة سيادة الدول العربية وحقوق الشعوب العربية، ومؤيدة للتهجير، التطهير العرقي، الاستيطان، الضم، وفرض السيادة على الضفة الغربية المحتلة.
في باريس، أثارت تصريحات مرتبطة بالسفارة الأميركية حول تعامل فرنسا مع قضايا “معاداة السامية” احتجاجاً رسمياً، خصوصاً بعد ما نُسب إلى تشارلز كوشنر، السفير الأميركي في باريس وأب جارد كوشنر، صهر ومستشار ترامب. اعتبرت السلطات الفرنسية هذه التصريحات تدخلاً مباشراً في الشأن الداخلي، ما دفعها إلى استدعاء السفير. الأمر ذاته تكرر في بلجيكا، حيث أثارت تصريحات السفير الأميركي حول السياسات الداخلية احتجاجًا رسمياً واستدعاءً للسفير، وهو ما يعكس حساسية هذه الدول الأوروبية لمفهوم السيادة واحترام الأعراف الدولية.
المفارقة تكمن في أن الردود العربية، بما فيها موقف السلطة الفلسطينية، لم تتجاوز حدود الإدانات الشكلية أو السحب الجزئي للسفراء، دون اتخاذ مواقف أكثر حدة قد تؤثر على المصالح الأميركية أو تحدّ من خطاب أيديولوجي صهيوني صريح. هذا الموقف يعكس ضعفاً واضحاً أو تردداً في مواجهة خطاب أيديولوجي متماهٍ مع رؤية الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي تؤيد التهجير، التطهير العرقي، الاستيطان، الضم، وفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية. موقف السلطة الفلسطينية بالذات كان ركيكاً، ولم يعكس قدرة على حماية الحقوق والمصالح الفلسطينية أو الضغط على الإدارة الأميركية لمحاسبة السفير.
المسألة ليست حرية التعبير الشخصية للسفير، بل حدود المنصب الدبلوماسي نفسه. السفير ليس ناشطًاً سياسياً أو أيديولوجياً، بل ممثل دولة يُفترض أن يحافظ على التوازن بين مصالح بلاده واحترام سيادة الدولة المضيفة. عندما يتحول المنصب إلى منصة لترويج خطاب ديني–سياسي يبرر التوسع أو يتبنّى سرديات توسعية، فإنه يضع بلاده في موقع الاصطفاف بدلاً من الوساطة، ويقوّض صورة الدبلوماسية كأداة توازن.
الأخطر هو عدم مساءلة هذا الخطاب من الإدارة الأميركية، واستمرار تبني سياسات مماثلة، ما يعكس ما يمكن تسميته بـ أدلية الدبلوماسية الأميركية، حيث يختلط الخطاب الداخلي الانتخابي بالدبلوماسية الخارجية، ويصبح الولاء للرئيس معياراً أعلى من الأعراف المهنية والخبرة الدبلوماسية.
الاختلاف بين ردود الأفعال الأوروبية والعربية، بما فيها المواقف العربية المحدودة، يسلط الضوء على حدود ما يُسمح به للسفراء الأميركيين في تمثيل مصالح بلادهم دون تجاوز الأعراف الدولية، ويكشف ازدواجية واضحة في التعامل بين الحلفاء الاستراتيجيين والدول الأخرى في احترام السيادة الوطنية، كما يبرز هشاشة الموقف العربي في مواجهة خطاب توسعي صهيوني–أميركي واضح.



