أقلام وأراء

مصطفى إبراهيم: الحرب على إيران: تفوق عسكري واضح… وحسم سياسي بعيد

مصطفى إبراهيم 7-3-2026: الحرب على إيران: تفوق عسكري واضح… وحسم سياسي بعيد

وفقاً لتحليلات الخبراء الإسرائيليين، فإن الأيام الأولى من عملية “زئير الأسد” تكشف بوضوح حجم التفوق العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي-الأميركي، لكنها في الوقت نفسه تسلط الضوء على الطبيعة المعقدة لهذه الحرب وحدود قدرتها على تحقيق حسم سريع. فنجاح الضربة الافتتاحية في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية إيرانية، واغتيال عدد من القيادات العسكرية، يعكس مستوى عالياً من التنسيق العملياتي والتفوق التكنولوجي، لكنه لا يعني بالضرورة أن المعركة قد حُسمت.

التقديرات العسكرية في إسرائيل تشير إلى أن تحقيق الأهداف المعلنة للحرب يتطلب استمرار الضربات الجوية لفترة أطول، ربما لأسابيع، من أجل إلحاق ضرر كبير ببرنامج الصواريخ والبنية العسكرية الإيرانية. غير أن هذه العمليات، مهما بلغت كثافتها، لا تضمن بالضرورة تدمير القدرات الإيرانية بالكامل، خاصة في ظل طبيعة البنية العسكرية الإيرانية التي بُنيت على مدى سنوات طويلة على مبدأ التوزيع والتمويه والقدرة على إعادة البناء.

في المقابل، تحاول إيران الحفاظ على قدرتها على الرد، ولو بشكل محدود، من خلال إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو عبر حلفائها في المنطقة. ورغم أن هذه الردود لا تبدو حتى الآن قادرة على موازنة التفوق العسكري الإسرائيلي-الأميركي، فإنها تهدف أساسًا إلى إظهار أن النظام في طهران ما زال قادرًا على القتال، وأن الحرب لن تكون بلا ثمن.

هذا الواقع يضع الحرب في معادلة معقدة: فإسرائيل والولايات المتحدة تملكان القدرة على توجيه ضربات مؤلمة لإيران، لكنهما تدركان في الوقت ذاته أن إسقاط نظام سياسي أو تغيير موازين القوة في دولة بحجم إيران ليس مهمة عسكرية بسيطة. وقد أظهرت تجارب سابقة في المنطقة أن التفوق العسكري لا يترجم دائمًا إلى نتائج سياسية حاسمة.

كما أن استمرار الحرب يفتح الباب أمام مخاطر التوسع الإقليمي. فإيران قد تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة عبر حلفائها في المنطقة، سواء من خلال حزب الله في لبنان أو عبر ساحات أخرى، وهو ما قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد السياسي لهذه الحرب. فالتصعيد العسكري يجري في ظل حسابات إقليمية ودولية معقدة، حيث تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق أهداف عسكرية دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة قد يصعب التحكم بنتائجها.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في هذه الحرب: فالتفوق العسكري قد يمنح القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لكنه لا يضمن بالضرورة إعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة. فالحروب الحديثة، خصوصًا بين قوى إقليمية كبيرة، غالبًا ما تتحول إلى صراعات استنزاف طويلة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.

في المحصلة، تكشف هذه الحرب عن مفارقة واضحة: فالتفوق العسكري الإسرائيلي-الأميركي يمنحهما القدرة على توجيه ضربات قاسية، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق حسم سياسي سريع. وفي المقابل، تحاول إيران إدارة المواجهة بطريقة تقلل من خسائرها وتُبقي على قدرتها على الصمود، بانتظار متغيرات قد تعيد تشكيل المشهد الإقليمي.

وفي ضوء اختلال ميزان القوى الحالي، تبدو إسرائيل ماضية في مسار تتوافر فيه معظم عناصر التفوق العسكري والتكنولوجي والدعم الدولي، وهي ظروف تجعل مجاراتها في مواجهة مباشرة أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لخصومها في هذه المرحلة. في مثل هذا السياق، قد يصبح خيار الاستدارة التكتيكية وإعادة التموضع، بكل ما يتضمنه ذلك من أدوات سياسية أو عسكرية أو دبلوماسية، خيارًا استراتيجيًا مشروعًا. فإدارة الصراع في ظل اختلال حاد في موازين القوى قد تقتضي أحيانًا قدرًا من المناورة والصبر الاستراتيجي، بعيدًا عن الشعارات الجاهزة التي تختزل النقاش في ثنائية الواقعية أو الاستسلام. فالتاريخ السياسي يعلّمنا أن موازين القوى ليست ثابتة؛ إنها تتغير مع الزمن ومع التحولات الإقليمية والدولية. وحتى يحين ذلك التحول، قد يكون الرهان الأجدى هو إدارة اللحظة بذكاء، إلى أن تنشأ ظروف جديدة تعيد تشكيل التوازنات، وعندها فقط يصبح لكل مرحلة حديثها وأدواتها.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى