أقلام وأراء

مروان إميل طوباسي: حروب الهيمنة المتراجعة، حين تلتقي واشنطن وتل أبيب على حافة الهاوية.

مروان إميل طوباسي 7 – 04 – 2026 حروب الهيمنة المتراجعة، حين تلتقي واشنطن وتل أبيب على حافة الهاوية. 

لم تكن هذه الحرب مجرد قرار عسكري عابر ، بل لحظة اختبار حاسمة لقوةٍ اعتادت فرض إرادتها على العالم . غير أن ما بدأ كرهان على حسم سريع ، يتحول اليوم إلى مسار مفتوح من الاستنزاف ، يكشف حدود القوة الأمريكية–الإسرائيلية في مواجهة خصوم يمتلكون القدرة على الصمود وإطالة أمد الصراع واكتشاف اوراق التاثير . هنا ، لا تعود المسألة من سينتصر ، بل من يستطيع تحمّل كلفة حرب بلا نهاية واضحة ، في نظام دولي لم يعد كما كان .

رغم ذلك ، فإن تفاصيل الحرب واستمرار العدوان ، وبالتالي مآلات الصراع والتحركات الاستراتيجية لكل طرف ، لا يمكن تفسيرها ببساطة على أنها نتيجة أخطاء تكتيكية أو توقعات محدودة كما اشار البعض . الواقع أعقد من ذلك ، فتمدد الحرب يعكس تداخلات بنيوية بين الحسابات الاستراتيجية والأيديولوجية بل والمعتقدات التفسيرية المزعومة للديانات ، وسوء تقدير من الطرف المعتدي في حالة العدوان على إيران ولبنان ، ما جعل الحسم السريع مستحيلاً ، خلافا لما اعتُبر في البداية “نزهة”.
التحالف المعادي ، صاحب نظرية الحرب الأستباقية ، دخل المعركة معتقدا أن أدواته كفيلة بالتحكم في مسارها كما اعتقد في حروب له سابقة عبر التاريخ . غير أن الطبيعة المعقدة للنظام الدولي اليوم ، وقدرة الاقتصاد والعقيدة السياسية للخصوم على الصمود والاستنزاف ، حولت الحرب إلى صراع لا يُعرف متى أو كيف سينتهي ، رغم الحديث المتزايد عن مشاريع لوقف إطلاق النار .

في هذا الإطار ، تبرز العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية بوصفها نموذجا مكثفا لهذا الأختلال ، حيث يتقاطع النفوذ مع الأيديولوجيا ، وتختلط المصلحة بالاندفاع . فالانخراط الأمريكي في تصعيد العدوان ضد إيران لا يمكن قراءته باعتباره نتيجة ضغط إسرائيلي فحسب ، رغم أهمية هذا العامل ، بل يعكس بنية أيديولوجية راسخة داخل مراكز القرار في واشنطن ، تتجلى في عودة صعود تيارات المحافظين الجدد ، وما تحمله من نزعة تدخلية قائمة على تفسيرات دينية مزعومة وفرض الهيمنة بالقوة .
بحيث تتقاطع هذه الرؤية مع نزعة قومية–رأسمالية متطرفة ترتقي الى مكانة الفاشية ، تميل إلى توظيف الصراع الخارجي كأداة لإعادة ترتيب الداخل الأمريكي الاقتصادي والاجتماعي وتعويض مظاهر التراجع في المكانة الدولية .

وفي هذا السياق ، لا يظهر الدور الإسرائيلي كعامل منفصل ، بل كجزء من منظومة متكاملة ، حيث يلتقي تأثيره مع مصالح وأفكار داخلية أمريكية تدفع نحو التصعيد لإعتبارات مختلفة . فشبكات النفوذ المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن لا تخلق القرار من فراغ ، لكنها تساهم في توجيهه أو في منع مراجعته ، حتى عندما تتضح مخاطره ، وهكذا تتشكل سياسة خارجية تدفع نحو المواجهة ، مدفوعة بمزيج من الحسابات الأيديولوجية، والتفسيرات الإنجيلية الصهيونية والتوراتية ، والضغوط السياسية، والمبررات الاقتصادية ، في لحظة دولية تتسم أصلاً بعدم الاستقرار .

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا المسار لا يخدم بالضرورة حتى إسرائيل نفسها ، فالدولة التي تخوض مواجهات مفتوحة على أكثر من جبهة في فلسطين ولبنان والتصعيد العسكري مع إيران ، تجد نفسها أمام استنزاف متزايد عسكريا واقتصاديا وبشريا ، في ظل بيئة إقليمية معادية على المستوى الشعبي رغم تواجد قواعد عسكرية أمريكية فيها ، واتساع فجوة التوازن مع محيطها وحتى على المستوى الدولي ، وعجزها عن توريط المنطقة في صراع أوسع مع إيران كعدو بديل عنها .

إن محاولة فرض الهيمنة بالقوة في إقليم واسع ومكتظ ليست سوى وصفة لحروب طويلة الأمد ، يصعب حسمها ، وتتزايد كلفتها مع الزمن لتتحول إلى نمط مستمر من حروب الاستنزاف . ويظهر ذلك بوضوح في عدوان الإبادة على غزة والاستيطاني التهويدي بالضفة والقدس ، حيث لم يقتصر الدعم الأمريكي على الغطاء السياسي بل شمل مختلف أشكال الإسناد ، رغم الكلفة الإنسانية الهائلة وما أثارته من انتقادات دولية متصاعدة وصلت إلى حدود العزلة .
هذا الانحياز لم يُضعف فقط صورة الولايات المتحدة ، بل ساهم في تعميق الأزمة ، ودفع المنطقة نحو مزيد من التوتر ، بدل احتواء الصراع أو فتح أفق سياسي لحله من خلال حل جذر المشكلة .

وفي هذا السياق ، يأتي الرد الإيراني الأخير على مقترح الهدنة ليؤكد موقفها ، إذ لم تكتفي طهران برفض وقف إطلاق النار المؤقت ، بل أعادت تعريف شروط إنهاء الحرب برمتها . فطرحها الذي يتضمن بنوداً تتعلق بإنهاء النزاعات والحروب في المنطقة ، ووضع بروتوكول مرور آمن في مضيق هرمز ، إلى جانب اشتراط رفع العقوبات وإعادة الإعمار ، يعكس انتقالاً من منطق “التهدئة المؤقتة” إلى فرض مقاربة شاملة تعالج جذور الصراع . بهذا المعنى ، لا تستخدم إيران أوراقها كأدوات ضغط تكتيكية فحسب ، بل كعناصر في معادلة سيادية طويلة الأمد ، تربط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي وحقها في تقرير سياساتها وسيادتها على أراضيها ومقدراتها .

وهو ما يضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام خيارين ، إما القبول بتسوية بشروط جديدة أكثر توازناً ، أو الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة تتزايد كلفتها مع الوقت دون أفق حاسم .
في المقابل ، تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المبادرة كوسيلة لتخفيف الخسائر والضغوط الدولية المتزايدة عليهما ، خاصة في ظل تأثيرات أزمة الطاقة والدولار ، لكنها تتعامل بحذر مع شروط إيران ، خشية أن يؤدي قبولها إلى توسيع هامش نفوذها الاستراتيجي وتعقيد مشروع الهيمنة الذي تدافع عنه الولايات المتحدة بكل وحشية .
هذا التباين يؤكد أن أي تهدئة لا تعالج جذور الصراع ، ولا تضع نهاية واضحة للحرب ، ستبقى مجرد إعادة ترتيب مؤقتة لموازين القوى ، واختبارا للثقة والضمانات ، وليس مدخلا لحل حقيقي .

في ظل هذه المتحركات ، تبرز أسئلة جوهرية ، فهل بدأت واشنطن تدرك أنها دخلت نفقا مظلما لا مخرج منه ؟ وهل يستطيع الاقتصاد الأمريكي المريض تحمل نزيف مليار دولار يوميا في حرب لم تنته بعد ؟ وإلى أين تقود هذه السياسات المنطقة والعالم في ظل توحش قوى تتراجع هيمنتها اليوم ؟

لم يكن من المفترض لهذه الحرب أن تطول ، فقد دخلتها أطراف العدوان بثقة في قدرتهم على الحسم السريع ، لكن ما بدا مواجهة محدودة تحول إلى حرب مفتوحة استنزفت الجميع .

إن استمرار هذه الحرب لا يعكس تفوقا حاسما لأي طرف ، بقدر ما يكشف حدود القوة ذاتها عندما تُستخدم بمعزل عن فهم عميق لطبيعة الخصوم وقدرتهم على الصمود ومعنى عدم تحقيق العدو لانتصارات بما يعبر عن شكل الهزيمة له . فرهانات الحسم السريع سقطت ، ومعها سقطت أوهام الهيمنة والسيطرة المطلقة ، بينما تتكشف معالم مرحلة دولية جديدة ، تتراجع فيها الهيمنة الأحادية لصالح واقع أكثر تعقيدا وتعددا من وجهة نظري .
وفي هذا السياق ، لم تعد هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية ، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لطبيعة النظام الدولي نفسه . وما تكشفه بوضوح هو أن زمن الحسم السريع قد انتهى ، وأن إرادة الشعوب وقدرة الدول على الصمود باتت عاملا حاسما في إعادة تشكيل موازين القوى .
وعليه ، فإن استمرار هذا المسار لن يقود إلى انتصار حاسم ، بل إلى مزيد من التفكك الإقليمي والاضطراب الدولي ، ما يفرض على الإدارة الامريكية ولو متأخراً بفعل المعارضة الأمريكية المجتمعية وشبه الحزبية والشعبية للحرب ولإدارة ترامب ، الضغط اكثر من اجل إعادة التفكير في منطق القوة ذاته ، والضغط عليها باتجاه البحث عن مقاربات سياسية تعترف بالحقوق والسيادة وحق تقرير المصير بمساعدة المواقف الأوروبية المعلنة من عنجهية وفاشية الثنائي ترامب ونتنياهو وغطرسة إدارتهم ، الى جانب المواقف الروسية والصينية المعلنة ، بدل الأستمرار في إدارة العالم بمنطق الحروب المفتوحة التي لم تعد تنتج سوى أزمات أعمق تهدد السلم والأمن الدوليين .

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى