أقلام وأراءشؤون إسرائيلية

محمد خروب: تحدِّيات حُرية العمل الإستراتيجي لإسرائيل

محمد خروب ٢٦-١٢-٢٠٢٢م: محمد خروب: تحدِّيات حُرية العمل الإستراتيجي لإسرائيل

العنوان أعلاه كان موضوع دراسة مُعمّقة, لطاقم «معهد السياسة والإستراتيجية» (IPS) الإسرائيلي, برئاسة اللواء احتياط/ عاموس جلعاد. تم إعدادها على ضوء فوز تحالف اليمين الصهيوني المتطرف برئاسة نتنياهو والكتل المُتحالفة معه..الحريديون (شاس ويهدوت هاتوراة), وثلاثي الصهيونية الدينية (سموترتش,بن غفير وموشيه غفني).

تُمهّد الدراسة بالقول: على ضوء التوجّهات الآيديولوجية المتطرفة لحكومة نتنياهو المقبلة, والتخوّفات الدولية من خطوات مُتطرفة من جانبها. تتعاظم ــ تُضيف ــ التحدّيات في الساحة السياسية والقانونية الدولية, في مُواجهة التحدّي الإيراني بين القوى العظمى في العالم. ما يستدعي ــ تلفِت الدراسة ــ من هذه الحكومة الحذَر والحساسية تجاه الواقع في المناطق (تقصد الضفة الغربية المحتلة، وهو تعبير أطلقه الاحتلال منذ العام 1967 على الضفة الغربية للأحياء بأنها مناطق مُتنازَع عليها وليست خاضعة للإحتلال)… وعلى مستوى التغييرات البنيوية في المجتمع.

هنا يدخل واضعو الدراسة في تفسير ما ذهبوا اليه عبر القول: إنه وعشيّة تشكيل الحكومة الجديدة تقف اسرائيل أمام تحديات هامّة، وعلى رأسها التحدّي الإيراني المُتعاظم «والتفجّر» السياسي والأمني في الساحة الفلسطينية. لكنهم – واضعو الدراسة – يتحدّثون مقابل ذلك – التحدي الإيراني و» التفجّر السياسي/والأمني الفلسطيني, عن «تمتّع» اسرائيل اليوم بـ”ذخائر» إستراتيجية مُتنوعة، يضعون في مقدّمة هذه «الذخائر» أولاً وقبل كل شيء ــ كما كتبوا حرفيّاً ــ العلاقات الخاصّة مع الولايات المتحدة, والى جانبها العلاقات مع «دول السلام والتطبيع»، ثم القوة العسكرية والاقتصادية وجهاز قضاء مستقل وقويّ. هذه الذخائر – تضيف الدراسة – تؤثِّر على صورة اسرائيل كقوة عظمى اقليمية، وتسمح لها باستخدام القوة ومواصلة الإستثمار في بناء القوة. بشكل يحفظ تفوّقها النوعي على أعدائها وخصومها في المجال. كل ذلك–تستطرِد – الى جانب قدرات نوعية استثنائية لدى أجهزة الأمن لإحباط عمليّات الإرهاب.

وإذ يصعب صرف النظر عن المبالغة والتضخيم والغرور الذي تحفل به الدراسة, للإيحاء بأن دولة العدو الصهيوني باتت قادرة على كتابة جدول أعمال المنطقة وفرض رؤيتها على دولها, كونها قوة اقليمية عظمى خصوصاً عسكريّاً, فضلاً عن اقتصادها القويّ وتحالفها مع الولايات المتحدة، فإن واضعي الدراسة يلفِتون الى أن السياسة المتوقعة للحكومة الجديدة، بما في ذلك «النيّة» لتغيير التبعية التنظيمية لِمُنسق الأعمال في المناطق (تقصد المسؤول العسكري الإسرائيلي الذي يتولى شؤون الأراضي المحتلة), وبخاصّة – تُضيف – على مسؤوليته, من خلال الإدارة المدنية في يهودا والسامرة (مصطلح توراتي يُطلقه الإحتلال على الضفة المحتلة)، ستكون له آثار استراتيجية واسعة.

أولا وقبل كل شيء – تواصِل الدراسة – فهي تخلِق احتمالاً متزايداً للإحتكاك مع السلطة الفلسطينية، والمسّ بمنظومة العلاقات مع الإدارة الأميركية والدول العربية, وذلك في ضوء ما سيُعدّ كخطوة لتغيير الواقع على الأرض, والدفع قدماً بمسيرة عمليّة لضمّ «يهودا والسامرة»، مثل هذا التطوّر ــ تستطرِد الدراسة – سيمس بشرعية دولة اسرائيل، سيقضم من حريّة العمل الإستراتيجي والأمني التي تتمتع بها (بما في ذلك التأييد في الموضوع الإيراني), وسيُعرّض اسرائيل لإجراءات قانونية ضدّها.

ماذا تقول الدراسة عن التحدّيات الإستراتيجية:

التحدّي الأول: الساحة الفلسطينية – تفجّر أمني وتحدّ سياسي – قانوني.

خطوات اسرائيل تجاه الفلسطينيين من شأنها أن تصعد أكثر فأكثر تعابير اللاسامية (التي توجد على اي حال في ميل صعود) ضد يهود في ارجاء العالم وتشكل ذخيرة في ايدي منظمات نزع الشرعية للدفع قدما بخطوات ضد اسرائيل في المؤسسات الدولية ومع الشركات الدولية. وذلك في ظل الدفع قدما بالروايات التي تقول ان دولة اسرائيل هي دولة أبرتهايد وان اسرائيل ترتكب جرائم حرب.

التحدّي الثاني: ايران – تعاظم التهديد

التهديد الايراني على اسرائيل يتعاظم في كل الابعاد، وبخاصة في كل ما يتعلق بتقدم المشروع النووي وتحسين القدرات الهجومية في مجال الصواريخ والمسيرات، في ظل التعاون الاستراتيجي الناشيء مع روسيا في مجالات عسكرية وتكنولوجية. التقديرات الحالية التي تدعي بان الفترة الزمنية اللازمة لايران لتطوير قدرات نووية عسكرية هي نحو سنتين تبدو صحيحة.

التحدّي الثالث: الساحة العالمية – المنافسة المتزايدة بين القوى العظمى.

بعد نحو عشرة اشهر من نشوب الحرب في اوكرانيا، ونهايتها لا تزال لا تبدو في الافق، رغم المؤشرات الاولية على استعداد الولايات المتحدة وروسيا لفحص الامكانية لاستئناف المفاوضات. واضح حالياً ان الطرفين يستغلان اشهر الشتاء لتحسين المواقع والانتظام العملياتي استعداداً لتصعيد محتمل للقتال في الربيع، في ظل استمرار الجهود لاستنزاف وضرب الطرف الاخر.

المعاني والتوصيات:

في السياق نوصي على نحو خاص بالامتناع عن «عقاب» اقتصادي للسلطة من شأنه أن يؤدي الى انضمام جماهيري واسع لموجة التصعيد الجارية منذ نحو نصف سنة. كما أن على الحكومة أن تحذر من الدفع بخطوات تتعلق بالحرم تؤثر سلباً على العلاقات مع الدول العربية (وبخاصة الأردن)، وعلى العلاقات المشحونة أصلا بين الدولة وبين الجمهور العربي في إسرائيل.

التحدّي الأول: الساحة الفلسطينية – تفجّر أمني وتحدّ سياسي – قانوني.

تُشكِّل الساحة الفلسطينية اليوم التحدي الاستراتيجي الأكثر شحناً, والذي سيتعين على الحكومة الجديدة ان تُعطي له جوابا بسبب التفجر الامني (ولا سيما في شمال السامرة)، والذي يُهدد بالانتقال الى مناطق اخرى في يهودا والسامرة، الى جانب التهديدات التي تنطوي عليها الابعاد السياسية والقانونية.

أبو مازن، الذي توجد مكانته العامة في درك أسفل غير مسبوق، يُشخص الوقت الحالي كلحظة مناسبة وكفرصة للدفع قدما بمعركة سياسية وقانونية ضد اسرائيل. وقد وجدَ هذا التفكير تعبيره مؤخرا في توجّهات من السلطة الفلسطينية الى الامم المتحدة لطلب فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي بالنسبة لـ «الاحتلال الإسرائيلي المتواصل»، وفي توجّهات للمدعي العام في محكمة الجنايات الدولية للشروع في تحقيق ضد اسرائيل. في الاسبوع الماضي برز ابو مازن حتى في قول في مقابلة مع شبكة «العربية» وجاء فيه بان من شأنه ان يفكر لاحقا بالعودة الى الكفاح ?لمسلح.

التحدّي الثاني: إيران – تعاظم التهديد

إن صرف الاهتمام العالمي نحو مسائل اكثر اشتعالا وعلى رأسها الحرب في اوكرانيا، أزمة الطاقة والتضخم المالي المتزايد الى جانب المساعدة الايرانية في المجهود الحربي الروسي والقمع الوحشي للاضطرابات في الداخل، تخلق واقعا تكون فيه امكانية الوصول الى اتفاق نووي جديد متدنية للغاية. في ضوء ذلك، وبدون خلق تهديد مصداق وملموس، فان ايران هي التي تُمسِك بالاوراق في أيديها بالنسبة لوتيرة تقدم المشروع النووي.

التحدّي الثالث: الساحة العالمية – المنافسة المتزايدة بين القوى العظمى.

ان زيارة الرئيس الصيني «شي» للسعودية وسلسلة الاتفاقات الاقتصادية التي وُقّعتْ في اثنائها, تعكس ارتفاع درجة في العلاقات الثنائية بين الدولتين. وقد أبرز السعوديون الزيارة والاستقبال الحار للرئيس/شي (بخلاف الاستقبال البارد الذي استقبل به الرئيس بايدن قبل نحو نصف سنة), في ما بدا كمحاولة لتحذير الإدارة الأميركية من أن للرياض بديلا استراتيجيا مساوي القيمة. كل هذه تشكل تعبيرا عن منظومة العلاقات الأميركية المُركّبة مع دول الخليج والتغييرات التي طرأت في السياسة الخارجية السعودية في السنوات الأخيرة، مثلما وَجدت تعبي?ها في الرفض الثابت من جانب الرياض للاستجابة للطلبات الأميركية المساعدة في تخفيض أسعار النفط.

المعاني والتوصيات:

إضافة الى ما ورد أمس تُضيف الدراسة توصيات أخرى على النحو التالي:

في السياق الفلسطيني:

رغم مواقف الحكومة الوافدة الأيديولوجية الواضحة، نُوصي بان يبدي قادتها تفهّما لحساسية وهشاشة الواقع الحالي في يهودا والسامرة, والذي من شأنه أن يتطور بسرعة الى تهديد استراتيجي حاد من ناحية إسرائيل. في المرحلة الأولى على الأقل نُوصي الحكومة بالامتناع عن تنفيذ خطوات ثورية ولا سيما تلك التي تضعضع مكانة السلطة وتُغير وجه الواقع في يهودا والسامرة.

في السياق الدولي:

ليس للتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بديل, والقدرة على بلورة جواب شامل للتحدّي المتزايد من جانب ايران, تعتمد بشكل مطلق على التعاون بين الدولتين. سيتعين على الحكومة ان تعمل بكل سبيل للحفاظ على العلاقات الخاصة وعلاقات الثقة مع الإدارة (ضمن أمور أخرى على خلفية رواسب الماضي بين رئيس الوزراء المُرشّح وبين الإدارة الديمقراطية) ويهود الولايات المتحدة, وذلك كي تضمن دعم الإدارة في صد إجراءات ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية وفي الساحة القانونية.

في ضوء المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، نَقترح على الحكومة الجديدة ان تُبدي حذرا زائدا في التعاون مع الصين، ولا سيما في السياقات التكنولوجية والبنى التحتية الوطنية وتصعيد الرقابة على المحاولات الصينية لشراء شركات إسرائيلية.

حيال روسيا نُوصي الحكومة بأن تُواصل الوقوف الى جانب أوكرانيا, وتحويل المساعدة لها وفقا للخطوط الحمراء من جانب روسيا في كل ما يتعلّق بتوفير منظومات الدفاع الجوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى