منوعات

محمد قاروط أبو رحمة: الحرب كبناء سردي: حين تغيب “الخاتمة” في استراتيجيات الاستعمار

محمد قاروط أبو رحمة 9-4-206: الحرب كبناء سردي: حين تغيب “الخاتمة” في استراتيجيات الاستعمار

الملخص: كيف تتحول الحروب الغربية الصهيونية إلى “روايات مبتورة” تفتقر إلى منطق النهايات.

الحرب كبناء سردي: حين تغيب “الخاتمة” في استراتيجيات الاستعمار

تُشبه الحروب في جوهرها التقليدي الروايات المحكمة؛ تبدأ بـ مقدمة تحدد الأهداف والمحفزات، ثم يمتد متنها عبر مسارات القتال والمناورة، وصولاً إلى خاتمة تضع حداً للنزيف وتعلن انتصاراً أو تسوية ترسم ملامح واقع جديد. لكن، عند تتأمل حروب المشروع الغربي الصهيوني والولايات المتحدة، نجد أننا أمام نمط مغاير من السردية: حروب تمتلك مقدمات صاخبة، متنًا دائم التبدل، لكنها تفتقد تماماً إلى “الخاتمة”.

متنٌ متبدل وصراعات بلا أفق

في الحروب الغربية المعاصرة، غالباً ما تُكتب المقدمة تحت شعارات “نشر الديمقراطية” أو “الدفاع عن الأمن القومي”، أو “الحرب على الإرهاب” أو “الحرب على المتشددين الإسلاميين” أو “الحرب على الشيوعية” لكن بمجرد انطلاق الرصاصة الأولى، يبدأ المتن في التفكك والتبدل. فالمتن الذي بدأ في فيتنام كاحتواء للشيوعية، تحول إلى استنزاف عبثي في الغابات بلا هدف واضح. والموقف تجاه إيران منذ عقود يعيش في متن من العقوبات والتهديدات التي تتغير صورها دون أن تصل إلى نقطة حسم، وينطبق الامر على الحرب ضد الشعب الفلسطيني.

هذا التبدل في “المتن” ليس عجزاً تقنياً بقدر ما هو فلسفة تتبعها القوى الاستعمارية؛ حيث تصبح الحرب غاية في حد ذاتها، استمرارية للفوضى التي تخدم مصالح آنية، مما يجعل الوصول إلى “الخاتمة” أمراً غير مرغوب فيه لدى صنّاع القرار، لأن الخاتمة تعني الاستقرار، والاستقرار ينهي مبررات التدخل والسيطرة.

من دير ياسين إلى غزة: جرحٌ مفتوح
يتجلى غياب الخاتمة بأبشع صوره في المشروع الصهيوني. فمنذ مجزرة دير ياسين عام 1948، لم يضع هذا المشروع خاتمة للصراع، بل استمر في فتح فصول جديدة من الدم. اليوم، ما يحدث في غزة وشمال الضفة الغربية هو استمرار لمتن المجزرة ذاته بأسلحة أحدث. هي حرب “مفتوحة” لا تهدف إلى سلام أو تسوية، بل إلى حالة من الصراع الدائم الذي يتغذى على الألم الفلسطيني. إنها رواية دموية يرفض كاتبها وضع النقطة الأخيرة، ظناً منه أن استمرار “المتن” الوحشي سيؤدي بالضرورة إلى تآكل الضحية، متناسياً أن السردية التي بلا خاتمة هي سردية فاشلة استراتيجياً.

لبنان: فصلٌ يتكرر بلا خاتمة

وفي السياق ذاته، يُشكّل لبنان نموذجاً مكثفاً لهذا النمط من “السرد المبتور”. فمنذ عام 1948، مروراً بالاعتداءات المتكررة، وصولاً إلى اجتياح عام 1982، ثم الحروب الدورية مثل حرب 2006، 2025 و2026، لم تكن هذه المواجهات فصولاً منفصلة بقدر ما كانت امتداداً لمتن واحد يتجدد دون أن يبلغ خاتمته. لم تُكتب هذه الحروب بهدف حسم نهائي أو تسوية مستقرة، بل جاءت كإعادة إنتاج دائمة لحالة الاشتباك، حيث يتحول لبنان إلى ساحة اختبار للقوة وإعادة رسم قواعد الردع دون الوصول إلى نقطة نهاية واضحة. وكما في فلسطين، يُدار الصراع هنا بمنطق “الإبقاء على الجرح مفتوحاً”، بحيث تبقى الحرب احتمالاً قائماً أكثر من كونها حدثاً منتهياً. إن هذا التكرار لا يعكس فقط عجزاً عن الحسم، بل يكشف عن إرادة ضمنية في تجنب الخاتمة، لأن نهايات الحروب تفرض توازنات جديدة قد لا تخدم المشروع الاستعماري، بينما استمرار المتن يضمن بقاء السيطرة في حالة سيولة دائمة.

مأزق الرواية الفاشلة

في عالم الأدب، الرواية التي تفتقر إلى خاتمة متماسكة تربط الخيوط وتمنح القارئ شعوراً بالمعنى، هي رواية تتعرض للنقد القاسي وتفشل في “السوق”. وكذلك هي الحرب؛ الحرب التي لا تعرف كيف تنتهي، أو التي تتعمد ألا تنتهي، هي حرب فاشلة سياسياً وأخلاقياً.

إن غرق الولايات المتحدة في حروب “الأبدية” وغرق الكيان الصهيوني في متن “المجازر المستمرة” هو دليل على الإفلاس الاستراتيجي. فبدون خاتمة تمنح الشعوب حقها أو تنهي حالة الصراع، يظل هذا المشروع معلقاً في هواء الفشل، مهما بلغت قوة نيرانه.

الخاتمة:

إن التاريخ لا يرحم الروايات الناقصة، والحروب التي تُخاض بلا أفق للسلام أو العدالة هي مجرد ضجيج دموي في متن التاريخ. وفي نهاية المطاف، سيكتشف أصحاب “الحروب بلا خاتمة” أن الضحية هي من ستكتب الفصل الأخير، وبالطريقة التي لم يتوقعها مؤلفو الدم.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى