مروان إميل طوباسي: من “مجلس السلام” إلى إدارة الانقسام وتدوير الأحتلال، الهيمنة الأمريكية وأزمة الموقف الفلسطيني
مروان إميل طوباسي 20-1-2026: من “مجلس السلام” إلى إدارة الانقسام وتدوير الأحتلال، الهيمنة الأمريكية وأزمة الموقف الفلسطيني
يشكل طرح مسودة ميثاق ما سُمي “مجلس السلام”، الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس ، تطورا نوعيا في طبيعة التدخل الأمريكي في مناطق النزاع ، ويتجاوز كونه مبادرة سلام أو إطارا إداريا جديدا لإدارة الأزمات . فقراءة لبنية هذا الميثاق ، وآليات اتخاذ القرار فيه ، تكشف أنه محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي ، واستبدال منظومة الأمم المتحدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ، بهيئة بديلة خاضعة بالكامل للإرادة الأمريكية ، بما يعكس منطق الهيمنة الأحادية في مرحلة تشهد اليوم اهتزازاً عميقا في بنية النظام العالمي ومتغيرات متسارعة .
الميثاق المعلن لهذا المجلس يمنح ترامب موقعا مركزيا شبه مطلق ، سواء في دعوة الدول للعضوية ، أو في تحديد مدتها ، أو في التحكم بالتمويل المطلوب منها ، أو في حق النقض الفعلي على قرارات المجلس . فعضوية “مجلس السلام” هذا ليست نتاج توافق دولي أو آليات تمثيلية ، بل دعوة شخصية مشروطة ، تترافق مع متطلبات مالية باهظة ، تجعل من “السلام” سلعة سياسية تُشترى بالمال والنفوذ .
بذلك ، لا يعود المجلس منظمة دولية بالمعنى القانوني ، بل أداة تنفيذية تعكس ميزان القوة الأمريكي ، وتُفرغ مفاهيم الشرعية الدولية والقانون الدولي من مضمونها .
الأخطر في هذا الطرح ليس فقط تهميش الأمم المتحدة ومؤسساتها التي بدأت الولايات المتحدة الانسحاب منها ، بل السعي الواعي لاستبدالها . فالأمم المتحدة ، رغم أزماتها البنيوية وعجزها عن إنصاف شعبنا الفلسطيني ، تبقى الإطار الدولي الذي يستند إلى مبدأ تعددية الأطراف ، ويمثل أحد ميادين الصراع السياسي والقانوني مع الأحتلال . أما “مجلس السلام” الذي يعلن عنه ترامب اليوم ، فيقوم على نفي هذا المبدأ ، ويستبدله بإدارة فوقية للأزمات ، تُقاس فعاليتها بمدى انسجامها مع الرؤية الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي التي أعلنت مؤخراً المعتمدة على مبدأ مونرو والوكلاء ، لا بمدى عدالتها أو احترامها لحقوق الشعوب .
على الصعيد الدولي ، لم يحظى هذا المشروع بقبول واسع . فقد عبرت دول أوروبية مؤثرة والاتحاد الأوروبي عن تحفظات جدية ، محذرة من تقويض دور الأمم المتحدة وإضعاف النظام الدولي القائم على القانون . كما أبدت كل من روسيا والصين تحفظا واضحا على الطابع الأحادي للمجلس ، وأكدت ضرورة احترام الشرعية الدولية وعدم تجاوز المؤسسات الأممية وذلك منذ أن أمتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن المتعلق لغزة ، والذي لم يفهم البعض أسبابه في حينها . أما دول “البريكس” والجنوب العالمي ، ورغم غياب موقف موحد حتى اللحظة ، فإن توجهها العام يميل إلى تعزيز نظام دولي متعدد الأقطاب ، ورفض آليات الهيمنة الأمريكية والتهديدات المستمرة بشأن سيادة الدول واستقلال ووحدة أراضيها ، ما يجعل فرص نجاح هذا المجلس محدودة دوليا ، وإن لم تكن معدومة باعتقادي .
غير أن خطورة ميثاق “مجلس السلام” لا تكمن فقط في بنيته الدولية ، بل في قابليته للترجمة على المستوى المحلي ، وخصوصا في حالتنا الفلسطينية . فالمشاريع الدولية لا تُفرض بالقوة وحدها ، بل تنجح حين تجد فراغاً سياسيا أو انقساما داخليا أو قوى محلية مستعدة ، عن قصد أو بدونه ، للأنتقال من منطق التحرر الوطني إلى منطق إدارة الأزمة في اطار ما يسمى بظروف الأمر الواقع .
في هذا السياق ، تبرز أزمة الموقف الفلسطيني ، سواء على مستوى السلطة أو بعض قوى اليسار المنظم . فالتعاطي الإيجابي أو المتردد مع أفكار من قبيل “لجنة تكنوقراط لإدارة غزة”، أو التعامل مع القطاع كملف إنساني–إداري منفصل عن سياق التحرر الوطني ، يشكل مدخلا موضوعيا لإعادة إنتاج منطق “مجلس السلام” وخطة ترامب ، حتى وإن جرى ذلك تحت عناوين وطنية أو إنسانية ، وفق ما أشرت له بمقالي السابق حول الموضوعوع .
إن مشاركة بعض فصائل “اليسار الفلسطيني” ، مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركة المبادرة الوطنية ، في اجتماعات القاهرة إلى جانب “حركة حماس” و”مجموعة دحلان”، والموافقة على مقاربة إدارة غزة عبر لجنة تكنوقراط سندا لخطة ترامب ، لا يمكن قراءتها كخطوة تكتيكية معزولة . فهي تعكس انتقالا مقلقاً من موقع النقد والمساءلة إلى موقع التكيف مع الانقسام ومع الرؤية الأمريكية لإعادة تدوير الأحتلال ومع فكر ومنهج الإسلام السياسي ، بما يساهم عمليا في فصل غزة عن المشروع الوطني التحرري الجامع ، وتحويلها إلى كيان يُدار لا ساحة تُقاوم هذا المشروع كما كان يدعي أصحاب ذلك الرأي ، رغم حق شعبنا بالمقاومة باشكالها المختلفة كمنهج حياة .
وفي المقابل ، فرغم غياب حركة “فتح” عن اجتماع القاهرة الذي أقر القبول بتفاصيل مجلس السلام والخطة وتشكيل اللجنة الادارية التكنوقراطية ، فان ذلك لا يعفيها من المسؤولية الوطنية ، خاصة في ظل تصريحات بعض المسوؤلين منها المرحبة بفكرة لجنة التكنوقراط التي إعتبر رئيسها المُعين ، ان خطة ترامب هي مرجعية اللجنة وفق إعلانه امس ، ذلك في ظل غياب موقف واضح وصريح ومعلن من اللجنة المركزية “لفتح” أو من مجلسها الثوري الذي انعقد بالفترة الاخيرة دون التطرق لذلك، رغم وجود المواقف الرافضة لتلك الخطة التي تُعلن من بعض مكونات الحركة . هذا الصمت المُلتبس يسهل تمرير مقاربات خطيرة تمس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية ، كما والنظام السياسي المتأزم أصلا بفعل عوامل عدة ، ويضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية واستمرار الأحتلال .
مع ذلك ، من الضروري هنا التمييز بين اليسار كمنهج فكري تحرري نشأ بفلسطين مع تاسيس عصبة التحرر الوطني والفكر الشيوعي منذ الانتداب الأول على فلسطين ، وبين اليسار كفصائل وتنظيمات . فاليسار ، بوصفه فكرا نقديا وطنيا ديمقراطيا، لا يزال حاضرا داخل حركة “فتح” منذ انطلاقتها ، وبين الوطنيين المستقلين في مؤسسات منظمة التحرير منذ تأسيسها ، وبين أوساط واسعة ترفض الأصطفاف خلف “حركة حماس” كجزء من حركة الإخوان المسلمين أو القبول بالإملاءات الأمريكية . هؤلاء وهذه التيارات الوطنية يشكلون رصيدا سياسيا وأخلاقيا يجب استنهاضه من داخل “فتح” والقوى الوطنية الأخرى ومن حولها خاصة من الشباب للدفاع عن وحدة القضية ، وعن مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية ، وعن المساءلة والمشاركة السياسية الديمقراطية وعن العدالة الإجتماعية وإصلاح نظامنا السياسي بقرار وطني مستقل ، وفهم الصراع مع الأحتلال بوصفه صراعا مع مشروع صهيوني استعماري ، لا مجرد أزمة إنسانية او أدارة شوؤن حياة .
أمام هذا المشهد ، تصبح الحاجة إلى مراجعة نقدية جريئة منذ انت تم أتفاق أوسلو ولاحقا السابع من أكتوبر ، من اجل الوصول لموقف فلسطيني واضح وموحد مسألة استراتيجية لا تحتمل التأجيل اليوم . موقف يرفض استبدال الأمم المتحدة بهيئات وصاية جديدة ، ويرفض إدارة الانقسام تحت أي مسمى أو تدوير مفهوم الأحتلال الذي يتوجب مقاومته ، ويعيد الإعتبار لمنطق التحرر الوطني ، والوحدة والشرعية الدولية كما وأسس القانون الدولي ، ولدور منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة وكمرجعية تمثيلية وحيدة تحتاج الى الإصلاح والديمقراطية الانتخابية بشكل عاجل ، لمواجهة مخاطر هذا المشروع الجديد الهادف الى تصفية قضيتنا ووجودنا .
في المحصلة ، “مجلس السلام” وميثاقه المعلن ليس مشروع سلام ، بل أداة لإدارة الصراعات حول العالم وفق منطق الهيمنة الأمريكية ، وفي حالتنا تنفيذ رؤية الشرق الأوسط الجديد بما في ذلك مشروع أسرائيل الكبرى . والرد عليه لا يكون بالانكفاء أو التكيف معه تحت شعارات وتبريرات “الواقعية السياسية” المُفرغة من المضمون التحرري ، بل باستعادة الإرادة السياسية الوطنية وتوحيد الموقف الفلسطيني والدفاع عن جوهر القضية كقضية تحرر وطني ، لا كملف يُدار أو أزمة تُحتوى .



