محمد قاروط أبو رحمه: ياسر عرفات: فن اصطياد اللامتوقع، والرقص مع العواصف
محمد قاروط أبو رحمه 5-4-2026: ياسر عرفات: فن اصطياد اللامتوقع، والرقص مع العواصف
اما قبل:
شاركت مع الأخ احمد صبح والأب عبد الله عياد محاضرين في ورشة عمل للحملة الاكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والفصل العنصري الإسرائيلي يوم 3/4/2026.
بعد ان قدمنا الأخ د. رمزي عودة مشكورا، قدم المتحدث الأول: الأخ احمد صبح.
قدم الأخ احمد صبح عرضا عن الشهيد ياسر عارفات، ومتحف ياسر عرفات مما اثار لدي ذكريات مع الشهيد ياسر عرفات في احداث مهمة وخطيرة ومفصلية. واثناء تقديم الأخ احمد صبح عرضه كتبت ملاحظات من الذاكرة، ثم صغتها في هذا المقال.
ملخص: عبقرية المناورة في “المنطقة الرمادية”
يرصد هذا المقال كيف كان يحوّل ياسر عرفات “الفوضى” من تهديد إلى فرصة استراتيجية. من خلال ممارسة الغموض البنّاء وإدارة المتناقضات، استطاع “أبو عمار” أن يظل الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط، محولاً لحظات الانكسار واللايقين إلى منصات لإعادة إحياء القضية الفلسطينية وفرضها على المسرح الدولي.
المقدمة
في عالم السياسة التقليدي، يهرب القادة من الفوضى ويبحثون عن الاستقرار والوضوح. لكن بالنسبة لياسر عرفات، كان الأمر مختلفاً تماماً؛ فقد كان الرجل الذي “يرقص مع العواصف” دون أن يسقط. في بيئة محكومة باللايقين والتحولات الحادة، لم يكن عرفات مجرد مراقب، بل كان صياداً ماهراً للامتوقع، يمتلك قدرة فريدة على استخراج “الممكن” من قلب “المستحيل”.
ياسر عرفات: فن اصطياد اللامتوقع
1- الغموض كدرع استراتيجي
اعتمد عرفات استراتيجية “الغموض البنّاء”. لم يكن أحد يعرف تماماً خطوته التالية، ليس فقط أعداؤه، بل حتى أقرب مساعديه أحياناً. هذا الغموض لم يكن نابعاً من التردد، بل كان وسيلة للحفاظ على المبادأة. في لحظات الفوضى، كان يترك الأبواب مواربة لجميع الخيارات: “بندقية الثائر” في يد، و”غصن الزيتون” في الأخرى. هذا التناقض جعل من الصعب حصاره في زاوية سياسية واحدة.
2- اقتناص “اللحظة الهاربة”
تميز عرفات بحاسة سادسة تجاه الفرص التي تولد من رحم الأزمات. عندما كانت المنطقة تغرق في فوضى الحروب (مثل أحداث لبنان أو حرب الخليج)، كان يبحث عن “الثغرة” التي يعيد من خلالها وضع القضية الفلسطينية على الخارطة. لقد امتلك موهبة تحويل الانكسارات العسكرية إلى مكاسب سياسية عبر “تسييس المعاناة” ووضع العالم أمام مسؤولياته.
3- إدارة التوازنات في قلب الفوضى
عاش عرفات في بيئة مليئة بالاستقطابات الدولية. وبدلاً من الانحياز المطلق، مارس السير على الحبال المشدودة. في قمة الفوضى، كان يوزع الأدوار؛ يغازل الشرق ويحاور الغرب، يدعم الحركات الثورية ويصافح الملوك. هذه القدرة على “الجمع بين الأضداد” جعلت منه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه، لأنه كان يمتلك مفاتيح “اللامتوقع” في جيبه.
4- الكاريزما في زمن اللايقين
أدرك عرفات أن الرمزية هي السلاح الأقوى لمواجهة الشك. بزيه العسكري وكوفيته التي رسمت خريطة فلسطين، منح شعبه شعوراً بالاستمرارية رغم كل المتغيرات. كان “الرمز” الذي لا يسقط بسقوط العواصم، مما جعله قادراً على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى وقود للاستمرار.
الخاتمة
ياسر عرفات لم يخشَ الفوضى يوماً، بل رآها حالة سيولة تتيح له إعادة تشكيل الواقع. لقد كان “صياداً” يعرف أن الأسماك الكبيرة لا تُصطاد إلا في المياه العكرة. بالنسبة له، كان اللايقين هو المساحة الوحيدة التي تمنح الضعيف فرصة لمباغتة القوي، وتسمح للحلم بأن يجد ثغرة في جدار الواقع الصلب.


