محمد قاروط أبو رحمه: كيف نصنع الحل ونحن نسير؟ ياسر عرفات أنموذجًا
محمد قاروط أبو رحمه 24-1-2025: كيف نصنع الحل ونحن نسير؟ ياسر عرفات أنموذجًا
في عالم متسارع التحولات، لم تعد المشكلات تُطرح بوصفها معادلات مغلقة، ولا الحلول تُستخرج من نصوص جاهزة أو خطط مكتملة. فبعض التحديات لا تُفهم إلا أثناء التعامل معها، ولا تُحل إلا عبر التفاعل المباشر مع تعقيدها. من هنا تبرز فكرة صناعة الحل أثناء السير، حيث يصبح الفعل نفسه أداة للفهم، والحركة وسيلة لإنتاج البدائل.
إن هذا النمط من التفكير يفترض أن المعرفة، رغم أهميتها، ليست كافية بذاتها. فهي تمنحنا الاتجاه العام، لكنها لا تعفينا من ضرورة التكيّف المستمر مع الواقع المتغير. الحل، في هذه الحالة، ليس محطة نهائية نصل إليها، بل مسار يُعاد تشكيله مع كل خطوة.
القيادة في غياب الخارطة النهائية
ياسر عرفات يمثّل أنموذجًا لقيادة تشكّلت في سياق لم يسمح بترف الحلول الجاهزة. فقد تحرّك في بيئة سياسية شديدة السيولة، تتغير فيها موازين القوى الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية. في مثل هذا الواقع، يصبح الالتزام الصارم بخطة مسبقة عبئًا أكثر منه ميزة.
ما يلفت في تجربته ليس الوصول إلى حل مكتمل، بل القدرة على إبقاء المسار مفتوحًا. لم يكن يمتلك دائمًا إجابات واضحة، لكنه امتلك مهارات مكّنته من الاستمرار: الإصغاء للتحولات، قراءة اللحظة السياسية، والقدرة على إعادة تموضع الخطاب والقرار دون فقدان الاتجاه العام.
الحل بوصفه عملية لا حدثًا
في هذا السياق، لم يكن الحل لحظة إعلان أو توقيع، بل عملية مستمرة من التفاوض، والمراجعة، وإعادة التقدير. فالقيادة هنا لا تقوم على تنفيذ نص مكتوب سلفًا، بل على إدارة التوتر بين الثوابت والمتغيرات. وهذا يتطلب درجة عالية من الذكاء العملي: معرفة متى يتمسّك القائد بموقفه، ومتى يعيد صياغته، ومتى يختار خطوة مرحلية تحافظ على إمكانية الاستمرار.
تجربة عرفات تكشف أن بعض الحلول لا تُصنع في غرف التخطيط، بل في قلب الحركة ذاتها؛ حيث يصبح الإصغاء، والتعاطف مع الواقع المركّب، وضبط الانفعال تحت الضغط، أدوات مركزية لا تقل أهمية عن المعرفة السياسية أو القانونية.
من النص إلى الفعل
إن الجمع بين الفهم النظري والمهارة العملية هو ما يسمح بصناعة الحل أثناء السير. فالنصوص تمنحنا الإطار، لكنها لا تستطيع استيعاب كل الاحتمالات. أما الفعل الواعي، فهو الذي يكشف حدود النص ويفتح المجال لتجاوزه دون القطيعة معه.
هنا تتجلى الفكرة الجوهرية: نحن لا نصل لأننا نملك الطريق كاملًا، بل لأننا نمتلك القدرة على تعديل الطريق دون أن نفقد الاتجاه. وهذا ما يجعل من صناعة الحل أثناء السير ليس ضعفًا في التخطيط، بل كفاءة في التعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمناه.
خاتمة
إن تجربة ياسر عرفات، بوصفها حالة قيادية تاريخية، تبيّن أن الحلول الكبرى لا تولد دائمًا مكتملة، بل تنضج عبر الحركة والتفاعل مع التعقيد. وفي عالم تتغير فيه المشكلات أسرع من النصوص التي تشرحها، يصبح النجاح مرهونًا بقدرتنا على الجمع بين المعرفة والمهارة، بين الثبات والمرونة، وبين الرؤية والاستجابة.
فالحل لا يكون دائمًا ما نصل إليه،
بل ما ننجح في بنائه ونحن نسير.



