محمد قاروط أبو رحمه: ونحن في حركة فتح في خمسة محاور: فلسفة الميدان والقرار الوطني المستقل
مركز الناطور للدراسات والابحاث 10-1-2026، محمد قاروط أبو رحمه: : ونحن في حركة فتح في خمسة محاور: فلسفة الميدان والقرار الوطني المستقل
تستعرض هذه المحاور الخمسة العقلية الكفاحية لحركة “فتح”، منطلقة من نقد ذاتي شجاع وواقعية سياسية تدرك أن الفعل النضالي ليس تنظيراً أكاديمياً، بل هو اشتباك مستمر مع الواقع. ويمكن تلخيص جوهر هذه الرحلة الفكرية في النقاط التالية:
الخطأ كشهادة ميلاد للفعل: تؤصل المحاور الخمسة لمبدأ أن “فتح” هي الأكثر ارتكاباً للأخطاء لأنها الأكثر حضوراً ومبادرة في الميدان. فالخطأ هنا ليس عجزاً، بل هو ضريبة “العقلية الاستكشافية” التي تقتحم المجهول وتصنع الطريق حيث لا توجد خرائط، مفضلةً “أخطاء الفاعلين” على “خطايا القاعدين”.
القصد والقصدية (البوصلة): توضح هذه المحاور أن حركة “فتح” لا تتحرك بعشوائية، بل يحركها “قصد واعٍ” يتمحور حول فلسطين والقرار الوطني المستقل. هذه القصدية هي التي تحول العثرات إلى دروس، وهي التي تمنح المناضل الفتحاوي القدرة على رؤية الفرص في قلب التحديات.
طريق الصفوة والوعورة: تؤكد هذه المحاور على أن خيار “فتح” كان دائماً “الطريق الصعب”؛ ذلك المسار الذي يخلو من الحشود ومن أصحاب الشعارات السهلة. في هذا الطريق، يصبح “الصعود في الجبل”؛ رغم مشقته؛ أسهل وأشرف من “الانبطاح في الوادي”، لأن القمة تمنح الرؤية والسيادة، بينما القاع لا يورث إلا التبعية والضياع.
السيادة المعرفية والقرار المستقل: تصل هذه المحاور إلى ذروتها بالتأكيد على أن تراكم التجارب والأخطاء المصححة قد منح “فتح” حصانة سياسية؛ مما جعلها حركة “متحكمة في رؤيتها، لا محكومة برؤية الآخرين”. إن استقلال القرار الفتحاوي ليس مجرد شعار، بل هو نتاج لرفض الوصاية والتمسك بـ “الذكاء التجريبي” النابع من معاناة الشعب الفلسطيني.
الاستمرارية كهدف: في النهاية، تخلُص هذه المحاور إلى أن “العمل واستمرار العمل” هو الرد الوحيد على البيئات السلبية. فالحركة التي لا تخشى الخطأ، وتصر على الصعود، وتتمسك بقصدها الوطني، هي الحركة التي لا يمكن كسرها، وهي الأجدر بقيادة المشروع الوطني نحو الحرية والسيادة.
هذا الاصدار هو دعوة لفهم “فتح” ليس كحزب سياسي فحسب، بل كحالة استكشافية وطنية دائمة، تؤمن بأن الطريق إلى فلسطين يُصنع بالمحاولة، ويُصان بالإرادة، ويُتوج بالاستقلال.
المحور الأول: لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء
ونحن في حركة فتح.. لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء
في أدبيات الثورة، لا تكمن العظمة في ادعاء العصمة أو امتلاك الحقيقة المطلقة، بل في القدرة على مواجهة الواقع بشجاعة والاعتراف بالمسار بكل ما فيه من عثرات. ونحن في حركة فتح، حين نرفع هذا الشعار: “لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء”، فنحن لا ننتقص من تاريخنا، بل نضع يدنا على جوهر ديمومتنا؛ فنحن الحركة التي لم تكتفِ بالتنظير، بل آمنت بأن الطريق إلى فلسطين لا يُعبد إلا بالمحاولة والخطأ.
ضريبة المبادرة وريادة الميدان
إن السكون لا ينتج أخطاءً، والحركات التي تكتفي بمراقبة المشهد من بعيد تظل سجلاتها بيضاء، لكنها تظل أيضاً خارج سياق التاريخ. نحن في “فتح” الأكثر ارتكاباً للأخطاء لأننا الأكثر مبادرة؛ نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى، ونحن من قدنا السفينة وسط أمواج إقليمية ودولية عاتية. أخطاؤنا هي “أخطاء الفاعلين” الذين تلطخت أيديهم بتراب الأرض وبارود المعارك، وليست “خطايا المنتظرين” على أرصفة الشعارات.
مدرسة التجربة لا مدرسة الذكاء النظري
لطالما كان هناك من هو “أذكى” منا في صياغة الأيديولوجيات وتدبيج الخطابات، لكن “فتح” كانت الأذكى في فهم روح الشعب الفلسطيني. لقد تعلمنا من أخطائنا في المحطات الكبرى؛ من الكرامة إلى بيروت، ومن الانتفاضة إلى بناء مؤسسات الدولة؛ أن الذكاء الحقيقي هو “الذكاء التجريبي”. نحن حركة لا تنمو في المختبرات، بل تنمو في الزنازين، وفي المخيمات، وفي خطوط المواجهة. كل خطأ ارتكبناه كان درساً قاسياً دفعنا ثمنه من دمنا وكوادرنا، وهو ما منحنا الحكمة التي لا تُدرس في الجامعات.
الصمود في بيئة الاستنزاف
في عام 2026، وبينما تتكالب الظروف وتزداد السلبية في المحيط السياسي، تبرز “فتح” كحركة “غير قابلة للكسر”. إن تدريبنا على التفاؤل وسط السلبية ينبع من إيماننا بأن المحاولة بحد ذاتها انتصار. قد لا نملك دائماً الحلول الأذكى تقنياً، لكننا نملك الإصرار الأكبر. أخطاؤنا لم تقدنا إلى اليأس، بل قادتنا إلى “المرونة”؛ القدرة على الانحناء أمام العاصفة دون الانكسار، والنهوض مرة أخرى ببوصلة لا تحيد عن القدس.
كبرياء المراجعة وقوة الاعتراف
أن نقول “نحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء” هو فعل قوة وليس فعل ضعف. إنه إعلان للجيل الجديد بأن هذه الحركة حية، تقبل النقد، وتتعلم من ماضيها. نحن لا نهرب من مسؤولية عثراتنا في الإدارة أو السياسة، بل نعتبرها الوقود لعملية الإصلاح والتجديد. إن الحركة التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، هي الوحيدة التي تمتلك القدرة على تصحيحه والمضي قدماً.
الفوز لمن يستمر في المحاولة
في نهاية السباق التاريخي، لا يسأل الناس مَن كان الأبرع في التحليل، بل مَن الذي بقي صامداً على الأرض. نحن في “فتح” نؤمن بأن كثرة محاولاتنا؛ رغم ما شابها من أخطاء؛ هي التي حافظت على القرار الوطني الفلسطيني المستقل وحمت الهوية الفلسطينية من الذوبان.
نحن لسنا الأذكى، لكننا الأكثر صموداً، والأكثر إيماناً، والأكثر إصراراً على تكرار المحاولة ألف مرة حتى نصل إلى حلمنا. سنظل نخطئ ونصيب، لأننا اخترنا أن نكون في قلب الفعل، لا في مقاعد المتفرجين.
المحور الثاني: العقلية الاستكشافية لماذا نخطئ؟
في مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة، لم تكن حركة “فتح” يوماً حزباً أيديولوجياً جامداً يكتفي بوعظ الناس من بطون الكتب، بل كانت ولا تزال حالة وطنية قائمة على “العقلية الاستكشافية”. حين نقول اليوم بوعي وشجاعة: “لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء”، فنحن نعرّف هويتنا الحركية كحركة دائمة البحث والتجربة، حركة ترفض منطقة الراحة، وتختار الميدان مختبراً لأفعالها.
العقلية الاستكشافية: لماذا نخطئ؟
تعرّف العقلية الاستكشافية بأنها التوجه الذهني المتسم بالفضول، والملاحظة، والبحث الدائم، والاستعداد العالي لتحمل المخاطر. نحن في “فتح” الأكثر ارتكاباً للأخطاء لأننا نمتلك هذه العقلية؛ نحن الذين لم ننتظر “إجابات جاهزة” من الخارج، بل انطلقنا لنطرح الأسئلة الصعبة بدمائنا وفعلنا.
أخطاؤنا ليست عجزاً، بل هي نتاج طبيعي لعملية “الاستكشاف الوطني” في أصعب ظروف معقدة عرفها التاريخ الحديث. لقد خرجنا من منطقة الراحة منذ الطلقة الأولى، وواجهنا التحديات كفرص للتعلم والنمو، وما نزال نؤمن بأن استمرار العمل من أجل فلسطين يتطلب عقلاً لا يتوقف عن التساؤل ولا يخشى التجربة.
القصد والقصدية: المحرك الواعي خلف الأخطاء
إن العلاقة بين عقليتنا الاستكشافية وبين “القصد والقصدية” هي علاقة جوهرية وتكاملية، وهي ما يميز خطأ “المناضل” عن خطأ “العابث”:
القصدية كدافع (لماذا نتحرك؟):
القصدية في “فتح” هي البوصلة التي توجه حالاتنا الذهنية وأفعالنا نحو هدف واحد ووحيد: فلسطين. عقلية الاستكشاف لدينا ليست سلوكاً عشوائياً، بل هي مدفوعة بـ “قصد واعٍ”. نحن لا نرتكب الأخطاء عبثاً، بل نرتكبها ونحن نبحث عن طريق النصر، ونحن نحاول فك شيفرات الصمود، ونحن نتحقق من أدوات الاشتباك. هذا القصد هو الذي يجعلنا نرى فرصاً للتعلم والنضال في المكان الذي يرى فيه الآخرون مجرد عقبات ومآزق.
السلوك الاستكشافي كتعيير عن القصد (كيف نعمل؟):
عندما يكون لدى الكادر الفتحاوي “قصد” للتحرر، فإنه ينخرط فوراً في “سلوك استكشافي”. هذا السلوك يتجلى في البحث عن وسائل كفاحية جديدة، في الكتابة، في طرح الأسئلة النقدية، وفي الاشتباك الميداني. الأخطاء هنا هي التعبير العملي عن قوة القصد؛ فمن لديه هدف عظيم كفلسطين، لا يبالي بعثرات الطريق بقدر ما يبالي بالوصول إلى الغاية.
التمحور حول الهدف: وحدة العقل والارادة
إن العقلية الاستكشافية وخصيصة القصدية تتمحوران في “فتح” حول التوجه نحو “الآخر الوطني” ونحو “الأرض”. القصدية هي التي تمنح أخطاءنا معناها وهدفها، وتزيد من دافعيتنا وانتباهنا لتحقيق المشروع الوطني. نحن نعلم أن الطريق طويل، وأننا لسنا الأذكى في عالم المصالح الدولية المعقدة، لكننا الأكثر “قصدية” وإصراراً.
العمل واستمرار العمل
أن نكون الأكثر ارتكاباً للأخطاء هو برهان على أننا الحركة الأكثر عملاً والأكثر “قصدية” في تاريخ الشعب الفلسطيني. العقلية الاستكشافية الفتحاوية لا تتوقف عند الخطأ، بل تحوله إلى معلومة، وتحول المعلومة إلى خبرة، وتحول الخبرة إلى انتصار.
سنظل في “فتح” نستكشف طرقنا نحو الحرية، نخطئ ونصيب، لكننا أبداً لن نتوقف عن القصد والعمل.. فمن أجل فلسطين، لا توجد أخطاء قاتلة، بل توجد دروس تبني جسور النصر.
المحور الثالث: الطريق الصعب لا يكون مزدحماً
لطالما آمنت حركة “فتح” أن القيادة ليست وجاهة، بل هي تقدم الصفوف في الوعورة. وإذا كنا قد اعترفنا بوعي وشجاعة بأننا “لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء”، فهذا لأننا اخترنا منذ البداية أن نسلك “الطريق الصعب”؛ ذلك الطريق الذي لا ترتاده الحشود، ولا يجرؤ على سلوكه إلا من امتلك “عقلية استكشافية” وقصداً وطنياً لا يتزعزع.
لماذا يخلو “الطريق الصعب” من الحشود؟
في السياسة والنضال، يزدحم “الطريق السهل” بالمصفقين، والمنظرين، وأصحاب الشعارات الرنانة التي لا تكلف أصحابها ثمن المواجهة. أما الطريق الصعب؛ طريق القرار الوطني المستقل، وطريق موازنة الثوابت بالمتغيرات، وطريق العمل الميداني الدؤوب من أجل فلسطين؛ فهو طريق موحش وقليل السالكين. نحن في “فتح” وجدنا أنفسنا في هذا الطريق ليس لأننا الأذكى، بل لأننا الأكثر “قصدية”. لقد دفعنا ثمن هذا الاختيار أخطاءً وتضحيات، لأن من يمشون في الطرق الوعرة هم وحدهم من يتعثرون بالصخور.
الاستكشاف في غياب الخرائط
التميز في “فتح” نابع من أننا لا ننتظر خرائط جاهزة من أحد. العقلية الاستكشافية التي نمتلكها تجعلنا نتقدم في “العتمة السياسية” بروح الفضول النضالي. بينما ينتظر الآخرون وضوح الرؤية لكي يبادروا، نبادر نحن لنصنع الرؤية. الأخطاء التي ارتكبناها في هذا الطريق هي “أخطاء الاستكشاف”؛ هي ضريبة اكتشاف المسارات التي لم يطرقها غيرنا. في الطريق الصعب، الخطأ ليس علامة ضعف، بل هو علامة تقدم.
القصدية كبوصلة في العواصف
ما الذي يجعلنا نستمر في الطريق الصعب رغم قلة الزحام وكثرة الأخطاء؟ إنها “القصدية”. القصد الواعي نحو فلسطين هو الذي يمنح حركتنا معناها. القصدية هنا تعمل كـ “فلتر”؛ فهي تستبعد من صفوفنا أصحاب المصالح الضيقة الذين يبحثون عن الطرق السهلة المزدحمة، وتبقي فقط على أولئك الذين لديهم “قصد” تعلمي ونضالي عميق. عندما يكون هدفك هو “التحرر”، يصبح الصعود في الجبل أسهل من الانبطاح في الوادي.
التحدي كفرصة للنمو لا كعقبة
في “فتح”، نحن ننظر إلى خلو الطريق الصعب من المنافسين كفرصة، لا كعبء. هذا الخلو يمنحنا حرية الحركة والقدرة على التفكير النقدي والإبداعي لحل المشكلات المعقدة. إن استمرار العمل من أجل فلسطين في ظل بيئة دولية وإقليمية سلبية يتطلب كادراً لا يهاب الوحدة في الموقف، ولا يخشى ارتكاب خطأ ناتج عن اجتهاد، لأن “قصد الاستكشاف” لديه يرى في كل تحدٍ فرصة للنمو والارتقاء بالمشروع الوطني.
دروس من الطريق الوعر
تعلمنا في “فتح” أن الذكاء الحقيقي ليس في تجنب الطريق الصعب، بل في امتلاك “الإرادة” لسلوكه.
الطريق الصعب علمنا التواضع (لذا اعترفنا بأخطائنا).
الطريق الصعب علمنا المرونة (لذا استمرينا في العمل).
الطريق الصعب علمنا أن الفوز الحقيقي هو للبقاء للأطول نفساً، لا للأكثر صراخاً.
سيظل الطريق الصعب هو خيار “فتح” الدائم، لأنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى السيادة والحرية. نحن لا نبحث عن الازدحام، بل نبحث عن “الأثر”. قد نخطئ في خطواتنا، وقد نتعثر في مسيرنا، لكننا نفخر بأننا سلكنا الطريق الذي خاف منه الآخرون.
نحن في “فتح” مستمرون.. بعقلية تستكشف، وقصدٍ لا يلين، وعملٍ لا ينقطع من أجل فلسطين، مؤمنين بأن نهاية الطريق الصعب هي دائماً قمة المجد.
المحور الرابع: الصعود في الجبل أسهل من الانبطاح في الوادي
في سياق مسيرتنا الحركية التي بدأناها بالاعتراف بـ “عقلية الاستكشاف”، والإقرار بأننا “الأكثر ارتكاباً للأخطاء” لأننا الأكثر عملاً، نصل إلى جوهر العقيدة الفتحاوية التي تفسر صمودنا الأسطوري:
لماذا اخترنا الصعود بينما اختار غيرنا الراحة؟
الصعود في الجبل أسهل من الانبطاح في الوادي
قد يبدو هذا العنوان صادماً للوهلة الأولى؛ فكيف يكون تسلق المنحدرات الوعرة أسهل من الاستلقاء في الأودية الساكنة؟ لكن في منطق “حركة فتح”، وفي لغة الثوار الذين يمتلكون “قصدية” واضحة نحو فلسطين، فإن مشقة الصعود هي “عافية”، بينما راحة الانبطاح هي “موت سريري” للمشروع الوطني.
وهم السهولة في “الانبطاح”
الانبطاح في الوادي يعني الاستسلام للواقع، والقبول بالأمر الواقع، والهروب من مسؤولية اتخاذ القرار. بالنسبة للأذكياء “نظرياً”، قد يبدو هذا الخيار منطقياً لتجنب الأخطاء. لكنه في الحقيقة هو الطريق الأكثر كلفة؛ فالمنبطح في الوادي تتقاذفه السيول، وتطمر هويته الرمال، ويفقد القدرة على الرؤية. نحن في “فتح” رأينا منذ البداية أن “الانبطاح” هو الخطأ الوحيد الذي لا يمكن تصحيحه، أما أخطاء الصعود فهي “أخطاء نمو” قابلة للمعالجة.
“القصدية” كقوة دفع نحو القمة
ما الذي يجعل الصعود أسهل؟ إنه القصد. عندما تمتلك الحركة “قصداً واعياً” وهدفاً محدداً (التحرير والسيادة)، فإن كل جهد يبذله الكادر في الصعود يتحول إلى طاقة إيجابية. القصدية تمنحنا “معنى” للتعب؛ فالمناضل الفتحاوي يرى في كل خطوة نحو القمة؛ مهما كانت مجهدة؛ تقارباً مع الحلم. في المقابل، فإن الانبطاح يفتقر إلى القصد، مما يجعل صاحبه يشعر بثقل الوجود حتى وهو في حالة راحة.
العقلية الاستكشافية فوق القمم
الانبطاح لا يتطلب عقلاً، بل يتطلب خضوعاً. أما الصعود في الجبل، فيتطلب “عقلية استكشافية” حية؛ تتطلب منك الملاحظة، وطرح الأسئلة: “أين نضع أقدامنا؟”، “كيف نتجاوز هذا المنحدر؟”. نحن في “فتح” ارتكبنا أخطاءً كثيرة أثناء الصعود، تعثرنا وانزلقت أقدامنا، لكننا في كل مرة كنا نكتسب “معلومات ميدانية” جديدة تزيد من خبرتنا الجبلية. الصعود يعلمنا “التفكير النقدي” في الميدان، بينما الوادي لا يعلمك سوى الانتظار.
الفرق في الرؤية (المنظور الاستراتيجي)
في الوادي (الانبطاح)، تكون الرؤية محدودة بجدران الحفرة، وهنا تكثر السلبية والإحباط. أما في الجبل (الصعود)، فكلما ارتفعت شبراً، اتسعت رؤيتك. الصعود يمنح “فتح” القدرة على رؤية المشهد الإقليمي والدولي بوضوح، مما يعزز قدرتنا على اتخاذ قرارات مصيرية لا يراها من هم في القاع. لهذا نؤمن أن الصعود “أسهل” سياسياً، لأنه يضعك في موقع المتحكم في رؤيته، لا المحكوم برؤية الآخرين.
العمل واستمرار العمل: الجبل لا يقبل التوقف
الجمود في الجبل يعني السقوط، لذا فإن عقلية “فتح” هي عقلية العمل المستمر. الصعود يفرض عليك حركة دائمة، وهذه الحركة هي التي تحمي الحركة من الترهل. نحن لسنا الأذكى، لكننا الأكثر حركة في الميدان. لقد وجدنا أن الجهد المبذول في مقاومة الانزلاق أثناء الصعود أقل بكثير من الجهد المبذول في محاولة استعادة الكرامة بعد الانبطاح.
إن خيار “فتح” كان وسيبقى هو الجبل. قد نخطئ في اختيار المسار أحياناً، وقد نجهد من وعورة المنحدر، لكننا نعلم يقيناً أن هواء القمم، رغم برودته، هو الأوكسجين الوحيد الذي تتنفس منه الهوية الفلسطينية.
ونحن في عام 2026، نؤكد: سنظل نصعد، ونرتكب أخطاء الصعود بشجاعة، لأننا ندرك أن عناء القمة كرامة، وراحة الوادي ضياع. في “فتح”، الصعود هو قدرنا، والقصدية هي بوصلتنا، وفلسطين هي القمة التي لن نتوقف حتى نغرس رايتنا فوقها.
المحور الخامس: المتحكّمون في رؤيتنا، لا المحكومون برؤية الآخرين
في ختام هذه السلسلة الفكرية التي أرّخت لعلاقة حركة “فتح” بالميدان والخطأ والقصد، يأتي الجزء الخامس ليتوج هذه المفاهيم في أسمى تجلياتها السياسية: القرار الوطني المستقل.
إن القدرة على الخطأ والتعلم منه هي التي منحتنا “الحصانة” لنكون سادة رؤيتنا، لا صدىً لرؤى الآخرين.
ونحن في حركة “فتح” المتحكّمون في رؤيتنا، لا المحكومون برؤية الآخرين
لطالما كان التحدي الأكبر لأي حركة تحرر وطني هو الحفاظ على “عينها” التي ترى بها العالم. ونحن في حركة فتح، حين نعترف بوعي أننا “لسنا الأذكى، ونحن الأكثر ارتكاباً للأخطاء”، فإننا نعلن ضمناً أن هذه الأخطاء كانت الثمن الباهظ الذي دفعناه لنمتلك “حق الرؤية”. إن “فتح” اليوم هي الحركة التي تقبض على جمر قرارها، لأنها اختارت أن تكتشف طريقها بيديها، لا أن تُقاد بخرائط جاهزة من عواصم الآخرين.
الاستقلالية نتاج “العقلية الاستكشافية”
عندما تمتلك الحركة عقلية استكشافية، فإنها ترفض التبعية الفكرية. الآخرون قد يقدمون لنا “رؤىً” تبدو ذكية ومثالية، لكنها غالباً ما تخدم أجنداتهم لا قدسنا. نحن في “فتح” فضلنا أن نرتكب أخطاءنا “الخاصة” على أن نصيب بـ “ذكاء” غيرنا. هذا الإصرار على التجربة والخطأ هو الذي جعل رؤيتنا فلسطينية خالصة، نابعة من تراب المخيم وأزقة القدس، وليست مستوردة من وراء الحدود.
القصدية: فلتر الحماية من الرؤى الدخيلة
تأتي “القصدية” هنا كحائط صد استراتيجي. القصد الفتحاوي المتمحور حول “فلسطين أولاً” هو الذي يجعلنا نتحكم في رؤيتنا. عندما يكون “قصدنا” هو التحرر واستمرار العمل، فإننا نرفض تلقائياً أي رؤية تحاول تحويلنا إلى “أداة” في صراعات إقليمية أو دولية. نحن محكومون بهدفنا، وهذا ما يجعلنا أحراراً في رؤيتنا. من يمتلك قصداً واضحاً، لا يمكن أن يُحكم برؤية الآخرين، لأنه يمتلك معياراً داخلياً للحق والباطل.
الصعود في الجبل.. امتلاك “أفق” الرؤية
كما ذكرنا في الجزء السابق، فإن الصعود في الجبل يمنحنا منظوراً لا يملكه المنبطحون. من فوق القمم التي صعدناها بتضحياتنا وأخطائنا، نرى المشهد كاملاً. نحن نتحكم في رؤيتنا لأننا نرى أبعد من اللحظة الراهنة؛ نرى التاريخ والمستقبل. التحكم في الرؤية يعني ألا تسمح للعقبات العابرة بأن تحجب عنك الهدف النهائي. نحن نرى “فلسطين” حتى في أحلك الظروف، وهذه هي الرؤية التي فشل “الآخرون” في فرض بدائل لها.
تحويل الأخطاء إلى “سيادة”
قد يتساءل البعض: كيف لارتكاب الأخطاء أن يؤدي إلى التحكم في الرؤية؟ الإجابة تكمن في السيادة المعرفية. الشخص (أو الحركة) الذي يخطئ ويتعلم، يمتلك الحقيقة لأنه اختبرها. نحن لا نحتاج من “الأذكياء” في الخارج أن يخبرونا بما يجب فعله؛ لقد جربنا كل الطرق، وعثرنا في كل الحفر، وامتلكنا “الحكمة الميدانية”. هذا المخزون من الأخطاء المصححة هو الذي جعل قرارنا الوطني مستقلاً وغير قابل للاختراق.
عام 2026: رؤية فتحاوية في عالم مضطرب
في هذا العام، وبينما تتصارع القوى الكبرى وتتغير التحالفات، تظل “فتح” هي الصخرة التي تتحطم عليها الرؤى البديلة. نحن نتحكم في رؤيتنا لأننا نؤمن بأن فلسطين ليست مجرد “ملف” سياسي، بل هي “قصد” وجودي. العمل واستمرار العمل بالنسبة لنا ليس تعليمات نتلقاها، بل هو استجابة لنداء داخلي وقصدية وطنية لا تملكها سوى “فتح”.
إن ميزة “فتح” الكبرى ليست في ادعاء العبقرية، بل في امتلاك الإرادة. نحن نتحكم في رؤيتنا لأننا امتلكنا الشجاعة لنخطئ، ولنصعد الجبل، ولنخرج من منطقة الراحة. سنظل الحركة التي لا تقبل “الوصاية”؛ لأن من دفع ثمن طريقه دماً وأخطاءً، لا يسمح لأحد بأن يمسك له المقود.
نحن في “فتح” سادة رؤيتنا، وعبيد هدفنا، ومستكشفو طريقنا.. والقدس هي الموعد.
في ختام المحاور الخمسة:
نصل إلى اليقين الذي صاغته التجربة الفتحاوية عبر العقود: أن معركة التحرر الوطني ليست سباقاً لمن يدعي “الذكاء” المطلق، بل هي معركة “النفس الطويل” و “الإرادة التي لا تنكسر”.
ميثاق الاستمرار والوفاء للميدان
لقد عبرنا في المحاور الخمسة من الاعتراف بشجاعة الخطأ، إلى عمق العقلية الاستكشافية، وصولاً إلى قمم الجبال حيث تُصان الرؤية والقرار المستقل. واليوم، ونحن في عام 2026، نؤكد أن هذه الفلسفة ليست مجرد كلمات، بل هي ميثاق عمل يربط كادر الحركة بجماهير شعبنا.
إن الخلاصة التي نخرج بها هي:
أننا في “فتح” سنظل نحاول، لأن المحاولة هي دليل الحياة والاشتباك.
أننا سنظل نخطئ، لأننا نرفض الجمود والانحناء للعواصف في وديان الانتظار.
أننا سنظل نستكشف، لأن فلسطين تتطلب عقلاً مبدعاً يطوع المستحيل ويخلق الفرص من رحم المعاناة.
نحن ندرك أن “الطريق الصعب” الذي اخترناه لا يزدحم إلا بالأوفياء، وأن “الصعود” الذي أرهق أجسادنا قد صقل أرواحنا ومنحنا شرف التحكم في مصيرنا. إن حركة “فتح” اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، هي حركة “متحكمة في رؤيتها”، تستمد شرعيتها من دماء شهدائها، وأنين أسراها، وتطلعات أبناء شعبها في الشتات والداخل.
رسالتنا الأخيرة:
إلى كل فتحاوي يحمل “قصدية” التحرر في قلبه: لا تخشَ من عثرات الطريق، ولا تلتفت لضجيج المشككين في الأودية. فمن يمتلك شجاعة “المحاولة” يمتلك مفاتيح “المستقبل”. نحن في “فتح” وجدنا لنبقى، وبقينا لننتصر، وانتصارنا الحقيقي هو في استمرارنا على درب الفداء حتى يرفع شبل من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علم فلسطين فوق مآذن القدس وكنائس القدس وأسوار القدس.
عاشت فلسطين حرة عربية.. وعاشت حركة فتح ديمومة للثورة وشعلة للكفاح.



